ما لا يعلمه "المتصهينون" العرب..! / محمد عبد الرحمن المجتبى

عندما نستعرض شريط الذاكرة السياسية لوطننا العربي خلال العقود المنصرمة، نجد الكثير والكثير من الهنات والكبوات والسقطات السياسية، وغير ذلك من بصمات العار التي لاحقت بعض نخبن السياسية والإعلامية والاقتصادية،

 لدرجة العمالة للعدو الصهيوني، رغم تنكر المتهمين وخوفهم الشديد من تسرّب خيوط علاقاتهم المشبوهة مع الجهات المعادية للتوجهات المصيرية للوطن والأمة، وظلت تلك العلاقات حبيسة كواليس قنوات سريّة معقدة تُحمى بسياج سميك من التكتم والتحفظ، لأن مثل تلك الهنات إن رشحت من سياسيين ومفكرين تؤدي لسقوطهم من العيون وجرجرتهم للمحاكم.

وقد تجرّعت أنظمة عربية متعدّدة صاب النقد اللاذع جرّاء علاقاتها السريّة أو المعلنة مع الكيان الصهيوني.

بيد أن مواقف الأنظمة مهما كانت خطورتها تبقى في النهاية قرارات سياسية تمليها أوتفرضها تداعيات سياسية معينة، وفي السياسة ليست هناك ثوابت ولا مستحيلات، ولا أصدقاء ولا أعداء كما يقول الرئيس الفرنسي السابق الجنرال "ديجول" عن بلاده فرنسا التي "لا يوجد لها أصدقاء دائمون لكن توجد لديها مصالح".

نعم لعبة أو "لعنة المصالح" هذه قد تؤدي بحاكم عربي في لحظة عري أخلاقي وسياسي أن يزحف عكس التيار، ويخطب ود كيان صهيوني مدلل لدى القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة، جلباً لمغانم مادية أو اتقاءً لمهالك سياسية.

ولا يعني هذا الكلام مطلقاً التقليل من خطورة وبطلان الزواج العرفي بين بعض البلدان العربية وقاتلة الأطفال "إسرائيل" تلك الدويلة الدموية بامتياز.

بل على العكس أرى أن أي تقارب أو تفاهمات أو مغازلة لدولة تقتل أطفال ونساء فلسطين منذ ستين سنة وتدمّر وتهجّر ملايين الفلسطينيين، - أي تقارب معها - هو خيانة عظمى للأمة وللشهداء الذين نتفرّج على ذبحهم وشيّهم في كل مواسم العربدة الصهيونية الدموية، كما يحدث هذه الأيام.

وما أسعى للتأكيد عليه فقط هو أن هناك ما هو أخطر في نظري من تطبيع الأنظمة، وهو تطبيع الشعوب والنخب، فتطبيع الأنظمة ما كان ليتم لو لم تكن هناك نخب مندسّة تحضر لها في الكواليس بأساليبها ومغرياتها المختلفة، ثم أن الأنظمة أيضاً قد تكتب ورقة "طلاق" في لحظة صحوة ضمير توبة واستغفاراً، أو ركوباً لموجة شعبية في لحظات إخفاق عسيرة، تغطية على سوء التدبير والتسيير.

فيما يعتبر التطبيع الشعبي أو المجتمعي مع الكيان الصهيوني أشد إيلاماً وخطراً لأنه يؤسس لثقافة صهيونية تسعى لاختراق المناعة الحضارية والأخلاقية لأبناء الأمة، وقد وضعت "إسرائيل" إستراتيجيات متعدّدة طويلة وقصيرة المدى في هذا الشأن، تجلّت في تشكلات مختلفة من بينها ظاهرة العملاء في الأراضي المحتلة، وشبكات الجوسسة في الوطن العربي خاصة في قصور الحكم، وتأتي أكذوبة "السلام" (إعلان أوسلو 13 سبتمبر 1993م) لتخرج "إسرائيل" عملائها العرب للعلن، في لبوس سياسي مخادع تمثل في جمعيات "أصدقاء إسرائيل" التي انتشرت في عدة بلدان عربية، وإن كانت تلك الجمعيات ظلت منبوذة ومرفوضة من المجتمعات العربية، إلا أنها حققت لها الكثير من المآرب السياسية والأمنية والاقتصادية،كما حققت للمجنّدين فيها مآرب مالية تعوضهم السقوط الأخلاقي والاجتماعي، لأن من تثبت عليه جريرة العمالة للكيان الصهيوني، ظل إلى عهد قريب يُنظر إليه كخائن وعميل،وتبقى تلك اللعنة ترافقه مدى الحياة.

لكن يبدو أن عملاء الماضي صلحاء وأتقياء محتشمون ومحترمون بالنسبة لعملاء اليوم، فكما يقول المثل الشعبي الموريتاني "اللي كان يقتل ما عاد يخّجل".

فمن يصدّق أن أصوتاً وشخوصاً إعلامية معروفة تستغل منابر إعلامية واسعة الانتشار في العالم العربي لتردّد ببغاوية مخزية وجهات النظر الصهيونية ؟ من يصدّق أن ذلك يحدث في الوطن العربي وفي لحظة تمطر "إسرائيل" فيها شعبنا الفلسطيني بسُحب النار والدمار؟

ماذا أصاب بعض نخب هذه الأمة ؟ هل نحن أمام كارثة أخلاقية أم لوثة فكرية ؟، ماذا ننتظر بعد "تسونامي" الخيانة والعار هذا، هل هناك ما هو أخطر ؟، هل هناك ما هو أبشع وأفظع من أن يمجّد الإعلام العربي قتلة الأنبياء والأطفال والنساء والشيوخ وتتحول وسائل إعلام عربية إلى منابر صهيونية بامتياز وبكل وقاحة وبشاعة، وأن تسحب تلك المنابر لقب "شهيد" عن الشهيد الفلسطيني، وهو لعمري الشهيد بن الشهيدة والشهيد، وتحدّثنا بمهنية مشروخة وموضوعية مثقوبة عن سقوط "قتلى فلسطينيين وإسرائيليين" ؟

من كان يتوقع أنه سيأتي يوم تتحول فيه منابر إعلامية عربية من قلب الوطن العربي إلى ثكنات إعلامية ترشق الشعب الفلسطيني، وكل الشعوب العربية والإسلامية، بصواريخ فحشها الإعلامي المدمّرة للآمال والمعنويات ؟.

في الماضي كانت تلك النخب تخذل "القضية" بصمت صاخب، فيما كانت تخذلها الأنظمة العربية بصخب صامت، بيانات تنديد ودموع تماسيح ليس إلا.

أما اليوم فانقلبت الآية أصبح "صخب الأنظمة" صمتاً مؤلماً، و"صمت النخب" الصهيونية هراء وفحشاً مدوياً عبر أثير القنوات الفضائية والشبكات العنكبوتية، كما يضج من بين سطور الصحف والدوريات.

أي سقوط أخلاقي هذا ؟ الشعب الفلسطيني الأعزل الصامد الصابر المجاهد، يتعرّض لبطش آلة الحرب الصهيونية في "إسرائيل" وآلتها الإعلامية في مرابع ذوي القربى، أي منطق يستوعب ذلك يا ترى ؟، وهل كان "طرفة بن العبد" يقصد غير هؤلاء حين يقول :

وظلم ذوي القربى أشد مرارة

على النفس من وقع الحسام المهند

واقع تتفطر له الأكباد أن نخذل أشقاء العقيدة والدم، ونخون خير أمة أخرجت للناس، بالتباكي رأد الضحى على قتل أو إصابة أو أسر جندي صهيوني، ونتشفى في شهداء وجرحى وكوارث أهل فلسطين.. إنها ذروة الرذيلة السياسية والأخلاقية أو لا تكون، بل إنها ذروة "العيب" كما قالت تلك السيدة اليهودية لذلك الصهيوني العربي على أثير إحدى الفضائيات مؤخراً.

والمفارقة المريحة أن الكيان الصهيوني المدجّج بأعتى تقنيات الموت والتدمير، لم يذق طعماً لنصره الإعلامي الكبير هذا والمتمثل في تحوّل نخب ووسائل إعلام عربية متعدّدة إلى مرتزقة و"بلطجية" لتلميع صورة "إسرائيل" السيئة عالمياً، لأن "إسرائيل" وجدت نفسها لأول مرة في وضع لا تحسد عليه بعد ما حققته المقاومة الباسلة من انتصارات نوعية، والأهم من ذلك أن هذه المقاومة أصبحت من الآن فصاعداً رقماً صعباً في أي معادلة "تطبخ" في المنطقة أو خارجها تتعلق بالقضية الفلسطينية.

لم يتوقع "المتصهينون العرب" أن معشوقتهم التي لا تقهر، تورّطت وورّطت معها كل من دعمها سراً أو علناً، ألم يشهد العالم كله أن "إسرائيل" أصبحت لأول مرة في تاريخها الأسود تستجدي السلام، وتتحدث عن هدنة عشر سنوات ؟ ألم تتحرك جحافل الدبلوماسية الدولية مؤخراً بعد صمت رهيب وتفرّج قبيح، للمنطقة لانتشال "إسرائيل" من ورطتها التي تحدّث عنها كتباها وخبراؤها العسكريون، فيما تحدّث الإعلام الصهيوني العربي عن ضلوع المقاومة في الإرهاب، وأي سفالة تلكم بالله عليكم؟

إعلامي موريتاني

3. أغسطس 2014 - 16:17

كتاب موريتانيا

ذات صلة