" رابعة " ألم يتجدد و حق لن يضيع / محمد فاضل ولد محمد يحي (التراد)

لأول مرة أختار وقتا محددا لأدون و أنتظر ساعة مناسبة ليتشح حبرى بالسواد و يبوح القلب بتفاصيل و جع زاره ذات ليلة سوداء و قرر المكوث .

لأول مرة سأكتب دون أن أخجل من الإعتراف بأن دموعى تسبق حرفى

 و تمنعه حتى من اختيار عبارة لا تنتمى لقاموس القهر و العجز و التردى

لأول مرة سأكتب إليك أنت يامن تقرأ هذه الأحرف ، نعم أنت من أقصد لأنى متأكد أن هناك ضميرا مهما حاولت قتله يبقى محتفظا بنبض حياة و بين جنبيك تحتفظ بقيم إنسانية مهما حاولت وأدها تصر على أن تستمر فى وخزك إلى أن تغادر روحك جسدك .

أكتب لك أنت يا من نمت فى هدوء بعد أن طبعت قبلة الحنان على جبين ابنتك و اطمئننت على صحة أمك و آويت إلى فراشك هادئ البال طيب الخاطر ، فقط تذكر حين تستيقظ و تمر هذه الحروف أمام عينيك أنه فى مثل هذا اليوم قبل عام فجع أب بابنته التى ألبست كفنا بدل ثوب الزفاف و استقبلت أم جثة ثلاث من بنيها دفعت من دمها من أجل تربيتهم لتستيقظ فجأة و تبحث عن جثثهم فلا تجد إلا تصاريح وفاة كتب فيها أن سبب الوفاة هو " انتحار " ، تذكر أن هناك صبية رفضوا تناول الغداء قبل أن تصل الأم و الأب كما هي العادة فشاهدوا بعد دقائق جدة تنتحب و عمة تبكى و خالة تولول و  دفعتهم براءتهم إلى الهرولة إلى تلك التوابيت المرمية أمام البيت فكان المشهد مزلزلا و الصدمة قاتلة .

أكتب إليك أنت يا من جافاك النوم لأن معدتك لم تتأقلم مع طعام العشاء أو لأن رأسك أصر أن يذكرك بأنك لم تشرب كأس شايك فى وقته المعتاد أو لأن الحمى تراودك عن نفسك و تحاول جاهدا أن لا تستيقظ أمك أو إحدى أخواتك حتى لا يقلقوا على صحتك ، تذكر و أنت تقرأ هذه الحروف أن هناك من أودعوا المستشفيات قبل عام و بعضهم  قد فقد أحد أطرافه و أخفهم مصيبة كان محظوظا لأن إحدى عينيه لازالت موجودة ، و لا ينتظرون حتى إطلالة محب ليسألهم عن الأحوال أو يخفف عنهم ألم المعاناة لأن الأم مقهورة و الأخت شهيدة و الأخ مطارد و الأب مسجون ، و كل ذنب ألئك أنهم فكروا يوما أن يكونوا أحرارا فى عالم يتحكم فيه العبيد و أن يعيشوا كراما و سط مجتمع استمرأ بعض أفراده المذلة و تعود على الهوان .

أكتب إليك أنت يا من غلبك الشوق و سحرك ضوء القمر و أنت تفكر فى حبيب قطع معك خط الهاتف قبل قليل أو غادرك ليعود إليك بعد فترة دون أن ينسى أن يمطرك قبل رحيله بسحابة حنان ، تذكر و انت سجين مشاعرك أنه فى مثل هذه الليلة كان هناك من زفت لفارس الأحلام لتستقبل جتمانه بعد ساعات من عقد القران و المفارقة أنها كانت رغم مصيبتها أسعد حظا من تلك المسكينة التى احتمت برفيق العمر و انكبت  فوق فلذة الكبد لتقيه شر رصاص غادر لتجد نفسها تسبح فى دماء من احتمت به و قبل أن تغمض عينيه و تستوغب الصدمة كانت هناك رصاصة تخترق قلبها قبل أن تستقر فى جسد صغيرها الطري ، حدث كل ذلك و كل ذنب ألئك أن قلوبهم تنبض بالإيمان و نفوسهم تأبى الذل و المهانة .

اكتب إليك أنت يا من ستقرأ هذه الأحرف دون حتى أن يرق لك جفن أو تلين لك قناة ، تأكد أن مصيبتك أكبر لأنك تعيش بقلب قاحل و نفس صحراء و مشاعر حيوانية ، تنام كالجيفة لتستيقظ متلبد الإحساس ، و الغريب أنك تضحك و الأغرب أنك تعتقد أن من يخاطب " الإنسانية " يعنيك .

أكتب إليك انت أيها الإنسان لأخبرك أنه فى مثل هذا اليوم قبل عام نزفت قلوب الأحرار و لا زالت و أزهقت أرواح أبرياء و لا هانت و سجنت نفوس كرام و لا لانت ،لكن الثقة فى وعد الله لن تضيع و سينصر الله من ينصره و ما كان الله مخلف وعده و سيرث أرضه لعباده الصالحين .
 

14. أغسطس 2014 - 9:43

كتاب موريتانيا

ذات صلة