نحن و "المونديال"الدموي...!!! / محمد عبد الرحمن المجتبى

عربدة صهيونية دموية في الأراضي المقدسة المحتلة حرقا وشيا للشيوخ والأطفال والنساء والعجزة ، وعالمنا العربي يعمه صمت صاخب فاضح مخز، يتأرجح بين صمت إمضاء الفعلة، وصمت العجز عن الفعل وما يغذيه من شعور مؤلم.

نعم منذ أسبوع ونحن نشاهد أخوة الدم والعقيدة يقصفون بأشرس وسائل الفتك و الموت والتدمير، ولا نلحظ أي ردة فعل ذات معنى تواسي الأشقاء وتغيظ الأعداء ،والأدهى والأمر هو أن بيانات التنديد التقليدية والتي لا تحقن دما ولا تجرح عدوا أصبحت شحيحة و حرونة وباهتة إن ظهرت أصلا، بما فيها تلك الصادرة  شركة المقاولة التي يسمونها الجامعة العربية.
والأكثر إيلاما ربما من مشاهد العربدة الإجرامية "للكيان الصهيوني" ، هو أن ترتفع أصوات شائهة شاحبة لتخلط الأوراق كعادتها وتثمن الجهود الصهيونية في "تأديب" المقاومة الفلسطينية الباسلة.
يا للخزي والعار ... إنه آخر ما يمكن للعقلية الإنهزامية العربية أن تتفق عنه في زمن الردة والذل والهوان العربي الرديئ، الذي انقلبت فيه كل المعايير الأدبية والأخلاقية ، وكأن هؤلاء لم يسمعوا بالمثل القائل "أنا وابن عمي على الغريب" ناهيك عن ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام من الحث على تواد المسلمين وتراحمهم لا كأخوة فقط ، بل "كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، أو كأنهم من فرط "تطبيعهم"مع الصهاينة القتلة ،صارت حركات المقاومة المباركة هي "الغريب" بعد أن نسجت ليالي وأيام الخيانة والردة أواصر  حميمة مع العم سام.
لا شيئ يحز في النفس أكثر من أن ينطق صمت أنظمة عربية بلسان فصيح بمباركتها لما يمارسه  " كيان إسرئيل" اللعين ضد أهلنا ومقدساتنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فحين ترتفع أصوات تنعق  بوقاحة مرددة بكل ببغاوية وجهة نظر العدو الصهيوني التي تتهم زورا وبهتانا أهل فلسطين بأنهم هم من  أشعل الحرب من أجل مآرب سياسية - حين نسمع مثل هذا النعاق الإعلامي والسياسي عبر منابر إعلامية عربية – لا نجد تفسيرا لفحش الرأي هذا إلا أنه وبكل امتياز  جهر بالسوء بالقول وإضمار للسيئ من العمل.
فبدلا من أن تدعونا وترغمنا  المذابح الإجرامية اليومية ضد أهلنا في الأراضي المحتلة لمراجعة المواقف، وشطب أو على الاقل تأجيل الخلاقات الداخلية لتتحد الجهود ضد العدو المشترك ، تتورط "نخب مخزنية" في مثل هذه المقاربات السياسية البائسة والمخجلة، لما لها من تأثير سلبي قاتل على نفسيات المواطن العربي عموما، و الفلسطيني بصفة خاصة.
والكارثة المنذرة بمسخ حضاري رهيب للكثير من شباب هذه الأمة، تتجسد في إنشغال هؤلاء بمتابعة المونديال الكروي، بدون أن تلسع كرامتهم وتوقظ ضمائرهم بشاعة المونديال الدموي في الأراضي المحتلة ، وما يتسم به من تصفيات جسدية كفيلة بأن تنسي من يتمتع بذرة من الآدمية كل تصفيات كأس العالم الكروية، خاصة اذا استشعرنا مسؤولياتنا الدينية والأخلاقية والإنسانية إتجاه إخواننا ، و التي لا تسقط حتى وإن شط المزار ونأت الدار.
يحدث كل ذلك ووطننا العربي تجتاحه موجة تغيرات جارفة وماحقة من الصعب التنبؤ بمآلاتها ، وبات من شبه المؤكد أن خارطة جديدة لوطننا العربي سترسمها الأحداث الدموية في أكثر من بلد عربي ، تلك الأحداث التي تتحالف فيها "الدولة العميقة" مع الحركات المتطرفة ذات الأطياف والأشكال المتعددة، والنتيجة حتى الآن هي إغراق الأراضي العربية بدماء مواطنيها الأبرياء ، أما النتيجة المتوقعة فهي بلا شك تمزق هذه البلدان كما حدث لبعضها حتى الآن ، وتفككها وانشطارها الى دويلات ، ولا مفاجئة كبيرة في أن نصبح أمام جامعة عربية من أربعين دولة، لكنها دويلات منزوعة الدسم والبركة، تماما كما هو حال الجامعة العربية اليوم.
وضع كهذا لا يستدعي من الصهاينة القتلة إنتظار تأشيرة حرب صادرة عن أي طيف من أطياف المقاومة ، بل طبيعي أن تنتهزه "دويلة اسرائيل" ذات التاريخ الدموي العريق منذ تاريخهم الأسود مع رسل الله صلوات الله عليهم، إلى يومنا هذا مع الشعب الفلسطيني الأعزل.
وفي واقع كهذا وأمام عجزنا التام حتى عن صمت رسمي "نظيف" غير مريب ، ماذا نتوقع من  المجموعة الدولية العاجزة كليا فيما يبدو عن مواجهة تلك "الدويلة" المارقة على كل الأعراف والمواثيق الأممية ، ومن أين لأي كان في الشرق و الغرب القوة والشجاعة على انتقاد حكام الولاية الثالثة والخمسين من ولايات المتحدة الآمريكية؟
لقد أثبتت الوقائع الدامية من "وعد بلفور"الأسود الى يومنا هذا ، أن رعاع اليهود المغتصبين للأراضي الفلسطينية المقدسة هم فعلا "شعب بريطانيا والولايات المتحدة المختار" لكنهم بكل تأكيد ليسوا شعب الله المختار كما يدعون ، ولا يحملون جينات ولا ملامح ذلك الشعب المسلم المسالم.
فبريطانيا تاريخيا هي التي زرعت هذا "الكيان" السرطاني السفيه في الجسم العربي، عندما قدمت له شعبا كاملا وأرضا مقدسة هدية سخية وعربون صداقة ، وبالتالي فكل ما حدث ويحدث من جرائم صهيونية من تاريخ وعد بلفور المشؤم إلى يومنا هذا ، تتحمل بريطانيا المسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة عليه.
أما الولايات المتحدة فهي التي رعت ولا تزال ترعى النمو الخبيث لهذا "الكيان" بتوفير الدعم المادي والسياسي، وإلجام المنظومة الأممية بسيف "الفيتو" الماحق لكل ما لا يصب في مصلحة هذا "الكيان" المدلل.
هذه وقائع تاريخية معروفة للجميع لكن المفارقة المريرة هي أننا كعرب نتسابق لتقبيل الأكف وربما الأرجل البريطانية والأمريكية بدون أن نستحضر مسؤولية هاتين الدولتين التاريخية عن مأساة الشعب الفلسطيني الصابر، و التي تشكل وجدان الغضب العربي والإسلامي ، وقد آزرتهما في تكريس و "تطبيع" تلك المأساة دول كثيرة في الغرب والشرق، تتشدق اليوم بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان. 
فبأي منطق تحدثنا  الدول "الكبرى" اليوم عن حقوق الانسان و الممارسة الديمقراطية وقيم العدالة وهي تتفرج على شعب أعزل يحرق ويدمر؟ ألم تحترق كل شعارات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية ، بدون أن يحرك العالم مبادرة إطفاء للحرائق الصهيونية المتواصلة منذ افتراسها للأراضي الفلسطينية المباركة.
كيف تجرؤ "بقالات" حقوق الإنسان الغربية بعد اليوم أن تتحدث لنا عن تلك الشعارات النبيلة، وهي تتفرج باستمتاع تام على المنوديال الدموي في فلسطين المحتلة، تماما كاستمتاعها "بالودنيال" الكروي في البرازيل هذه الأيام ؟ وعن أي إنسان تتحدث تلك "المنظمات البقالات" ما دام الإنسان الفلسطيني يسحل ويحرق ويهلك حرثه ونسله ويدمر مسكنه ومأواه ، و"الإنسان الصهيوني" المجرم يدلل ويبسط له السجاد الأحمر في الأروقة والقصور الغربية والشرقية؟
الى متى ننتظر نحن العرب من الدول والمنظمات الغربية إنصافنا ومآزرتنا ونحن ندرك أن ذلك ضرب من المحال لسببين اثنين، أولهما هو أن هذه الجهات لا تخفي انحيازها الوقح والفج "للكيان الصهيوني" ، وثانيهما هو أننا ما دمنا يخذل بعضنا بعضا ويتحالف بعضنا مع الشيطان بل مع الصهاينة على حساب بعضنا الآخر، لا ترجى لنا رفعة ولن تقوم لنا قائمة، وصدق الخالق البارئ المصور القائل في محكم التنزيل "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"[الرعد].
•       إعلامي موريتاني
[email protected]


• المصدر: الراية القطرية

23. يوليو 2014 - 14:37

كتاب موريتانيا

ذات صلة