أجانب ، أجانب..! / محمدو ولد البخاري عابدين

قالت السلطات الأمنية إن أجانب شاركوا في أحداث التخريب التي صاحبت وصول مسيرة العائدين قبل أيام، وسيصدقهم البعض وسيكذبهم البعض الآخر، نحن سنصدقهم، لا لأننا نصدق- أو نكذب- كلما نسمعه،

 ولكن لأن أحداث شغب وتخريب سابقة ضبط أجانب بين مرتكبيها، فقد ضبط أجانب في أحداث مقامة وكيهيدي قبل سنوات على إثر انطلاق عمليات التقييد في السجل السكاني، وشارك أجانب في أعمال التخريب التي أرتكبتها منظمة " لا تلمس جنسيتي " بنواكشوط اعتدي فيها على تجار وأحرقت باصات للنقل العمومي، وحتى خلال الأحداث التي أشعلتها " فرية " تمزيق المصحف شاهدنا " امبيفالات " وباعة متجولون أجانب من جنسية معروفة وهم يرشقون السيارات والمباني بالحجارة، ويرقصون على نيران الإطارات المشتعلة ويلوحون بإشارات النصر، وتساءلنا كيف وعلى من انتصروا، بل تساءلنا أكثر ما علاقة هؤلاء بأحداث داخلية، ثم تساءلنا أيضا ماذا كان تعامل السلطات مع هؤلاء الأجانب، وهل سيجزون جزاءهم الذي يجب أن يكون أقله محاكمتهم وسجنهم، حتى إذا ما انتهت محكوميتهم، أخذت بصماتهم ورحلوا ووضعوا على لائحة سوداء لا تدخل البلاد طيلة الفترة التي تفصلنا عن قيام الساعة ؟!
أولا نخشى، بعد أن شارك أربعة أجانب في أحداث تخريب سابقة، وخمسة في أحداث تلتها، وستتة في أحداث تلت ذلك، أن يشارك عشرون، وألفا، وخمسة آلاف، ومائة ألف من مئات آلاف الأجانب المقيمين على أرضنا في أحداث شغب لاحقة، ولأغراض شتى بعضها ماديى تلصصي، وبعضها لأغراض أخرى أعمق وأبعد..؟! هل شاهدتم أو سمعتم أن مغتربا موريتانيا واحدا شارك في أعمال الشغب التي تشهدها السنغال ومالي من حين لآخر؟ وما السر وراء كون المشاركين في أعمال التخريب في بلادنا هم من رعايا هذين البلدين دون غيرهما؟!
نحن نعرف كيف يتصرف الرعايا الأجانب في كافة بلدان العالم، حيث يمشون على رؤوس أصابع أقدامهم حذرا من أن يقعوا في مخالفة لقوانين ونظم البلد المضيف، أما إذا وقعت أحداث داخلية فإنهم يغلقون عليهم أبواب غرفهم خوفا على أرواحهم، لكن خوفا كذلك من أن تلصق بهم أدنى تهم حتى بالتفرج على تلك الأحداث..! لكنكم تلاحظون أن الأمر عندنا مختلف، فالأجانب هنا ملوك، بل مواطنون من الدرجة ما قبل الأولى، فنراهم يمسكون بتلابيب شرطة المرور عندما كانوا يعملون كسائقين لسيارات الأجرة داخل المدينة، ويزخرفون سيارات الأجرة العاملين فيها والمملوكة لمواطنين بأعلام وشعارات بلدانهم، ونراهم يرفضون الإمتثال لقرارات الإدارة بتنظيم الأسواق وإخلاء الساحات، ونراهم يرفضون تسديد إيجار المنازل التي يسكنونها لأشهر أو سنوات، وعندما يشيكهم المواطن صاحب المنزل للسلطات يصبح هو الظالم، بل ونراهم يتظاهرون احتجاجا على فرض إجراءات وطنية وكأنهم في بلدانهم ويحتجون على قرارات سلطاتهم، إلى أن أصحبوا يشاركون في الاحتجاجات الفئوية علنا! ولا غرابة بالتالي في أن يمد من يلاقي كل هذا التساهل والتغاضي واللامبالاة عنقه إلى ما هو أبعد من مجرد مخالفات بسيطة، مما قد يصل إلى درجة تكوين مرتزقة أو قواعد تشكل إسنادا داخليا لغزو خارجي ثم احتلال! من يدري؟
تختلف المخالفات التي يرتكبها الأجانب في أي بلد، فقد يرتكبوا أعمال السرقة، أو يتاجروا بالمخدرات، أو يزوروا العملات.. وهي تجاوزات معتادة يرتكبها الأجانب في كافة بلدان العالم، لكن ما هو غير معتاد ولا مقبول، بل الخطر بعينه قبل ناقوسه، أن يصبح الأجانب أطرافا في مطالب محلية " ينتفسو " لأصحابها ويحملون معهم الخناجر والعصي!  
يرجع البعض ذلك إلى ضعف الدولة، ولكن الدولة لا تكون قوية فقط برئيسها ونظامها وقوانينها، ولكن بقوة القائمين على تطبيق تلك القوانين من ولاة وحكام في الولايات والمقاطعات، وشرطة في الشوارع والمفوضيات، وفرق درك على الحدود ونقاط التفتيش، بل بمواطنبها العاديين ومدى إحساس كل هؤلاء بالمسؤولية والنخوة الذاتية، والغيرة والانتصار التلقائي للوطن بكافة رموزه وقيمه وسيادته وأمنه واستقراره، فعزتك وأمنك واستقرارك، من عزة وأمن واستقرار بلدك والعكس صحيح! لكننا نشاهد يوميا تصرفات للعديد من هؤلاء سلطات ومواطنين عاديين لا تنم عن أنهم تربوا على هذه المفاهيم، أو أنهم تربوا عليها لكن مع استثناءات تقول : إذا كان لا بد لك من احتقاري وإهانتي من خلال احتقار وإهانة بلدي فلا بأس، ولكن ادفع لي أولا وسأعتبر الأمر منتهيا! واعتقادي هو أن كل فرد من المجتمع سلطة كان أو مواطنا عاديا سمع أو رأى من أجنبي ما فيه إهانة أو استهزاء ببلده، أو تقويض لأمنه، عليه أن يتخذ ما يلزم على مستواه، لكن عليه في نفس الوقت أن يتحمل ويستعد لتبعات ذلك، فلا ننسى أيضا أن هناك من السلطات من يعاقب من ينتصر لوطنه بدل أن يكافئه!
كنت في مدينة روصو قبل سنوات، وهناك تستخدم عربات تجرها الخيول كوسيلة للنقل تسمى " واتير " ويعمل أصحاب هذه العربات على تزيينها بأعلام تقتصر على علمي السنغال وفرنسا، فقلت مرة لشرطى يتولى تنظيم هذه العربات وتحصيل الأتوات عليها : لماذا لا يكون علم البلاد هو الوحيد على هذه العربات، باعتبارها عربات وطنية وعلى أرض موريتانية، أو يكون من بين الأعلام الأخرى، على الأقل، إذا اعتبرنا أن الأمر يعود لعوامل جوار وصداقة وتاريخ..؟ فقال لي " هذا ما إخصر شي "  قلت له بالتأكيد أنه لن يعنكس سلبا على مردودية هذه العربات، ولن يجعلها تنقلب بركابها.. ولكنني سأعطيك جائزة إذا عبرت هذا النهر نحو الجنوب، فوقعت عينك على أي علم موريتاني عدا العلم على السفارة هناك، ثم ودعته بعد أن يسئت من أنه سيشعر شعوري أو أننا سنتفاهم أبدا، فأنا أتكلم عن سيادة وشعور وطني، أما هو فسارح البال في عشرين أو قية يدفعها كل صاحب عربة يوميا..! بينما هذه القضية ومثيلاتها قضايا بسيطة يمكن للوالي أو العمدة أو مفوض الشرطة أن يتخذ فيها قرارا، لكن لا أحد يهتم إلا بما يجرى بين جدران بيته!
قالت السلطات الأمنية أيضا إن منظمتي " إيرا " و" لا تلمس جنسيتي " استغلتا هذه المسيرة وشاركتا في أعمال التخريب التي رافقتها، ونحن نصدقها أيضا، لأن كبار الساسة المرموقين قادة الأحزاب الوطنية المرخصة والممثلة في الهيئات الدستورية يجمعون الحطب لهذه الأحداث، ويرشون عليها البنزين وينفخون فيها ويتبارون في استغلالها، ويصابون بالتوتر والأرق ويندبون حظهم إذا ماتم إحتواءها وتفرق أصحابها دون مزيد من الشغب والتخريب! فكيف لا تستغل تلك الأحداث منظمات غير مرخصة أسست أصلا على مبدإ الصدام والانتقام المعلنيْن؟!
من المهم والإنساني والضروري للعلاقات الخارجية والمصالح المشتركة الوفاء بحقوق الأجنبي الضيف وحمايته، لكنه الضيف الذي يحترم قوانين ونظم ومشاعر وأمن وسلامة رب البيت، لا الضيف الذي تطعمه وتسقيه، وتمده بالفراش والغطاء، فيتركك حتى تنام فيقتل أولادك أو يشعل النار في بيتك!

10. مايو 2014 - 13:45

كتاب موريتانيا

ذات صلة