الرئيس والشباب بمجهر التحليل ! / دداه محمد الامين الهادي

أسوء خطإ في لقاء الرئيس بالشباب هو التمييز غير الايجابي، الواقع عمدا أو بغير قصد بين مفتشي الشباب، وبين نظرائهم في أسلاك الدولة الأخرى، فالسؤال الذي وجهه شاب يعمل في وزارة الثقافة والشباب والرياضة لفخامة الرئيس حول مصير الشباب المكتتبين في الشباب والرياضة في وزارتهم لم يلق جوابا، وتجاوز أسماع الرئيس فيما يبدو.

السبب يرجع إلى سؤال آخر ورد في ورشة الدين والثقافة والمجتمع والرياضة، وهو السؤال المتعلق بمجريات أحداث المصحف، وبثناء المتدخل على غرار غيره على منجزات الحكم الإسلامية، فتلك المنجزات لاقت اسهابا من المتدخل، ولم يتركه الرئيس بغير إعادة وتكرير، وفي السؤال عن المصحف وأحداثه، وجد الرئيس مسوغا ليحلل ما حدث، وليعيد كثيرا من النظريات، التي انتشرت اعلاميا، وتاريخيا اختزلها الراحل أنور السادات في جملة تقول: "لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة"، لكأن الرئيس يريد من خلال هذه النظرية بلورة فكرة معينة، واضحة وجلية، حول رفضه لأسلمة السياسة، وتسييس الإسلام، وهذا الطرح لا يسلم من خطإ، ولا من خطل فهو سليل اللائكية، ويفتح الباب واسعا على مصراعيه للعلمنة، ويتناسى أن الدين له سياسته، وللبيت رب سيحميه عندما يحمي كل ليلاه.
وسأكذب عليكم إن قلت لكم في هذه الجذاذة أن اللقاء يحتاج لمجهر، لندرك أبعاده، فعلى العكس، كان معظم الشباب بلا مشاريع حقيقية، وإنما يمتلك أٍسئلة ليباغت بها صاحب المقام العالي، وصاحب مطالب يتمنى من القيادة تحقيقهاـ فالشباب يتساءل أسئلة عميقة، معتقدا أنه في حضرة الفيلسوف اليهودي جاك دريدا، أو أنه في حضرة أحد فلاسفة الوجودية أمثال اسبينوزا، وكارل ياسبرز، وكايركجورد، وجامبول سارتر، فعلا يتفلسف الشباب على الهواء مباشرة.
يبدأ اللقاء بتصفيق حار ملاحظ، وكلما رفع الرئيس يده محللا، أو حك رأسه متململا، أو ابتسمت أساريره متهلهلا امتلأت القاعة تصفيقا، وهو ما يطمئن على الثقافة المحلية، الموغلة في المحاباة، والمندهشة بصانع القرار الأول، فالتملق متأصل في وجداننا الموريتاني، ونخبتنا كعادتها تتربص الفرص لتغازل من يحالفه الحظ في الرقي إلى كرسي الرئاسة، وما أقبح أن يصفق الناس بحرارة للفكرة قبل اكتمالها، وللبسمة قبل بروز أسنان صاحبها، وللحركة قبل تبين ماهيتها، ومغزاها، ومبناها، لقد كان النفاق للحكام هو ما أثخن النفس العربية الحرة، وهو ما دساها، وصبحها أسفل سافلين، ومساها مهمشة، عابدة لصبوات حكامها.
والغريب في شباب الرئيس المختار أنه يوم انتظرنا بروز مشاريعه، كنا ننتظر مشاريع عملاقة تنموية، وحيوية، ويوم ظهور الشباب جاءت الأفكار معظمها جوفاء، وعبارة عن أسئلة حائرة، ومجاملات طائرة، يظهر بعض أصحابها ذاتية مفتعلة، ملؤها الكبرياء، وتنخرها سوسة الخيلاء، وفي ظاهرها غيرة على البلد، والولد، وفي أبسط بواطنها الظاهرة بدورها نفاق، وتملق كلاسيكيين، يطمع المفوهون بها في التعيين عبر فرصة اللقاء، إن دام –ولا يدوم إلا ربك- لصاحب الصولجان البقاء.
أحرج الرئيس –والله أعلم- فالشباب يطالب الرئيس بالترشح ثانية، مستوعبا الهدف الحقيقي للقاء، وهو الهدف الذي أشاد به محللون وساسة مردوا على التحليل، والتحقيق، والتدقيق، ورأوا أن فخامته يريد باللقاء استمالة الشباب لصفه في الحملات المقبلة، ليكون وقودا للوصول لمأمورية ثانية بديموقراطية العالم الثالث، وثالثة بذات الديموقراطية، حيث ترأس الرئيس فعليا منذ انقلابه الأول، بل قد تكون رابعة إذ أن الرئيس كان وراء انقلاب على منقلب ببلاد السيبة، وبعدها حكم فعليا لأربع مأموريات.
طبعا عندما يقول الشباب للرئيس ترشح، ويصر مظهرا الوداد، فإن التالي لا يفهم الأمور على الظاهر، فبحكم تجاربه يعلم أن يومه إن وافت به الأقدار فسيشاد فيه بفساده، وبسواد المعيشة في زمانه، ولن تشفع له الدولارات واليوروات المكتنزة في بنك وطني، متخم في بلاد العم بلال، والعمة خديجة، في بلاد شنقيط حيث الفقراء هم تحديدا من أحصوا في البلاد إلا ثلة من العترة التي أمها الخالة، أو عمتها، وتدنو بحكم القرابة إلى مصارع الديناصورات.
ليس جديدا أن يتباهى رؤساء العالم الثالث بإصلاحاتهم، وأن يقدموا سير حياتهم أنموذجا للصلاح، والفلاح، ولا أن يروا في قصر صغير على الشانزيليزي قليلا مما يستحقون على شعب يعيش في العراء، وهم أصلا ملزمون بأن يتقشفوا إن كانوا يعيشون اللحظة، ولقد مللنا صراحة من استنساخ الكلمات، والمشاريع، فكلها واحدة، وموحدة، إذ كلها ترشحوا لمأمورية ثانية وإلا حاكمكم الشعب، وكلها ليس من عادتنا النفاق، ونقول صراحة أنكم خدمتم الوطن، والربوع، واسألوا الناس عنا، السماء والأرض تشهدان أنا لا نداهن، ولا نماري، ولا .. ولا .. ولا .. أف .. أف .. وتعست البلاد كلها.
ليست لدينا مشاريع إن كانت تلك هي مشاريعنا، وليست لدينا ثقافة إن كانت تلك هي ثقافتنا، وليست لدينا إرادة للتغيير الحقيقي إن كانت تلك هي إرادتنا، فالسمفونية التي عزفت قديما لا نزال نستعذبها، والوتر ذاته ما يزال يطربنا، ونحن نحن على أية حال، وأغلب الظن أننا بلا شبب، فكلنا شيب، قد شابت المفارق فينا بفعل الفقر العبوس.
وتنشأ خلف وأمام وجنب وبين يدي كل نظام أوليغارشيا خاصة به، لها النفوذ والمال والسلطة، وتدعي الطهر جهارا علنا أمام أنظارنا، وكل إنسان –كما أشار لذلك رئيسنا المفدى- يعلم في ضميره حين يعود إليه من هو؟ .. ومن يكون؟ .. ومن خدم؟ .. وهل حارب الفساد والرشوة؟ .. أم أنه أطلق العنان لخاصته من أبناء وزوجة وأبناء خال وعم ومن أصهار؟
والمجتمع الموريتاني بحكم إشارة صاحب الفخامة يعلم هو الآخر بكل شيء، فنحن قلة على الخفايا، واستتار النوايا السمينة من الإبل، والنيات المبطنة، وسيارات الــ v ثمانية، والــ q  سبعة، والفلل الضخمة، التي يمتلكها في بلادنا المصلحون، والغيورون على مصلحة البلاد، والوساطات التي بفضلها توزر من توزر، وتمودر من تمودر، والثراء الفاحش لناشئة الليل في السوق السوداء، وإن خدعنا فيما بيننا، فعزاؤنا أن الفلل باقية هنا، والزلل بكسبها حراما راحل إلى هنالك، ومن أدراك ما هنالك، إنها مملكة الديان، "والله يعلم المفسد من المصلح"، ولا شك هنالك لن ينتهي الرصاص المدوي بالصلح!، وعلى فكرة أطالب الرئيس بالترشح لمأمورية ثانية!، وحبذا لو أصدر مرسوما يصبح بموجبه ملكا!، أو أن يستفتي الشعب العاشق للطلعة البهية في شأن هذه الملكية.

22. مارس 2014 - 11:45

كتاب موريتانيا

ذات صلة