الاكتفاء الذاتي من محصول الأرز / محمدو ولد البخاري عابدين

لم يعد الاكتفاء الذاتي من محصول الأرز بالنسبة لبلادنا حلما بعيد المنال، وذلك بالنظر للتوسع في المساحات المزروعة وتضاعف الإنتاج، أخذا في الاعتبار المساحات الجاري استصلاحها اليوم في كرمسين وضواحي روصو وفي كوركول وكيديماغا، وتلك التي يجري الاستعداد لانطلاق

عمليات استصلاحها على بحيرة اركيز. هذا بالإضافة إلى الإقبال الكبير من طرف المزارعين والفاعلين الجدد على الاستثمار في القطاع المروي.
لم يعد الاكتفاء الذاتي كذلك حلما بعيد المنال، لأن موريتانيا ليست الهند ولا حتى نيجيريا من حيث عدد السكان، ف 150 ألف طن من الأرز هي ما تستورده البلاد من هذه المادة سنويا، والأراضي والمياه الكافيين لإنتاج هذه الكمية متوفران وقد وصل الإنتاج إلى أكثر من نصفها، وبالمثابرة والإحساس بحجم وعظم الهدف، والتخطيط الجيد واستفادة كل موسم من أخطاء ونواقص الموسم السابق له، والاستمرار في " السياسة الزراعية " التي تصحح الأخطاء، وتُجرد الأهداف من أي اعتبارات أخرى بعيدا عن " الزراعة السياسية " التي دمرت القطاع بداية الألفية، والتعامل مع الزراعة بصفتها أحد العلوم التطبيقية لا فلسفة وفرضيات، وبالحرص والصبر على ذلك ستكون تغطية الواردات من هذه المادة مسألة سنتين إلى ثلاث سنوات، صحيح أنه في بداية المسار الزراعي تكون عملية " اقتياد " وتشجيع فاعلين جدد على دخول ميدان ليس من ثقافتهم، أمرا يتطلب محفزات ويتخلله العديد من العوائق والصعاب، وهنا يكون لا مناص من التركيز على الإنتاج الكمي إلى أن تتوطن المهنة ويتحسن التحكم في تقنيات الانتاج، لكن عندما نبدأ الحديث عن قرب تحقق هدف الاكتفاء الذاتي، فإن عامل نوعية المنتوج يدخل على الخط فارضا نفسه، رافضا التغاضي عن العوامل التي تحدد جودة المنتوج وتلبيته لذوق المستهلك..
في هذا الإطار، وقبل أيام قامت وزيرة التجارة والصناعة والسياحة، رفقة وزير الزراعة بزيارة لمدينة روصو للإطلاع على عملية تسويق الأرز للموسم المنقضي، والوقوف على وضعية مصانع التقشير، وسمعنا الوزيرة تتحدث عن أهمية وضرورة قدرة الأرز المحلي على منافسة الأرز الأجنبي، ودور مصانع التقشير في تجسيد تلك التنافسية من خلال عمليات التقشير الجيد.
نحن نعذر السيدة الوزيرة كونها ليست من أهل الإختصاص في هذا المجال، ولا حتى مسؤولة مباشرة عن القطاع الزراعي، وما يُكسبه ويُراكمه لدى القائمين عليه من معلومات وتفاصيل، بحكم التجربة والتعاطي مع المنتجين والفاعلين على مدى سنوات، حتى لو لم يكونوا من أصحاب الاختصاص أصلا، ونقول أن لا دخل لعمليات تقشير الأرز في تحسين نوعيته إلا من جانب واحد فقط هو جودة تبييضه، أما كافة محددات الجودة الأخرى من مواصفات طبخ، ومذاق، ونقاوة من الشوائب، ولمعان الحبوب، وصلابتها ومقاومتها للتكسر أثناء التقشير، فهي كلها صفات وخصائص يصل الأرز الخام من الحقل لمصنع التقشير وهو يحملها معه، وتبعا للظروف والعمليات الزراعية التي خضع لها ابتداء من بذره وإلى غاية حصاده.
فالحصول على أرز بنوعية جيدة إذن يسبقه الكثير كما قال الرجل لزوجته وهو يحلب نوقه، عندما هيأت له قدحا وقالت له " صب هون " فصب لها الحليب قائلا : لكن أعلمي أن " صب هون سابكها ياسر " مشيرا إلى مشاق تربية الإبل ورعايتها وسقييها، والبحث عن ضالتها، والسير خلفها مئات الكيلومترات بحثا عن الكلإ.. فلا يتأتى الحصول على نوعية جيدة من الأرز إلا من خلال سلسلة طويلة من العوامل والمحددات، وليت النوعية الجيدة تتوقف على مصانع التقشير فقط ليكون الأمر سهلا، باعتبار مصانع التقشير ليست سوى مجموعة من الأشرطة والهزازات والغرابيل والمروحيات التي يمكن ضبطها والتحكم فيها للحصول على نوعية التبييض المرجوة، فمصنع التقشير بالتالي هو بالضبط مثل الخياط الذي تأتيه بقطعة قماش يمكنه أن يخيط لك منها الثوب الذي تريده، لكنه لا يستطيع أن يغير لك من نوعية ولا قيمة القماش..
وفي ما يلي العوامل التي تتحكم في جودة منتوج الأرز، ومن حسن الحظ أنها هي نفسها العوامل المحددة لزيادة الانتاج أيضا، والتي في حالة احترامها نكون قد تحصلنا على إنتاج وفير وبنوعية جيدة، وهما الشرطان الأساسيان لاستمرار وتطور أي نشاط زراعي :
1ـ البذور الجيدة : وهذه بدأنا بها وسنفصل فيها أكثر لأهميتها البالغة، ولأن استجابة المحصول لكافة العمليات الزراعية اللاحقة للبذر وطيلة الموسم تتوقف على جودة البذور ، ونجد أن بعض البلدان تنشئ مجلسا أعلى للبذور على غرار المجلس الأعلى للأمن القومي أو المجلس الأعلى للقضاء، وذلك لحساسية جانب البذور، وتطبق ما يعرف بالحجر الزراعي لمنع دخول أي أصول نباتية مجهولة المصدر، لأن بذورا مجهولة المصدر قد تحمل أمراضا أو بذور حشائش خبيثة أو صفات وراثية رديئة يمكنها أن تصيب القطاع الزراعي بالخراب، ويوجد بموريتانيا مركز قديم لمراقبة البذور بكيهيدي، لكن لا أعرف لماذا انتزعت منه صلاحياته وأصبح دوره مقتصرا على إرسال أحد عناصره بعد نهاية كل موسم حصاد، ليجلس مع كبار المزارعين ويوزع عليهم بطاقات جودة البذور لبذور لا يعرف مصدرها، ولا تاريخ ومكان وظروف إنتاجها، ولا من أي جيل هي، ولم تخضع لرقابة في الحقل ولم يجر عليها الاختبارات المعهودة، وغالبا ما تكون تلك البذور عبارة عن أرز تم إنتاجه أصلا لتقشيره وتسويقه للاستهلاك البشري، وليس بذورا بالمعنى العلمي المتعارف عليه! وهكذا أصبح انتاج البذور دولة بين المزارعين يتعاملون فيها بفوضوية ويحصلون على رخص إكثارها في غياب لأدنى المعايير!
  فعندما كنا مشرفين على انتاج البذور، كانت العملية تخضع لمراقبة صارمة، فليست كل أرض مثلا صالحة لأنتاج البذور، وكانت الجهة الوحيدة الممونة بالبذور الأساسية التي سيتم إكثارها هي مركز مراقبة البذور الذي كنا نعمل تحت أعينه، وكان هو من يقبل أو يرفض صلاحية البذور عبر بعثات مراقبة وتفتيش مواكبة لعمليات إكثار البذور بدء باختيار الأرض والبذر، مرورا بالري والتسميد ومكافحة الحشائش، واحترام المسافات بين القطع المزروعة بالبذور وتلك المزروعة بالمحصول العادي، وإلى غاية حصاد البذور بحاصدات يتم تنظيفها من بقايا أي محصول آخر، وتعبئتها في أكياس لم تستخدم من قبل ثم شحنها في شاحنات لوحدها، استعدادا لاختبارها من جديد واستبعاد ما لا يصلح منها كبذور من حيث النقاوة والتجانس الصنفي ونسبة الانبات، ومن ثم تذرية وغربلة ما حاز منها على مواصفات الجودة بآلات خاصة وتعبئته في أكياس، وختمها ببطاقات تحمل إسم الصنف، ونسبة نقاوة البذور، ونسبة إنباتها، وتاريخ إنتاجها، ومن أي جيل من البذور هي، ومركز البذور ـ لا غيره ـ هو المخول  باستصدار تلك البطاقات، ومن ثم يتم تحزينها بمخازن خاصة إلى حين بيعها للمزارعين. وكل هذه العمليات اليوم لا يتبع منها شيء! فحذار، فإن المكاسب التي تحصلنا عليها اليوم في مجال إنتاج الأرز قابلة للانتكاسة في أي لحظة في غياب مراقبة جودة البذور.
2ـ الأصناف : تختلف أصناف الأرز من حيث حجم حبوبها ومذاقها وخصائص طبخها، ولا زال الأرز المحلي حتى اليوم يدفع ثمن السمعة السيئة التي رسمتها الأصناف التي بدأت بها زراعة الأرز بالبلاد في ذهن المستهلك، حيث كانت أصنافا ذات حبوب كبيرة مستديرة، وذات خصائص طبخ رديئة مثل صنفي (   JAYA  و TN1 )، لكن تلك الأصناف اختفت اليوم وحلت محلها أصناف ذات حبوب طويلة وخصائص طبخ جيدة مثل أصناف ( ساحل 108، وساحل 221، وساحل 222 ) التي كنا قد أدخلناها كهيئة مختصة في إكثار البذور بالتعاون مع رابطة تنمية زراعة الأرز بافريقيا الغربية ( ADRAO ) نهاية تسعينات القرن الماضي، وهي المستخدمة اليوم على كافة المساحات المزروعة، وما يعتريها من عدم جودة مما قد يلاحظه المستهلك راجع لظروف إنتاجها وتقشيرها لا لخصائصها الصنفية الثابتة.. مع أنه لا مانع من الاستمرار في اختبار أصناف أخرى وإدخالها إذا أظهرت تأقلما جيدا مع البيئة المحلية وامتلكت قدرات انتاجية وجودة أعلى، بشرط أن يكون ذلك من مهمة الجهات المختصة بالبحث الزراعي وتحت رقابتها.  
3ـ تسوية التربة : ذلك أن التربة غير المستوية تنتج محصولا غير متجانس في الجودة بسبب عدم تجانس إمداده بالأسمدة والماء في القطعة الواحدة خلال الموسم، ليم حصاد الحبوب الجيدة والرديئة، ومن ثم تقشيرها معا ويؤثر ذلك على جودة الأرز بعد تبييضه.
الصرف الزراعي : ولا تقولوا لنا يا إلهي.. نحن يؤرقنا غياب الصرف الصحي في المدينة، والزراعة تتطلب صرفا هي أيضا؟ بلى، فغياب الصرف الزراعي يزيد من تراكم الملوحة في التربة ويغير من خصائصها الزراعية، ويكون ذلك سببا في تدهورها ونقص كمية وجودة إنتاجها. أعرف أن كل المساحات المستصلحة حديثا وتلك التي يجرى استصلاحها روعي فيها جانب الصرف الزراعي، وشمل استصلاحها تزويدها بانظمة للصرف، لكن أغلب الأراضي القديمة إما أنها لم تتوفر أصلا على قنوات للصرف، أو أنها كانت تتوفر عليها لكنها أهملت ولم تعد صالحة للعمل، ولا أقول إنه يجب إعادة استصلاح هذه الأراضي لصعوبة وتكلفة ذلك، ولكن يجب على الأقل تزويدها بقنوات للصرف من جديد، وإلزام المزارعين باتباع أسلوب الصرف الزراعي باعتباره أحد العمليات الزراعية الضرورية لرفع انتاجهم وجودة محصولهم، بل وأبعد من ذلك المحافظة على ديمومة القدرة الانتاجية لأراضيهم والحيلولة دون تدهورها.. والتفكير لهم في طاقات بديلة بدل الوقود أقل تكلفة كالطاقة الشمسية مثلا، فقد كانوا يقولون لنا إنهم لا يستطيعون صرف المياه عن حقولهم في كل مرة وريها من جديد لارتفاع تكلفة الوقود.. 
4ـ مكافحة الحشائش : فالحشائش لا تؤثر على كمية الانتاج بسبب منافستها للمحصول على المكان والماء والغذاء فحسب، بل إنها تؤثر أيضا على جودة الانتاج من خلال بذورها التي يتم حصادها مع المحصول، ولا يمكن فصلها عنه خلال عملية التقشير، وحتى لو أمكن ذلك فإنه يكون بتكاليف إضافية تزيد من السعر النهائي للمنتوج على المستهلك. وأنجع وسيلة لمكافحة الحشائش اليوم هي مبيدات الأعشاب ولكنها تطرح تحديا بيئيا كبيرا على المدى المتوسط والبعيد، مما يجعل إدخال آلات مكافحة الحشائش ميكانيكيا، وغيرها من تقنيات المكافحة الأخرى أمرا ضروريا للحد من أضرار المبيدات الكيميائية على البيئة والإنسان، مع أن الأبحاث توصلت إلى أنواع من المبيدات أكبر فاعلية وأكثر أمانا ينبغي توجيه البحوث إليها، واعتماد ما تتحقق البحوث المحلية من ملاءمته منها، بدل الاعتماد على المبيدات المستخدمة عندنا منذ ربع قرن دون تغيير كمبيدي ( D,4-2 و   Propanil).
5ـ التسميد : إلى وقت قريب كان سماد الآزوت هو السماد الوحيد الشائع استخدامه في حقول الأرز ببلادنا، لكن الدراسات تثبت أن هناك عناصر سمادية أخرى، لها دور كبير في الرفع من إنتاج وجودة الأرز كعنصر الفوسفور الذي يزيد من تفريع النبات، وله دور أساسي في درجة لمعان الحبوب ومقاومتها للتكسر أثناء عملية التقشير ودور ذلك في الحصول على حبوب كاملة متجانسة، بالإضافة إلى عنصر البوتاسيوم الذي له دور في تحسين مذاق الحبوب عند الطبخ.. علاوة على ما لهذين العنصرين من أدوار أخرى تصب كلها في الرفع من كمية وجودة الانتاج، من خلال ضبط التبادل الكيميائي والعمليات الفسيولوجية بالنبات. لكن لا بد من تنشيط دور مركز البحوث الزراعية وتزويده بالوسائل والكادر البشري الخبير والمختص، ليكون هو من له الكلمة الفصل في ما هو مناسب من كل هذه التقنيات.
6ـ احترام المواعيد الزراعية : فالتأخير ببذر محصول الأرز عن موعده خلال الموسم الخريفي مثلا يحرم النبات من عدد أيام الموسم الكافية لاستكمال مراحل نموه، كما يجعل مرحلة امتلاء ونضج الحبوب والتي هي مرحلة حاسمة في كمية وجودة الانتاج، تتصادف مع قدوم فصل الشتاء مما يؤدي إلى نضج غير مكتمل للحبوب وبالتالي تكون جودتها أقل، ونفس الشيء بالنسبة للتأخير في بذر الأرز بالموسم الصيفي عن موعده المثالي الذي يجعل نضج الحبوب يتصادف مع رياح شهري يونيو ويوليو الحارة والجافة، مما يقلل الانتاج ويخفض من جودته، أما إذا أدركه موسم الأمطار وهو لم يُحصد بعد، فإن الأمل يتضاءل في الحصول على أرز جيد من هذه الحبوب.
7ـ الحصاد في الوقت الملائم : فكلما تأخر المحصول في الأرض بعد نضجه بدون حصاد، كلما تعرضت الحبوب للجفاف الزائد، وفقدت الكثير من مكوناتها بسبب التنفس خاصة في فصل الصيف، وتعرضت للإنفراط والآفات كالقوارض والعصافير، الشيء الذي يؤثر كثيرا على كميتها وجودتها. وأول ما يقفز إلى الذهن هنا فيما يتعلق بالحصاد في الوقت المناسب هو مدى توفر آلات الحصاد، فلا ينبغي التوسع في المساحات المزروعة إلا بالتوازي مع توفير ما يغطيها من الحاصدات، وليس توفير الحاصدات فقط، بل لا ينبغي توفير الحاصدات أيضا إلا بالتوازي مع توفير قطع غيارها بشكل دائم، فكثيرا ما تتوقف حاصدة عن العمل لأسابيع بسبب قطعة غيار بسيطة يبحث عنها مالك الحاصدة في كل مكان وقد لا يجدها إلا في السنغال! مع ضرورة تكوين الفنيين على إصلاح الحاصدات وصيانتها وتشغيلها بالطرق الملائمة لخصائصها، بدل إسناد تشغيلها لكل من هب ودب من سائقين مبتدئين، أو من كل من تعلم مسك مقود أو تشغيل محرك! وليؤخذ في الاعتبار أيضا أن كل حاصدة هي بمثابة مصنع متحرك معقد جدا وغالي الثمن، وأن لا يكون هدفنا النهائي هو الجري خلف هدف تغطية كل المساحات بالحاصدات الكبيرة لما يقف أمام ذلك من عوائق مادية وفنية، فهناك آلات لحصاد وضرب الأرز ( Battage ) صغيرة الحجم ورخيصة الثمن يجب التوسع في استخدامها بالمساحات الصغيرة والمتوسطة المستغلة من طرف التعاونيات مثلا، بل وتشجيع التجمعات والتعاونيات الزراعية على حصاد وضرب محاصيلهم يدويا وتوجيه، المبالغ الكبيرة التي ينفقونها على الحصاد الآلي لليد العاملة في هذه التعاونيات، وتفادي الخسائر التي يتكبدونها جراء انتظار الحاصدات الآلية!
كل أنواع الأرز في سوقنا اليوم، والتي تحوز رضا المستهلكين وتلبي أذواقهم ك " بسمتي " والشعلان " و" يبرك " ما حازت تلك المواصفات إلا باحترام العوامل أعلاه في عمليات إنتاجها، وهي عوامل ندرك مدى صعوبة توفرها في مزارعنا دفعة واحدة بالنظر إلى الحداثة النسبية لدخولنا مجال إنتاج الأرز، وتدني المهنية في صفوف اليد العاملة والمزارعين، لكن آن الأوان للبدء في التفكير في آلية لضمان احترام هذه العوامل في حقول الأرز، إذا أردنا أن يكون اكتفاءنا الذاتي من الأرز كميا وكيفيا في آن، وذلك هو الاكتفاء الذاتي الحقيقي.. ولا يمكن ضمان احترام هذه العوامل إلا من خلال إحساس شركاء القطاع كالدولة والمزارعين بالمسؤولية، لتوفر الدولة الطواقم الفنية جيدة التدريب والكافية لمواكبة عمليات الانتاج من البذر وحتى الحصاد بكافة حقول الأرز، وموافاتها بتقارير ميدانية ذات مصداقية عن مدى احترام المزارعين لشروط جودة الانتاج، ويشعر المزارعون، في نفس الوقت، أن الدولة تشتري إنتاجهم بهدف تشجيعهم، لكنها لا تشتريه من أجل رميه في البحر أو استخدامه كأعلاف.. بل إنها تشتريه لتسوقه هي أيضا لكي تستطيع شراءه منهم في المواسم القادمة، وأنه في حالة عجزها عن تسويقه لرداءة جودته ستجد نفسها يوما عاجزة عن شرائه، تماما مثلما ستعجز عن تمويل المزارعين إذا لم يفوا بالانتظام في تسديد القروض..!
بهذه العوامل أعلاه، وبالإضافة إلى أهمية التحكم في الري طبعا، يكون قد اتضح لنا أن مصانع التقشير  ودورها في جودة وتنافسية الأرز، ليست إلا حلقة أخيرة من سلسلة طويلة 95% من حلقاتها توجد في الحقل والعمليات الزراعية داخله، ولا تزال الوزارة تعتمد اختبارا واحدا للأرز الخام بهدف تحديد سعره هو اختبار تصافي الأرز (Tau de decortication ) أي نسبة الأرز الأبيض الناتجة من تقشير 100 غ من الأرز الخام، وهي نسبة يستعان بها لمعرفة ما سيُتحصل عليه من الأرز الصافي بعد التقشير، لكن هذه النسبة لا تحدد مواصفات جودة الأرز الأخرى كالمذاق ومواصفات الطبخ التي هي ما يهم المستهلك بالأساس، ولا ترابط يذكر بين نسبة تصافي الأرز وجودته، فقد تكوان نسبة تصافي الأرز عالية ويحصل على السعر الأعلى، لكن مواصفات طبخه تكون متدنية، مما يحتم اعتماد الاختبارين معا لفرز الأرز على أساس نسبة التصافي لكن على أساس مواصفات الطبخ أيضا، ولتتم تعبئة النوعية الأجود منه في أكياس خاصة كدرجة أولى، حتى ولو تطلب ذلك زيادة 20 أو 30 أوقية على سعره، وتعبئة النوعيات الأقل جودة على حدة كدرجة ثانية وثالثة وتحديد سعرها على ذلك الأساس.. أما ما يتم الآن فهو أكبر ضربة لسمعة الأرز المحلي لدى المستهلكين، عندما يتم خلط الجيد والمتوسط والرديء من الأرز في نفس الأكياس ونفس المخازن وبنفس السعر!
فلا زالت هناك عمليات غش واسعة ما لم يتم التغلب عليها، فلن يحوز الأرز المحلي على سمعة جيدة لدى المستهلكين، ذلك أن الدولة تعلن أنها لا تتعامل من صغار المقشرين الذين يمتلكون آلات تقشير صغيرة تنتج أنواعا رديئة من الأرز غير متجانسة وبها الكثير من الشوائب والقشور، وأنها تتعامل فقط، في شراء وتسويق الأرز، مع مصانع التقشير الكبيرة التي تمتلك تقنيات وإمكانيات التقشير الجيد والنظيف، وتعتمد لجنة شكلتها للسهر على تطبيق هذا القرار، لكن تلك اللجنة عادة ما تتعامل مع كبار المقشرين من وراء ظهر الوزارة ـ أو من أمامه، الله أعلم ـ لتسهل لهم شراء الأرز رديء التقشير الذي تنتجه المقشرات الصغيرة وتمريره للدولة كأرز بنفس سعر الأرز الجيد، وطبعا لا معاملات بدون ثمن معلوم.. ويجرى الحديث عن ملايين كعربون لتلك التعاملات!
ولا مفر من بقاء كميات من الأرز متوسط الجودة والرديء، إذ يحدث ذلك في أقدم البلدان زراعيا وفي كل أنواع المحاصيل، لكنه يكون معبأ في أكياس خاصة وبسعر محدد أقل من سعر الأرز الجيد، وعندنا لا زال هناك الكثير من المستهلكين ممن لا يركزون كثيرا على جودة الأرز، فحسبهم ما يأكلونه.. لكن هناك أيضا من لن يتحولوا لاستهلاك الأرز المحلي إلا إذا تفوق في الجودة أو تساوى فيها مع الأرز المستورد، ويتطلب ذلك جهودا متواصلة لتحسين الانتاج وجودة التقشير،  وشفافية كبيرة في التسويق، وحملات منتظمة للترويج والتعريف بالمنتوج الجيد في أوساط المستهلكين، خاصة أولائك منهم الذين أرتسمت في أذهانهم نظرة سيئة عن الانتاج المحلي في السنوات الماضية، وإزاحة كل تلك العوامل التي ساهمت ـ ولا تزال تساهم ـ في ترسيخ تلك النظرة.
كما أن هناك آلية يمكن للدولة من خلالها استغلال أنواع الأرز التي لا تحوز على مواصفات الطبخ الجيدة وذلك بتحويلها إلى ما يعرف بالأرز البني أو الأسمر، وهو الأرز الذي أزيلت قشرته الخارجية فقط دون إخضاعه للتبييض، وهو أرز عالي القيمة الغذائية، غني بالألياف والعناصر المعدنية ومضادات الأكسدة والتي يفقدها الأرز بعمليات التبييض، ويمكن توجيه هذا النوع من الأرز لمراكز التغذية الجماعية والكفالات المدرسية، أو تغذية المرضى المحتجزين بالمستشفيات، والقيام بحملات تحسيس حول قيمته وفوائد استهلاكه فهو يسهل عملية الهضم، ويساعد في تخفيف الوزن، جيد للتحكم في مستوى السكر بالدم، غني بعنصر السلينيوم المفيد في التقليل من مخاطر الإصابة بالسرطان والتهاب المفاصل وأمراض القلب والأوعية الدموية، غني بعنصر المنغنيز الأساسي للقيام بوظائف الجهاز التناسلي والعصبي، غني بمضادات الأكسدة بنسبة أكبر مما هو موجود بالفواكه والخضروات، وهو أفضل خيار صحي لإطعام الأطفال الصغار لغناه بالألياف والعناصر الغذائية المفيدة لنمو أجسام الأطفال بشكل صحي، وهو بالتالي وقاية وغذاء.. وما أحوجنا لهذا الثنائي الهام!

2. مارس 2015 - 0:04

كتاب موريتانيا

ذات صلة