لماذا تأخر انضمامي إلى الـ"فيسبوك"؟ / محمدُّ سالم ابن جدُّ

أنا –وأعوذ بالله من أنا- من أوائل من عَرَفوا المعلوماتية من سكان هذه الربوع (1992) وأعايش الحاسوب – مكرها لا بطلا- طيلة يومي (وبعض ليلتي) ولدي حاسوبان أحدهما محمول والآخر "غير محمول" ومفتاح للشبكة العنكبوتية يجاع له العيال ولا يجاع؛

أحرص بالدوام على أن يكون فيه رصيد شهرين على الأقل، وأعمل في مكان تتوفر فيه هذه الخدمة سحابيا، وأعشق الاستفادة والمطالعة، والنكتة والترويح إن أمكن. وهذه أمور حكم العصر علينا أن نتلقى الجانب الأهم منها الآن عبر الحواسيب قياما وقعودا وعلى جنوبنا.
رغم ذلك كله فقد عزفت عن الانضمام إلى سكان قارة "فيسبوك" الافتراضية حتى الآن لأسباب لا أدري نسبة الوجاهة فيها إلا أني لا أجد حرجا في ذكرها أيضا:
1.  أني أدير موقعا ألكترونيا وأعمل في مجال التأليف والبحث والتحقيق، ومن ابتلي بمثل بليتي كان بحاجة إلى وقت إضافي وليس إلى شاغل إضافي.
2.  أن الدهماء والنخبة أضحوا شَرَعًا سواسية كأسنان المشط في هذا المضمار؛ فبينما أنت تحلق بعيدا على متون أفكار زيد إذا بجاره خالد –أو زيد نفسه أحيانا- يجري لك هبوطا اضطراريا فيعيدك إلى عالم الحس الجامد بمعلومات "قيمة" من قبيل: تعشيت بمكرونه، سرق نعلي في المسجد، شربت كاسا منعنعة.. ولا ألوم في ذلك فكل ينفق مما عنده، إلا أنني –أيضا- أراني غير مرغم على الإقامة حيث لا آمَن مِن جليس السوء أو جار السوء أو مصاحبة الأردى.
3.  أن الاستعمالات لأغراض رخيصة طغت على هذا المجال؛ ولا أدل من "تخنث" بعض الرجال الذين لا أريد الإفصاح عن هويات من أعرفه منهم، ممن يضعون أسماء أستعف عن مجرد التمثيل لبعضها وصورا أنثوية –حتى لا أقول: خنثوية- ويتحدثون في أمور تجعلهم أحوج الناس إلى الأطباء النفسيين. ومن المضحك أن بعضهم قد تأتي الغفلة بما يسره فيعرب عن نفسه بضمير مذكر أحيانا!
4.  أن بنيتي النفسية غريبة إلى حد كبير؛ بحيث يصعب علي الانسياق وراء الموضة والاتجاهات والصرخات المدوية من هنا وهناك، أيا كانت وأيا كان روادها ومجالها؛ كذلك كنت قبل العشرين، وها قد جاوزت الخمسين. وأذكر –والشيء بالشيء يذكر- أنني منذ أكثر من عقد من الزمن كنت أمارس التدريس في مؤسسة بالسبخة المحروسة (وما أحوجها إلى ذلك) وأقطع العاصمة طولا في رحلتيْ الذهاب والإياب من حي المشروع بتيارت وإليه، ولم تكن "تاكسي 100" قد نشطت كما هي الآن، وإنما المتاح شاحنات المواشي واللحوم والخضروات التي تحولت ببلادنا – بعد إضافات بسيطة- إلى باصات لنقل الأشخاص تجوب عاصمتنا المكينة في رحلات غدوها شهر ورواحها شهر، بـ"مكرمة" بعض رجال الأعمال "الصالحة" عديمي الدراية والذوق، وتغاضي الإدارة، والرعاية السامية لاتحادية النقل "طيبة الذكر". (التي ربما أتوقف مع جوانب من سيرتها "العطرة" لاحقا).
المهم أن طول الرحلة ونوع المركب يعني أن لي في النهار سبحا طويلا يساوي حصة دراسية على الأقل، ولذا لجأت إلى اصطحاب كتاب للمطالعة والاستفادة من الوقت المهدور؛ إلا أن "عقول" النظام القائم وقتها زينت لربان السفينة ما عرف آنها بحملة "ترقية" الكتاب والمطالعة (وليس ترقية الإنسان بالكتاب والمطالعة!) وتسابق الناس – إلا من عصم الله- نحوها كاستباق الفراش إلى اللهب، وعاشت البلاد والعباد في سخافات وأساليب رخيصة يضيق المجال عن طرائفها. إلا أن من أمثلتها أن الناطق الرسمي باسم الحكومة كان يستهل التعليق على اجتماع حكومته الأسبوعي بتقديم "رقم زوار دور الكتاب بالعاصمة والداخل" تارة من تلقاء نفسه، وتارة جوابا لسؤال من "مندوب" إحدى مؤسسات الإعلام الرسمية بالتناوب. ومنها أن أهم ملتقيات الشوراع ثبتت بها لافتات بحجم مبالغ فيه تحمل عبارات منفرة من الأمية ولكنها مكتوبة! (لضمان حرمان المستهدفين بها من مضمونها).
لذا فقدتُ شهية المطالعة وعزفت عن استغلال الوقت "الضائع" تجنبا لحسبان ما أقوم به "امتثالا للتوجيهات الرشيدة للقيادة الوطنية"!
5. أنني رأيت أشخاصا –وهم قلة- لا أتهمهم في الجد والرشد، تشغلهم شبكات التواصل الاجتماعي (خصوصا "فيس بوك") عن فروضهم الدينية وأعمالهم المهنية وواجباتهم الأسرية والاجتماعية وراحتهم البدنية فقلت في نفسي: إن هذا الأمر لإمْر!

بيد أنني –منذ شهور- وجدت نفسي مرغما على اختلاس زورات خاطفة لبعض فرائد الصفحات بغية الاستمتاع ببعض ما يجود به أصحابها على منتسبي هذا العالم الذي يختلط فيه الحابل بالنابل ويمور بالغث والثمين. خصوصا بعد ما أصبح بعض أطفالي من حاملي جواز السفر إليه، وهو ما أتاح لي التسلل أحيانا إلى الـ"فيسبوك" فصار الأمر أشبه بما يسميه المحدثون رواية الأكابر عن الأصاغر. وخلال هذه الزيارات "المفاجئة" لقيت مجموعة من الأقارب والأصدقاء دون أن يشعروا، في زيارة سبقني إلى وصفها المتنبي:

كم زورة لك في الأعراب خافية ** أدهى –وقد رقدوا- من زورة الذيب.

ووجدت إمتاعا ومؤانسة في صفحات محدودة ومعدودة، ومتعة في تعقب بعض مشاهير الجنود المجهولين والتعرف عليهم بشق النفس من خلال تتبع ما تجود به أذهانهم الألمعية.
وبما أن الأخذ دون بذل واستراق النظر من الكُوَى ليسا من فاضل الشيم، ومن "لا يحلب بيده لا يَبْيَضُّ خُديده" فقد توكلت على الله وانعقد عزمي على تقديم "تنازل مؤلم" - بتعبير أضيافنا الغاصبين- هو فتح حساب في "هذا المخلوق" ريثما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود فأرى هل سأستمر أم أتراجع؟ وإذا حدثت الأخيرة فهي سابقة خطيرة في تاريخي الشخصي.
إلى اللقاء.

28. مارس 2014 - 13:04

كتاب موريتانيا

ذات صلة