برح الخفاء إذن بين أطراف الحلف المريب / محمد ولد اماه

برح الخفاء إذن وقد التقت المصالح بين البنتاغون في المنطقة العربية وبين إيران "المرشد الثوري" فمن حاملة طائرات الادميرال الامريكي تنطلق المقاتلات الحربية الأمريكية لقصف مدينة تكريت العراقية، بينما يتكفل الجنرال الإيراني ميدانيا بقيادة أرتال الهجوم البري في الوقت ذاته على المدينة،

وإن كان الهجوم الجبان الذي قوبل فيما يبدو بمقاومة شرسة من الأهالي لم يفلح في أيامه الأولى على الأقل في دخول المدينة، وإن دمروا بها قبر الرئيس الراحل صدام حسين، ومن لوزان في اسويسرا حيث تجري المفاوضات النووية حاليا بين الطرفين الأمريكي والإيراني يعلن جون كيري أن النظام في دمشق "عليه أن يبقى" وخلافا لكل التوقعات، كجزء من الصفقة المشتركة والمريبة، صفقة تتيح لنظام الأسد تنفس الصعداء حليف طهران، فيما تزداد والحالة هذه حظوظ مدن الشام الجريحة من هدايا بشار طي براميله المتفجرة الطائرة وما تحمله من دمار وموت زعاق وخراب، في وقت لا تبدي فيه الولايات المتحدة الامريكية انزعاجا يذكر مما يحدث باليمن المتاخم لحلفائها في الخليج. وللأمانة والشيء بالشيء يذكر فدول حلف الاطلسي تقاسم واشنطن رأيها، وهي بلدان الناتو، إذ أنهم يخوضون نفس المعركة، ويشاركونها الحملة العسكرية ببلاد ما بين النهرين والهلال الخصيب، الناتو الذي يناقض نفسه قبل أيام، حيث نرى حكوماته "الديمقراطية" جدا تتصدر كرنفال شرم الشيخ لدعم الحكم العسكري الأرعن بالقاهرة، بينما الرئيس المصري المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي مازال يقبع في سجنه بلا جرم معروف، ومنذ الانقلاب عليه، في وقت صارت فيه المقاومة الفلسطينية بغزة إرهابا في نظر محاكم القاهرة.
وأمام كل هذا الرياء والفجور والهراء يفاجئ دول الغرب المسيحي والمستهان بكل خلق ومبدأ وحق لجوء فئات من الشباب المحاصر باليأس وبالاحتلال في ديار الإسلام المقهورة، أو بالمهاجر للتطرف والغلو والعنف، عنف صار أحيانا يطال المصالح، ويترصد الأفراد هنا وهناك بهذا البلد أو ذاك، بما يصنف إرهابا من وجهة نظر غربية انتقائية صرفة، ولنفترض جدلا أنه كذلك وربما يكون، ولكن شتان بين ما يقومون به وبين الإرهاب الأعم والأعظم ولا مجال للمقارنة أبدا، وهو إرهاب الدول الذي يفتك بالأوطان بلدا بلدا، عواصما ومدنا، حكومات وشعوبا، دول شريرة وعريقة في العدوانية والعدوان هي انكليترا وفرنسا وامريكا وشركاؤها... وإن أغرقونا بدروسهم المملة عن القيم وعن المقبول والمرفوض.
وإذا اقتصرنا فقط على تاريخهم الأسود ببعض المناطق الجغرافية سنرى أن هذه القوى الاستعمارية الحاقدة لم تترك للمسلمين أو للعرب أية فرصة للنهوض ومنذ قرون. إذ بادروا بتفكيك وقطع أوصال دولة الخلافة العثمانية ثم القضاء عليها واقتسام تركتها بينيا، إلى إفشال ومحاربة تجارب مصر السابقة واللاحقة وما أشبه الليلة بالبارحة.. وليزرعوا أثناء ذلك "اسرائيل" بقلب الأمة أو حاملة الطائرات الثابتة بالمنطقة كما دعاها يوما جمال عبد الناصر إلى محاولة العراق بدوره بناء قوة مستقلة وتأسيس صرح علم حقيقي إذ حرم ذلك، عندما أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على مفاعله الذري "تموز" 1981 واتبعوا الجريمة الإرهابية تلك بالحملة الصليبية الأضخم بقيادة بوش الأب لتدمير جيش صدام 1990 الذي كان أعظم قوة حشدها الإسلام هناك منذ ألف وأربعمائة سنة، بشهادة الجنرال المصري سعد الدين الشاذلي بطل حرب أكتوبر. الجيش العربي الذي استطاع خوض حرب طويلة النفس ضد التوسع الايراني ونزعته المذهبية المتعصبة التي لم يخفى خطرها الداهم على العراقيين في ذلك الوقت المبكر.. توسع امبراطورية المرشد الطائفية المحلولة العقال وقد خلا لها الجو بالغزو الامريكي للعراق، فزمجرت وباضت، إذ انشب غلاة الشيعة الايرانيون مخالبهم، وغرزوا انيابهم، في الجسم العربي المنهك، قضما وتفتيتا ونفثا للسموم، وبإذكاء نعرات الفرقة الطائفية المقيتة، وبأسوأ بكثير في رأي البعض من الصهيونية ودولتها وعلى مدار عقودها، في تحالف مريب وغير مقدس لم يعد خفيا مع "الشيطان" الأكبر إياه وبفضله، اللقب الذي أطلقه الملالي على الولايات المتحدة الأمريكية حليفهم اليوم، ومن أهداهم بغداد، لترتع منذئذ فيالق حقد المرشد الفارسي بدماء ابناء العراق، وتحت أعين وسمع شياطينه بالبيت الابيض الذي يطارد حقده الدفين وبقبره ابن تكريت وزعيم العراق، وما مثله وإن عبثوا بضريحه، استهانة بكل مبدأ وطعنا في كرامتنا الانسانية إلا كما قال الشاعر:
إن تحت الأحجار حزما وعزما
وخصيما ألد ذا معلاق
حية في الوجار أربد لاينـ
ـفع منه السليم نفث الراقي
ولعل صدام حسين يتململ من مرقده المنتهك مخاطبا حكام عربا صاروا أيتاما على مأدبة زواج المتعة الإيرانية الأمريكية:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
ليوم كريهة وسداد ثغري
وأخشى ما نخشاه في خضم انهيار الكيانات القائمة بالعالم العربي الذي مافتئ يتلوا بعضه بعضا، ووفقا لتجليات "الفوضى الخلاقة" كما اسماها منظروها بوزارة الحرب الأمريكية، ونحن نرى في ضوء ما يحدث في العراق والمحيط ما يجري من تبادل للأدوار وتداخل للخنادق بين واشنطن وطهران أن يغلب آل سعود على ما بأيديهم، وقد وصلت طلائع الروافض الغلاة إلى مشارف نجد وتهامة بعد ما حصل في صنعاء، مما يشكل تهديدا مباشرا للرياض.. تهديد بات يقترب من المملكة السعودية مع ما يحمله في طياته من خطر إيراني صريح ظلت مكتوفة اليدين أمام تفاقمه، علما أن مشتريات الرياض من الأسلحة والعتاد الحربي 2014 وبحسب دراسة منشورة لمركز أوربي مختص ومعتمد، تجاوزت مشتريات الصين والهند، كل على حده، بينما فاق إنفاق السعودية في المجال العسكري إنفاق كل دول أوربا الغربية معا في نفس التاريخ، دول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا واسبانيا... ليصل إلى رقم (9.8) مليار دولار أمريكي ويتابع التقرير إلى أنه سيكون كل دولار أمريكي من 7 ينفق على السلاح سعوديا عام 2015.

25. مارس 2015 - 14:40

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة