جنرال "الأزمات" وسمسرة الأوطان / محمد فاضل ولد محمد يحي التراد

ربما لا أكون بحاجة للحديث عن تفاصيل كثيرة طبعت مشهد الحياة اليومي للمواطن الموريتاني منذ شاءت له الأقدار أن يستيقظ صباح أحد الأيام ليجد "جنرالا" مُقالا وقد قرر أن يغلق بالقوة قوس الحرية والديمقراطية الذي كان الشعب

 الموريتاني قد فتحه، أجل فربما لن أكون بحاجة للحديث عن تلك التفاصيل لأنها طبعت في أذهان الجميع  مقترنة بسوء الأحوال وارتفاع الأسعار وتردى القيم وامتهان الكرامة.

لكنى مع ذلك سأكون مضطرا أن أتوقف مع  المحطات الكبيرة في رحلة "جنرال" كانت حافلة بالفشل  مليئة بالأزمات لم تأخذ صاحبها في الشعب المنقلـب على إرادته إلا ولا ذمة،  فكانت باكورة إنجازاته أزمة سياسية كادت تعصف بالوطن بعدما عصفت بديمقراطيته،  تسلح "الجنرال" خلالها بترسانة من الكذب على عقول الضعفاء مكنته من تجاوز تلك الأزمة ليظهر في زي مدني وأرى قليلا من سوءات الانقلاب الفج وردة الفعل العنجهية ، لتكون تلك بداية أمل لضعفاء انتخبوا الرجل عن قناعة و أعطوه الفرصة الكاملة ليفي بتعهداته رغم كل المؤشرات السلبية التى بدأت بإحاطة نفايات العقيد ولد الطائع برئيس حرسه .
ولأن المستوى المعيشي ازداد سوء و الخدمات الصحية و التعليمية استمرت في الانهيار كان لابد أن يكتوى فقراء الوطن بنار نكث العهود الكاذبة التى أطلقها "الجنرال" ليفقد الرجل بريق أهم شعار رفعه لكنه بدل أن يحاول التخفيف من تلك الأزمة الخانقة و الوضع الاقتصادي المنهار مارس سياسة الهرولة إلى الأمام فعقد اتفاقية للصيد برهن من خلالها أن العنوان المقبل لأي صفقة تعقدها الدولة سيكون تجاريا بامتياز وطبعا سيعتمد ميزان الربح والخسارة فيها على ما سيدخل جيب "الجنرال التاجر".
فهم المواطن المسكين المنطق التجاري لرئيسه وحاول أن يتكيف معه أو على الأصح لم يجد بدا من ذلك، فابتلع إهانة صعوبة الحصول على  لقمة العيش ورضي – مكرها – بتسديد فواتير الزيادة المستمرة والمبرمجة في الوقود وتعود على التأقلم مع الزيادة الروتينية في الأسعار وتحمل تجاره ورجال أعماله  لأول مرة  - بشكل مباشر - على الأقل أن يدخل ساكن القصر الرئاسي على خط المنافسة على الصفقات التجارية والسمسرة، وحافظت المعارضة رغم استفزاز الجنرال لها على الروح الوطنية العالية والرغبة في تجاوز كل تلك الأزمات عن طريق الحل السياسي، مع  كل ذلك فقد أبان الجميع عن معدنهم الأصيل حين دخل الجنرال أزمة شخصية الأسباب وطنية التأثير سببتها رصاصة غامضة أصيب بها "الجنرال" في مكان غامض و دوافع "صاحبها" أشد غموضا، وقف الجميع إلى جانب الجنرال الجريح  بدعواتهم له بالشفاء العاجل رغم أن الحكومة لم تستطع أن تتوقف ولو لفترة قصيرة عن سياسة الكذب والتضليل ففبركت قصة سيئة الإخراج لم تحترم فيها كالعادة عقل المواطن أو حقه في الحصول على المعلومة، ولأن المواطن ألف التعايش في ظل  الأزمات المتتالية منذ ظهر "الجنرال التاجر" في المشهد فقد تعود أيضا على أن يقابل تبرير الحكومة لتلك الأزمات  بالسخرية والتنكيت، وأصبح لا ينتظر انتهاء أزمة إلا بقدر انتظاره لبوادر اندلاع  أزمة جديدة.
ولأنى على قناعة أن تتبع أزمات الوطن منذ قدوم الجنرال يحتاج مؤلفا لا كاتبا،  فسأحاول أن أعرض فقط خطوط تلك الأزمات العريضة، وبالطبع لا يمكن أن أتجاوز تلك الأزمة التى يعيشها كل مواطن موريتاني والمتمثلة في الاختفاء القسري لبعض أبناء الوطن والتهاون الفاضح للنظام القائم في التعاطى مع الموضوع، فقد تعود الشعب أن يفقد بعض أبنائه سواء حين يغيبهم الموت نتيجة كارثة سببها تعاطى الحكومة أو يغيبهم الاختطاف نتيجة تهاون سببه الحكومة أيضا، فخلال كل المصائب التى صاحبت توديع الوطن لقوافل الشهداء في محطات الإهمال الكثيرة كانت الدولة غائبة ولم تكلف نفسها حتى كتابة برقية تعزية وإن فعلت تأتى الصياغة خجولة لا تناسب المقام ولا الحدث، وحين يستمر الشعب في البحث عن مصير أبنائه المختطفين يستمر النظام بدوه في ممارسة سياسة توزيع المسكنات دون أن يستطيع إخفاء تهاون فاضح وعدم مبالاة قاتلة.
وبما  أن وقع الأزمات التي عشناها مع الجنرال يتفاوت من ناحية وقعها على النفوس فقد أخرت الحديث عن أزمة إهانات المقدسات وطفرة انتشار ظاهرة الإلحاد والدعوة إليه،  فلم يكن من السهولة على المواطن الموريتاني حتى ولو كان نظام الجنرال قد  نجح في أن "يوروديه" على ابتلاع الأزمات، فلم يكن من السهل عليه أن يبتلع تلك الصفعات المتتالية والتي أصابت تدينه في الصميم، بدء بحرق كتب الفقه المالكي ونشر فكر الإلحاد  ثم الإساءة للجناب النبوي الطاهر على صاحبه أفضل الصلاة والسلام ليأتي الدور أخيرا على المصحف الشريف ليتعرض للتمزيق، هي متتالية مجرد كتابتها يشعر معها الإنسان بضيق في التنفس وكأن أنامله تضغط على وريده، فما بالكم بمن عاشها واقعا مؤلما، وقد زاد من شدة الصدمة محاولة النظام التعامل مع إهانة المقدسات بمنطق الربح والخسارة، حين تعود الجنرال أن يخرج في كل أزمة "ملثما" ويطلق وعودا تشبه وعود التاجر "المحتال " الذي يعرف يقينا أنه لن يقابل زبونه "الضحية"  بعد ذلك وحتى إن قابله فسيمنعه "اللثام" من معرفته.
وكما كان متوقعا فلم يكن ذاك الضغط المتواصل على الشعب من خلال إهانة مقدساته أن يستمر دون أن يدفع ذلك الشارع إلى الانفجار، فجاءت إهانة المصحف الشريف لتفيض كأس الصبر ليتدفق الغاضبون بعد ذلك إلى  حيث قابلوا "الملثم" لأول مرة،  لكنهم وجدوه قد احتاط جيدا وأمر زبانيته بالبطش بهم حتى يجد الوقت للظهور في حلة جديدة وبلثام جديد، وقد كانت زبانية الجنرال شديدة البطش والتنكيل فسقط شهيد المصحف، وكان  الناطق باسم الحكومة فظا غليظ القلب، مفتقدا للباقة،  خشن الأسلوب في خرجته الأولى حين لم يكتف بعدم التعزية وأطلق على الشهيد لقب "الجثة".
ورغم أن القلوب كانت متألمة و النفوس حائرة فقد كان عقل "الجنرال التاجر" متيقظا حين هرول إلى اقتناص الفرصة حتى  يعرض فكرة جهنمية في سوق نخاسة بيع الشرف والمتاجرة بالأحرار الذي يعقد في سوق قريب من "عكاظ"، فأقدم الجنرال على خطوة لم تفاجئ أحدا - لأنها صدرت من من لا يستطيع احد أن يتكهن بتصرفاته – على صب الزيت على النار، ففي الوقت الذي طالب  فيه الجميع بالبحث عن "حل" لأزمات متتالية خطيرة، كان الجنرال قد فهم مطلب "الحل" فهما ميكانيكيا فأمر وبسرعة "بحل جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم" وإغلاق مستشفى النور الطبي ومعهد البنات ومدارس الأطلسي، في خطوة لم يتساءل أحد عن سببها بقدر ما تساءل الجميع عن قيمة المبلغ الذي حصل عليه الجنرال في تلك "الصفقة الفاسدة".
ظهر نظام "الجنرال" في ثوب المستأسد على أهل الخير،  "المستنعج" أمام من دنس المقدسات، فاشتعل الجميع غضبا على منابر للخير "منعت" ومراكز استشفاء وتعليم مجانية أغلقت في الوقت الذي لا زال فيه "العابثون بالمقدسات" يمرحون في انتظار أن تجبر السلطات "ماعز تيارت" على تبنى الحادثة.
وفي انتظار ما ستؤول إليه خطوة الجنرال المقبلة وهو يهرول إلى سمسرة الوطن واستقراره لمن يدفع أكثر...  يبقى السؤال الأهم :
إلى متى سيستمر الوطن في دفع ثمن تصرفات نظام جنرال عاش الشعب خلال سنواته الخمس من الأزمات ما لم يعشه طيلة خمسة عقود من عمر الوطن؟

12. مارس 2014 - 18:10

كتاب موريتانيا

ذات صلة