تطوير الخطاب السياسي / حدامي محمد يحي

من يتابع الساحة السياسة الموريتانية يلاحظ "روتينية الخطاب السياسي" وثباته على وتيرة واحدة وبدون تغيير منذ نشأة الدولة وحتى وقتنا الراهن ، مما يشعر بالملل السياسي ، أو بالإحباط لدى بعض المتابعين المهتمين بالشأن العام ، وكأن اللغة السياسية فقيرة إلى درجة الجمود ،

 واجترار نفس الألفاظ القديمة التي لا تتماشى مع الواقع ، ولا مع تطلعات المستقبل .
تتغير وجوه الساسة ولا تتغير الألفاظ ، عبارات الشتم والتخوين والتنابز بالألقاب هي ورد السياسيين بكرة وعشيا ، يذكرونه قصد تخوين الخصم ، وتفسيقه ، وإخراجه من دائرة الإصلاح ، ونبذه وحزبه وشيعته ، ولو أنك سألت القائمين على تقسيم هذه الألفاظ الخشبية المنفرة والمتناثرة عن البديل لأجابوك على البديهة : (نحــن).
الأنـــا السيــاسيـــة :
حب السلطة لدى بعض الأحزاب والشخصيات يدفعهم إلى تقدير الأنا ، وجر الوطن بقرونه وأطرافه من أجل مصلحة حزبية وشخصية ، فلا يقبلون التنازل للوطن قيد أنملة ، ولا يتبرعون للوطن ولو بعرق جبين  ...
فهل من مجدد للخطاب السياسي في وطني الحبيب ؟
تطوير الخطاب :
مما لاشك فيه أننا بحاجة إلى تطوير خطابنا السياسي بشكل عام ، وصياغته صياغة أخلاقية جديدة ، تتماشى مع هموم المواطن ، وتجعل الرفيق السياسي رفيق درب ، ومشاركا إيجابيا ، عكس النظرة العدوانية السائدة ، التي تعطي صورة سوداء عن الآخر السياسي ، فتصفه بالعاقل الأريب حين يكون منتسبا ، وبالخائن المرتزق حين يكون منسحبا ، وفي كلا الحالتين نحن دعاة الإصلاح في تطوير الخطاب السياسي نسعى إلى بناء الثقة بين المواطن البسيط والسياسي حامل مشروع الوطن ، مما يستدعي أن ننصح كل منهما باحترام الآخر ، ولا غنى لأحدهما عن الآخر ، فلا سياسة بدون سياسي ، ولا سياسي بدون شعبية ، ولا شعبية بدون قائد فذ يجمع ولا يفرق ، يعطي ولا يمنع ، يصبر ولا يجهل .
إن وصفنا لأي مشروع سياسي بالقدسية وصف غير دقيق ومنصف ، يجعلنا نتحامل على الآخر ، ونظن به الظنون ، متناسين أن الآراء الاجتهادية المبنية على المصلحة والتي هي من بنات أفكارنا ، تتغير بتغيرات الواقع والزمن ، وتختلف فيها العقول كما تختلف في المعاملات ، لتبقى قطعيات النصوص ثابتة يرجع إليها الجميع ، والمتغيرات محل نظر وتفكير ، وعليه يكون الخطاب الاجتهادي السياسي فكرا ناصعا غير مكفر ولا مفسق يسعى إلى الإصلاح والوعي ، ويقود سفينة الأمة بحنكة وحكمة .
علينا جميعا معارضة وموالاة أن نتخذ خطابا سياسيا جديدا يتسع للجميع ، ولا يطرد أحدا من الرحمة السياسة – الواسعة – التي يراد لها أن تكون حكرا على جهة أو حزب أو سلطة .
إن خطاب الأنظمة السياسية التقليدي رسخ في عقلية الشعب احتقار المعارضة ووصفها بالفتنة النائمة أو اليقظة ، مما جعل البعض يتبرأ منها أمام مطالبه تجاه دولته ، فيقول مثلا قبل كل مطلب : ((نحن نريد كذا من الدولة رغم كون هذه القرية لم يوجد فيها معارض قط )) ، هذه القاعدة الأخيرة سليلة قواعد عدة ورثها المواطن الموريتاني وشاب عليها منذ أمد بعيد ، ولم يتغير الخطاب حتى اليوم رغم سعي السلطة إلى تجديد بعض الألفاظ وتظاهرها بمنح الحرية السياسة للجميع .
وفي المقابل أيضا فإن الخطاب المعارض خطاب تقليدي لا يستشف منه تجديد ولا تطوير غير تسفيه النظام ، ووصفه بالمستبد ، وقد سمع النظام كل تلك الأوصاف وهو أعلم بنفسه منهم ، والله أعلم منه بنفسه ، ولكن المطلوب من المعارضة  تطوير الخطاب المعارض ، ونقله من مجرد السب والشتم إلى خطاب مقنع ، ينتقد نقدا بناء ، ويقدم بديلا معارضا ،يستطيع قيادة البلد في المستقبل ، ويخاطب خصومه في الموالاة خطابا سياسيا أخلاقيا  ، لا يواجه السيئة بالسيئة ، وإنما يرتفع إلى مستوى أسلوب رفيع يقدم الحلول ولا يحل المشكل بالمشكل .
حينها يفرح المواطن بالانتصار ، ويسلم نفسه للمعارضة وللموالاة بوصفهما أسرتين سياسيتين ينتمي إليهما ويفخر بهما ، بعد أن ظنهما أسرتين تتصارعان على الكرسي والكرسي فقط .

5. أبريل 2015 - 12:14

كتاب موريتانيا

ذات صلة