ذكرتني الطعن وكنت ناسيا ... فكر الشنقيطي من البنا حسن إلى البنا جمال(2) / محمدن بن الرباني

ثالثا: التابعية والإنشاء :
يمتاز الفكر الإسلامي عموما بالانفتاح، فالإسلام يدعو إلى إعمال الفكر وتدقيق الفهم، ونبذ التقليد، قال تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}

 (الأعراف:179)، وقال: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (الحج:46)، وقال: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" (محمد:24). غير أن ذلك يظل موجها بضوابط أساسية، كقوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة: 85) وقوله:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (آل عمران: 7) وقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}(النساء: 83) وقوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65) وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الحجرات:1) وتلك صورة من تجليات الوسطية الإسلامية، فلا حجر على العقل، ولا تمييع أو تجاوز للنقل.
ومنذ فجر الإسلام كان الخروج على الضوابط العامة _التي سار في فلكها جمهور السلف ومن اتبعهم بإحسان الذين سيعرفون بأهل السنة_ أهم أسس الانحراف المتمثل في التحكم في الدليل الشرعي أو الاجتزائية في التعاطي معه، أو إخضاعه التام لمقاييس العقل، والتعسف في تأويل ما لا يستوعبه بجلاء ودقة، وهكذا اشتط الخوارج متعسفين في تأويل نصوص أو ردها، مما تجسد عنه بلورة مواقف انبنت عليها طائفتهم، ثم سلك الشيعة نفس المسلك فنتجت عن تعسفاتهم التأويلية مواقف كانت مغالم لطائفتهم، ثم نسج المعتزلة على نفس المنوال بعقلانيتهم الجامحة فجاءت تعسفاتهم  برؤى مثلت خصائص الفكر الاعتزالي,,. وهلم جر.
وفي العصر الحديث ظل ذلك التعسف في قراءة النص الشرعي أبرز فارق بين الإسلاميين على اختلاف مشاربهم، والعلمانيين على تلون مصادرهم.
فالإسلاميون عموما متفقون على ثوابت لا يمكن أن تتجاوزها قراءة النص الديني فالفهم عندهم محدود بحدود عبر الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله عن أبرز أسسها يقوله: "دعوتنا إسلامية، بكل ما تحتمل الكلمة من معان، فافهم فيها ما شئت بعد ذلك، و أنت في فهمك هذا مقيد بكتاب الله و سنة رسوله و سيرة السلف الصالحين من المسلمين، فأما كتاب الله فهو أساس الإسلام ودعامته، و أما سنة نبيه فهي مبينة الكتاب وشارحته، وأما سيرة السلف الصالح فهم رضوان الله عليهم منفذو أوامره، و الآخذون بتعاليمه، و هم المثل العملية، و الصورة الماثلة لهذه الأوامر و التعاليم". مجموع الرسائل ص 8.
أما العلمانيون من أمثال الشيخ علي عبد الرازق ولطفي السيد ومحمد أحمد خلف الله ونصر حامد أبو زيد فيقرؤون النص الديني بغير ضوابط، أو بضوابط قليلة التقاطع مع ضوابط السلف إن لم تكن القراءتان خطين متوازيين.
وقد سار على هذا المنهج من قدموا أنفسهم أو قدمهم الإعلام كإسلاميين ليبراليين، من أمثال جمال البنا، أو إسلاميين يساريين من أمثال حسن حنفي، ثم لم يلبث الحال أن تأثر بهذا المنهج بعض من تربوا في محراب من محاريب الحركة الإسلامية كالدكتور حسن الترابي في كثير من آرائه، وما صاحبنا الشنقيطي منه ببعيد.
حينما أثارت أقوال الترابي ما أثارت برز قلم الشنقيطي ظهيرا مندفعا في نصرته كاتبا: "آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير" ليوافقه في كثير مما قال، أو يوجد له مخرجا إلا في تزويج المسلمة من الكافر، وقد بلغ من الاستماتة في الدفاع عنه إيثارا للشخص على المبدأ _عكس ما فعل مع الصحابة رضوان الله عليهم_أن خالف الأسس العلمية القاضية بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وأن عدم وقوفه على بعض تلك الأقوال في كتب الترابي لا يعني عدم وجودها، فهو يعبر عن المواقف في المحاضرات والندوات والمجلات وكثير من مواقفه في تلك المقالات والمقابلات ولنضرب مثالين في ذلك ونرى كيف ذهب كان الدفاع:
- يقول الشنقيطي: "ومما نسبه إلى الترابي خصومه تحاملا أو سوء فهم قولهم إنه يبيح الردة، وهو لم يبحها قط وما يستطيع مسلم أن يبيحها، وإنما يقول الترابي – شأن العديد من العلماء المعاصرين وبعض المتقدمين- إنه لا عقوبة دنيوية قانونية على الردة ما لم تتحول إلى خروج سياسي وعسكري على الجماعة" (آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير منشور على موقع الجزيرة نت)  وغاب عنه أو تجاهل أن الترابي يقول بالحرف الواحد في جريدة المحرر عدد 263 في 24/2/1415هـ: (في إطار دولتنا الواحدة فإنه يجوزُ للمسلم كما يجوز للمسيحي أن يُبدِّلَ دينه) نقلا عن مقال: ضلالات د. حسن بن عبدالله الترابي للشيخ عبد الرحمن بن سعد الشثري.
- يقول الشنقيطي: ومن أكثر الأمور إثارة قول خصوم الترابي إنه يقول بإيمان أهل الكتاب، مما يوحي بأنه يسوي بين المسلمين وأهل الكتاب في الاعتقاد، وهذا مثال آخر على التحامل وسوء الفهم. فلم يقصد الترابي يوما أن دين أهل الكتاب في حالته الراهنة صحيح مقبول عند الله تعالى" (آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير)  وينسى الشنقيطي أو يتناسى أن الترابي يقول بالحرف الواحد: "إنَّ الوحدة الوطنية تشكل واحدة من أكبر همومنا، وإننا في الجبهة الإسلامية نتوصل إليها بالإسلام على أصول الملة الإبراهيمية، التي تجمعنا مع المسيحيين، بتراث التاريخ الديني المشترك، وبرصيد تأريخي من المعتقدات والأخلاق، وإننا لا نريد الدين عصبية عداء ولكن وشيجة إخاء في الله الواحد"  نقلا عن ضلالات د. حسن بن عبدالله الترابي للشيخ عبد الرحمن بن سعد الشثري.
فماذا يغني الإسلام على أصول الملة الإبراهيمية التي تجمعنا مع المسيحيين؟ ثم أليس من التسوية الصريحة بين الإسلام وغيره قوله: (فالدين عالمي، والله للجميع، والله لم يرسم الحدود الطبيعية السياسية، لأنَّ الأديان جميعها عالمية) " نقلا عن ضلالات د. حسن بن عبدالله الترابي للشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
وما ذا يعني قوله: "علينا أن نعيد تصنيف التقسيمات السابقة للأديان ونضعها في إطار معادلة جديدة، دينيون وغير دينيين.." نقلا عن الفكر الاعتزالي وأثره في الفكر الإسلامي المعاصر محمد أحمد الزهراني. أليس هذا يعني أن نتجاوز التصنيف: يهودي مسيحي مسلم إلى: ديني لا ديني.؟
طبيعي جدا أن يدافع الشنقيطي باستماتة عن آراء الترابي لأن ما بينهما هو ما وصفه أبو الأسود الدؤلي:
فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
وكما جاء الترابي بغرائب على غرار تلك المعروفة عن جمال البنا، تبعه الشنقيطي مرجحا تلك الأقوال الأصيلة في الشذوذ، العريقة في الوهن، فأنكر نزول المسيح بن مريم عليه السلام، وظهور المسيح الدجال كما أنكر حدي الردة والرجم، ثم لم يلبث أن اجتاز مرحلة التابعية والاقتداء إلى الصنع والإنشاء، فأجاز رئاسة الكافر للدولة، ورفع عنها المسحة الإسلامية حين اعتبر أن أساس الإخوة ليس مناسبا لإقامة الدولة، فضلا عن كونه لم يعد ممكنا.
ومع ذلك يقول المدافعون عنه إنها اجتهادات معفو عنها (وهي فعلا اجتهادات بمقاييس الفقه الحر)، ومن يدري فقد يبلغ بباحث من الجرأة أن يدعو إلى تعايش الفقه الحر مع الفقه المنضبط جنبا إلى جنب، وأن يعتبر ما سوى ذلك حجرا على الفكر وحبسا للعقل، وحكما على الفقه بالعيش في المعتقلات القديمة حسب التعبير الأدونيسي، أو هو تنزيل للتاريخ منزلة الوحي، وإيثار لمكانة الأشخاص على قداسة المبدأ على اللغة الشنقيطية؟.
وقبل مناقشة  أهم تلك الشذوذات العقدية والفقهية بتفصيل كل واحدة على حدة لا بد من بيان أوجه من الخلل المفضي إلى الخروج على ما يمكن اعتباره ضوابط فارقة:
الخلل الأول: التحكم في الدليل والمبدأ لا تحكيمهما
يخطئ كثيرا من يظن أننا نناقش الشنقيطي أو غيره لأنه خرج في مسألة أو مسائل عن مذهب معين، أو على مخالفته للجمهور في حكم، لو كان لما رجحه أو أنشأه دليل مقبول، فالدليل هو الحق، والحق أحق أن يتبع، وطلب الدليل متعين على من له الأهلية، والاجتهاد لازم لمن هم على قدره، لتمكين المسلمين من مواكبة تحديات العصر الذي توفرت فيه وسائل البحث، وتعقدت فيه أساليب الحياة، لا سيما في شؤون العادات والمعاملات، وفي شؤون إدارة المجتمع.
فالذي ننقم على الرجل ليس طلبه الدليل، بل قعوده له بالسبيل.بالشبه والأباطيل، مع تناقض صارخ في المنهح، وهو أمر غريب ممن يوصف بالمفكر، ولأن بعض إخوتنا قد يستغرب ما نقول فلامناص من تقديم أمثلة من الاضطراب المنهجي:
- يدعو الشنقيطي في كتابه الخلافات السياسية بين الصحابة إلى التزام مذهب المحدثين في التعامل مع الروايات التاريخية، معتبرا إياه أحسن المناهج وقد صدق، غير أنه يخالف هذا المنهج حين يورد الأحاديث التي أخرجها عبد الرزاق بن همام مما يسيء إلى أبي سفيان رضي الله تعالى عنه لا باعتبارها شواهد ومتابعات كقوله في الصفحة 31: ومن أمثلة ذلك ما رواه عبد الرزاق لما بويع لأبي بكر رضي الله عنه، جاء أبو سفيان إلى علي، فقال: غلبكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، والله لأملأنها عليكم خيلا ورجالا، قال: فقلت: ما زلت عدوا للإسلام وأهله، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا، إنا رأينا أبا بكر لها أهلا ». فالاستشهاد بما ينقله عبد الرازق المعروف بالتشيع كشهادة على أبي سفيان مخالف لمنهج المحدثين، قال أبو أحمد بن عدى: "و لعبد الرزاق أصناف و حديث كثير، و قد رحل إليه ثقات المسلمين و أئمتهم و كتبوا عنه. ولم يروا بحديثه بأسا إلا إنهم نسبوه إلى التشيع. و قد روى أحاديث فى الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما ذموه من روايته لهذه الأحاديث، و لما رواه فى مثالب غيرهم، و أما فى باب الصدق فإنى أرجو أنه لا بأس به إلا أنه قد سبق منه أحاديث فى فضائل أهل البيت و مثالب آخرين مناكير" الكامل لابن عدي ج 5 ص315 فمن يتبع منهج أهل الحديث لا يمكن أن يستشهد بعبد الرزاق في مسألة كهذه.
- يرفض الشنقيطي حدي الردة والرجم مع ما في كل واحد منهما من الأحاديث الصحاح الشهيرة القطعية قائلا: "فتمسكوا بكتاب ربكم ودعوا بنيات الطريق" (تدويناته عن الرجم) ثم ما يلبث أن يرد آيات قرآنية قطعية الدلالة والثبوت، كقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (سورة التوبة :29) وكقوله تعالى: { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}(النساء: 141) اعتمادا على نصوص من السيرة لا تثبت بمقياس المحدثين كوثيقة المدينة التي يقول عنها: "أن العقد الاجتماعي الجديد المؤسس على الجغرافيا أكثر انسجاما مع التجربة الإسلامية الأولى في المدينة على عهد النبوة، وهي تجربة سابقة على العصر الإمبراطوري في التاريخ الإسلامي، وأوْلى بالاعتبار مصدرا للأخلاق والقوانين السياسية الإسلامية" والغريب أن الوثيقة التي يريدنا الدكتور أن نترك إليها نصوص القرآن والسنة المنظمين للشأن السياسي باعتبارها أولى بالاعتبار مصدرا للأخلاق والقوانين السياسية، هي وثيقة خلت منها كتب الحديث المعتمدة، وظلت مثار جدل: ففي الوقت الذي يثبتها الشيخ محمد الصادق عرجون في كتابه (محمد رسول الله)  والدكتور محمد حميد الله في كتابه "مجموعة الوثائق السياسية" معتبرا إياها من أولى وأهم الوثائق. نجد من حكم عليها بالوضع كالأستاذ يوسف العش لأنها لم ترد في كتب الفقه والحديث الصحيح رغم أهميتها التشريعية، بل رواها ابن إسحاق بدون إسناد، ونقلها عنه ابن سيد الناس، وأضاف: أن كثير بن عبد الله المزني روى هذا الكتاب عن أبيه عن جده، وقد ذكر ابن حبان البستي أن كثير المزني روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنها، إلا على جهة التعجب.، وهناك من حكمها عليها بالضعف لا الوضع كالشيخ ناصر الدين الألباني حيث قال: هذا مما لا يعرف صحته، فإن ابن هشام رواه في السيرة: قال ابن إسحاق، فذكر هكذا بدون إسناد، فهو معضل، وقد نقله ابن كثير عن ابن إسحاق، وكذلك ضعفها الشيخ اليامي في رسالته (بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة) حيث ذكر هذه الوثيقة بأسانيدها وبرواياتها، ثم ذكر شواهدها من كتب السنة، وبينّ بعد دراسة حديثية مفصلة لكل إسناد ورواية وشاهد أن هذه الوثيقة ضعيفة، مع تفاوت ضعف كل رواية أو شاهد.
- شن الشنقيطي هجوما لاذعا على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فقال: " فسن في الإسلام تلك السنة السيئة، وفتح بها أبوابا من المظالم التي لم تتوقف، ومن الدماء التي لم تجف منذ أربعة عشر قرنا، وأخرج بناء السلطة من إطار مبادئ الشرع: كالشورى والبيعة والعدل.. إلى منطق القوة وقانون الغاب، وهو أمر لا يزال المسلمون يعيشون مساوئه إلى اليوم، فسواء تأولنا لمعاوية في مواقفه خلال الفتنة، أم لم نتأول، فإن سلوكه السياسي اللاحق ليس مما يمكن التأول له، وهو سلوك كان أبعد أثرا على الإسلام والمسلمين من الفتنة ذاتها، بل من أي حدث تاريخي خلال الأربعة عشر قرنا المنصرمة. فقد كانت الفتنة التي قادها معاوية هدما لأركان الخلافة الراشدة، لكن ما فعله معاوية بعد الفتنة من توريث السلطة لابنه بالترغيب والترهيب، كان أسوأ أثرا" من كتاب الخلافات السياسية بين الصحابة، والغريب أن قداسة مبدأ الشورى والشرعية التي أوحت إليه كل هذا الشتم لهذا الصحابي رضي الله عنه، اختفت تماما يوم كتب مقال: "القاطرة القطرية بين عهدين" حين أثنى ثناء نتفق معه في جوانب كثيرة منه على الشيخ حمد إلا أن الصدمة كانت في ثناء المفكر على التوريث من الشيخ حمد لابنه الشيخ تميم فيقول: " وها هو الشيخ حمد يترك السلطة طوعا، وهو عزيز النفس، موفور الجانب، محبوب من شعب قطر، ومن الشعوب العربية "وكان مقنضى قداسة المبدأ أن يعتبر ما حدث من التوريث عطاء من لا يملك، فالترك الطوعي للسلطة هو تسليمها للشعب يجعلها حيث يشاء.
الخلل الثاني: تتبع شواذ العلماء
ليس اتباع الشواذ من العلمية، ولا من الفكر، بل هو من عمل الزنادقة، الذين يتصيدون المعايب، ويبغون رفع تكاليف الشريعة بالحيلة، بعد ما أعياهم ذلك بالحجة أو القوة.
قال الأوزاعي من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام، وقال الإمام أحمد لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقا وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد فرفع إلي كتابا لأنظر فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل واحد منهم، فقلت مصنف هذا زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث على ما رويت، فقلت: ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب" ورحم الله القاضي إسماعيل فقد صدق، لأنه لكل عالم زلته فلو اتبعت تلك الزلات ما قام الدين"
فتتبع الشواذ وضرب النصوص بعضها ببعض، والاعتماد على أن هذا مذهب قال به فلان من السلف وعلان من الخلف، هو منهج شقيق لمنهج اتباع المتشابه من الوحي ابتغاء الفتنة، ورحم الله البغوي حين قال في شرح السنة: "والفتنة : الغلو في التأويل المظلم" وقد أحسن ابن رجب في فتح الباري: "القطعيات ما جاء عن الله ورسوله من الآيات المحكمات البينات ، والنصوص الواضحات ، فترد إليها المتشبهات... والذين في قلوبهم زيع يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض، ويردون المحكم، ويتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة، ويحرفون المحكم عن مواضعه، ويعتمدون على شبهات وخيالات لا حقيقة لها..." ج 2 ص 105
إن هذا المسلك مسلك خبيث لهدم الشريعة، ومسلك من مسالك المستشرقين في حربهم على الإسلام، لتنعدم فيه الثوابت ويكون كله اجتهادات لا عار ولا إثم في مخالفتها.
ويختلف تتبع الشواذ عن استغلال الثروة الفقهية الهائلة لتحيين الفقه وتجديده وإكسابه القدرة على مواكبة ما يجد من حوادث غير متناهية عبر الاستفادة من تلك الأقوال التي لا تنتظم في المذاهب المشهورة إلا أنها لا تعارض الأدلة المسطورة.
الخلل الرابع: الانتقائية في الاستدلال
إن ما تقتضيه العلمية هو تتبع الأقوال وتدقيق نسبتها إلى قائلها خوف التلفيق عليه، ثم عرض ذلك على الأدلة الحاكمة على كل قول وهي كتاب الله وصحيح السنة، والجمع بين الأدلة ما أمكن متحتم، فإذا تعذر الجمع لم يكن بد من الترجيح بطريق من طرقه العلمية المعروفة كالترجيح بقوة الصحة وبتأخر التاريخ أو موافقة القياس، أو بالتيسير والمصلحة ونحو ذلك مما يعلمه المختصون.
أما أن تنتزع آية من مجموع الأدلة كآية {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256)  أو آية {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النساء25 )، ثم تصر على رد كافة الأدلة الأخرى في الموضوع رغم كثرتها وقوتها، فأنت تنسج على منوال نصارى نجران يوم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: نعم ، قالوا : فحسبنا إذاً" فأنزل الله تعالى:{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} (آل عمران 7)أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.
لقد أعرض النصارى عن أي دليل آخر بعد ما وجدوا ضالتهم في ظاهر نص، ويعرض آخرون من المسلمين ذات الإعراض عن أدلة كالشمس في رابعة النهار متشبثين بظاهر آية أو حديث مسلولين من أعماقهما النصية والدلالية.
الخلل الخامس:  الاجتهاد في الثوابت
إن مجال الإبداع والتفكير والاجتهاد هو ما يتغير بتغير الأحوال والأزمان، لا الثوابت المرتبطة بجوهر الإنسان، فمسألة الإيمان والكفر هي مسألة الإنسان في القديم والحديث، والمحصن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم هو المحصن في زماننا، والمرأة التي ترث نصف ميراث مثيلها من الرجال ما سوى الأخت لأم هي المرأة أنى وجدت، وهكذا...
ولو أجمع المعاصرون على أن هذا لم يعد يناسب الكرامة الإنسانية اليوم، لم يكن ذالك ببعيد مما لو اتفقوا على أن الإيمان بالغيب لا يناسب التطور العلمي الذي اهتدى إلى كل شيء، واطلع على كل شيء، فما لم يدرك هذا العلم ليس سوى خرافة تشربتها العقول، أو أفيون بالغ المفعول.
أما المتغيرات كطريقة الحكم، وأنواع المعاملات، والعلاقات الدولية، بما في ذلك مراجعة التقسيم التقليدي لدار الحرب ودار الإسلام، وبعض أحكام الذمة، ووسائل الجهاد، فلأهل كل عصر أن يبدعوا في أصول قواعد الشرع العامة ما هو للمصلحة أنسب، ولليسر أقرب، وما أحسن عبارة الأستاذ أنور الجندي: "القاعدة أن هناك ثوابت وهناك متغيرات: والتطور والتغير والتحول إنما يشمل المتغيرات أما الثوابت فشأنها شأن الأفلاك والمدارات التي تتحرك فيها الكواكب فهي ثابتة. ذلك أن في الإسلام أفلاكا ثابتة وقيما لا يمكن أن تتغير ولكن ما في داخلها يتغير ويتحرك وتلك ميزة الإسلام".
الثوابت إذن خارجة على التجديد والاجتهاد إلا على مذهب جمال البنا الذي يقول : "أهم ما يُفترَض أن تتجِهَ إليه الحريةُ هو هذه الثوابت بالذات، التي وإن كانت تقوم بالحفاظ والاستقرار للمجتمع وتمسكه من الانزلاق أو التحلل، إلا أن عدم مناقشتها يجعلها تتجمد، بل وتتوثن وتأخذ قداسة الوثن المعبود؛ هذا كله بفرض أن الثوابت هي دائماً صالحة ولازمة؛ ولكنها لا تكون كذلك دائماً" (الإسلام والحرية والعلمانية).
إن من يبحث في إسلامية الدولة وأساسها في الإسلام وجواز أن يقودها كافر يبحث في أثبت الثوابت، ويبدو أنه التبس على أمثال الشنقيطي أمران متمايزان:
أولهما: الإقرار بوجود الحكم الشرعي مع اعتبار أن خطاب الوضع غير مكتمل الأركان فيه، فيتخلف الشرط، أو يوجد المانع، أو تقتضي السياسة الشرعية تجميده كما روى البيهقي عن عمر رضي الله عنه من عدم إقامة الحد على غلمان حاطب بن أبي بلتعة،  حين سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها واعترفوا بها فلم يقطع أيديهم خوفا من أن يكون سيدهم يجوعهم، وكما روي عنه من تأخير أخذ الصدقة في عام الرمادة كما في كتاب الطبقات لابن سعد عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر أخر الصدقة عام الرمادة فلم يبعث السعاة فلما كان قابل ورفع الله ذلك الجدب أمرهم أن يخرجوا فأخذوا عقالين فأمرهم أن يقسموا فيهم عقالا ويقدموا عليه بعقال. وكما روي عنه عدم القطع عام الرمادة، رواه أبو عبيد في كتاب الأموال، فهذا من الفقه في الدين والحكمة في الدعوة والسداد في الرأي وهو منهج الفقهاء الراسخين والمفكرين الراشدين.
ثانيهما: نفي وجود الحكم وهو ثابت، فذلك كفر ببعض الكتاب، ومجانبة لحقل الصواب، وتعسف في التأويل، لرد المقطوع به من صحيح السنة والتنزيل، وذلك بسبب الانهزام النفسي أمام وابل التشننيع والتشويه الذي يواجه الإسلام من أعدائه في الشرق والغرب، ومن عملائهم من بني جلدتنا، فصار بعض من النخبة الإسلامية يجتهد في دفاعه عن الإسلام في دفع كل ما يراه الخصم عيبا، جاعلين من عدم عصمة الاجتهادات الفقهية، ومن اختلاط الدين القويم بما في العادات من القبيح السقيم، شماعة يركنون إليها، لابسين الحق بالباطل، والحابل بالنابل، وقد تنتاب أحدهم كالشنقيطي صحوة ضمير فيقر بهذه الحقيقة في حجاج مع الأستاذ طارق رمضان سنة 2004 قبل كتابة مقالات أخرى تبين تطورا فكريا آخر، يقول الشنقيطي "من الواضح أن القيم الغربية أثرت على العقل المسلم اليوم تأثيرا عميقا، ولم يقتصر هذا التأثير على العلمانيين، بل امتد إلى الإسلاميين أيضا، خصوصا المقيمين منهم في الغرب مثلي ومثل الدكتور رمضان، فبدأ مسار التكيف مع ثقافة مختلفة يتحول إلى رؤية أخلاقية ودينية" من مقال: (حدود الشرعية بين التطبيق والتعليق).

يتواصل
 

2. يونيو 2014 - 9:46

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة