النشيد الوطني من جديد! / محمدو ولد البخاري عابدين

يعود الحديث هذه الأيام عن النشيد الوطني، ويعود معه الجدل المحتدم حول هذا النشيد وكلماته وقائلها، وموسيقاه وملحنها وعازفها، ومكانته في نفوس وذاكرة الموريتانيين. والغريب أنه وإلى وقت قريب كان الكثيرون منا لا يعرفون كلمات هذا النشيد

 ولا قائلها ولا ملحنها وعازف إيقاعها حتى يقولوا اليوم إنه يرتبط بوجدانهم! فلا كلماته يتم إنشادها مع عزف النشيد مثلا كبعض الأناشيد الوطنية في العالم حيث يُلزم الرؤساء والوزراء والقادة العسكريون أحيانا بترديدها خلال المناسبات الرسمية، ولا تلاميذ المدارس كانوا يرددونها مع عزف النشيد إلا نادرا، فقد ظل إلى وقت قريب معزوفة بلا نشيد معروف لدى المواطنين..!
فلا ينبغي أن نتعصب إذن لشيء أو نحيطه بهالة من القداسة لمجرد أنه قديم ألفناه، أو لأنه من قول أو صنع فلان، فما أكثر التافه في القديم وما أكثر القيِم والجميل في الحديث.. فكلمات نشيدنا الوطني هي لعالم جليل وقامة أدبية وثقافية سامقة، وتلحينه وعزفه هما أيضا لفنان وطني كبير. لكن هذا العالم الجليل لم ينظم هذه الأبيات في الأصل لتصبح نشيدا وطنيا، أو بمعنى آخر فإن القائمين على نشأة الدولة آنذاك لم يأتوه ويطلبوا منه نظم أبيات لتُتخذ نشيدا وطنيا، وإنما أمروا بالبحث عن أبيات يبدو أنهم لم يشترطوا فيها ما يجب أن يميز نص النشيد الوطني عادة عن غيره من نصوص وأغراض الشعر، فوقع الاختيار على هذه الأبيات البعيدة عن مغازي الأناشيد الوطنية المتعارف عليها، والخالية كليا من كل ما يرمز للأمة أو الضمير الجمعي أو الوطن، أو أي معنى من معاني الوحدة الوطنية أو الإخاء، الإباء، الشرف، العلا،الشجاعة، الإيثار، النماء، العزة، الكرامة، الفداء، حب الوطن والإخلاص والوفاء له والتفاني في خدمته والذود عنه وعن ثوابته..
لا تعنينا الآن ولا تهمنا ملابسات ودواعي اختيار هذه الكلمات وهذا اللحن، ونلتمس العذر لمن اختاروهما، ونقول إنهم اجتهدوا ولم يصيبوا لأن الوقت كان ضيقا، أو لأن الوعي بطبيعة ومغازي النشيد الوطني كان ناقصا.. ونحن متأكدون من أن الشيخ بابه ولد الشيخ سيديا رحمه الله بعبقريته وتبحره اللغوي والعلمي والأدبي، لو طلب منه في حياته نظم نشيد وطني حسب الطلب لما كلفه ذلك شيئا.
صحيح أن أبيات النشيد الوطني الحالي هي أبيات وعظية دعوية لمرشد وواعظ وداعية، لا ننتقدها من هذا الجانب وما ينبغي لنا، لكننا كنا ولا نزال نفضل استبدالها بأخرى أنسب لنشيد وطني، فلكل مقام مقال كما هو معروف.. وما دام النشيد الوطني ( أي نشيد وطني ) هو عبارة عن كلمات وموسيقى وإيقاع، فإن لكل مقام من مقامات الموسيقى، ولكل غرض من أغراض الشعر ما يثيره من مشاعر وأحاسيس، ومعروف أن ما يثيره " بيت حرب " في موسيقانا الوطنية في النفوس بكلماته وإيقاعه وأدائه، وما يحفزه من قوى وطاقات، وما يستنهضه من همم، لا يثيره ولا يفي به أي مقام من مقامات الموسيقى، أو أي غرض من أغراض الشعر الأخرى، ولذلك أعد هذا المقام خصيصا لرفع المعنويات القتالية والحث على التضحية والثبات والإقدام.. فلا تصلح أبيات من النسيب أو البكاء على الأطلال مثلا ك " أبيات حرب " كما لا تصلح لذلك أبيات وعظية إرشادية، وبالتالي لا تصلح كنشيد وطني حتى وإن كان كل ما تدعوا إليه خير وفلاح في الدنيا والآخرة..
لا يصيبني نشيدنا الوطني الحالي بالكسل والنعاس كما علق أحد المعلقين في هذا الجدل الدائر، لكنه أيضا لا يثير في الشعور الوطني الكافي، وأعترف أنني أتأثر بأناشيد وطنية لبلدان أخرى عند سماعها أكثر من تأثري بنشيد بلدي، مع أنه لا وجه للمقارنة بين ولائي وارتباطي وتعلقي بوطني وأمجاده ورموزه وتاريخه وثقافته، وبين ارتباطي أو تعلقي بأي بلد آخر، لكن القيم الرفيعة التي تحث عليها الأناشيد الوطنية هي قيم إنسانية مشتركة لا نملك الحياد حيالها..
لن تُحل كذلك جميع مشكلاتنا وتحدياتنا، ولن يختفي النهب، ولن نقضي على الإرهاب ولا الفقر ولا البطالة بتغيير نشيدنا الوطني كما علق معلق آخر ساخرا من فكرة تغيير النشيد، فلكل من تلك المشكلات والتحديات آليات ومقاربات معالجته أو القضاء عليه، وهي آليات ومقاربات قد تنجح كليا أو جزيئا، وقد تفشل كليا أو جزئيا كذلك، وذلك بمعزل تام عن النشيد الوطني.. فلو كان تغيير النشيد الوطني يساعد في التغلب على المشكلات والتحديات لما أمسى أو أصبح نشيد وطني عبر العالم على حاله، باعتبار تلك التحديات والمشكلات مطروحة لأكثر من بلد مثلنا.. ولو كان النشيد الوطني شكليا أو ثانويا إلى هذا الحد، لما اجتهدت كل الأمم على صياغته بعناية واتخاذه رمزا من رموزها كالعلم والشعار تتوحد حوله وتقدسه! وهناك بلدان عديدة غيرت أعلامها أو شعاراتها أو أناشيدها الوطنية بل وأسماء بلدانها، لا لأنها تعاني تحديات أو مشكلات، وإنما رأت خلال مرحلة من تاريخها أن أحد تلك الرموز لم يعد يمثلها، أو لا يشمل قيمة من قيمها!
لا يصلح كذلك أن يتقدم كل شاعر من شعرائنا بأبيات يقترحها كنشيد وطني، بل يتطلب الأمر لجنة بمواصفات معينة تستقبل وتدرس الاقتراحات وتنتقي منها الأكثر تعبيرا والأنسب كنشيد وطني، ومن ثم إحالة الأمر لكبار الملحنين والعازفين الوطنيين ليدلي كل منهم بإبداعاته للحصول في النهاية على أفضل تلحين لكلمات النشيد، فلا نريد" ترميما " أو إضافة رتوش للنشيد الحالي، كما أننا لسنا ملزمين بقافية أبياته كما حاول أحد الشعراء الكبار نحن متأكدون من أنه قادر على الإتيان بنص مناسب جديد، ولا ملزمين كذلك بلحنه ولا بمقامه الموسيقي.
نريد ونتطلع إلى نشيد جديد بكلمات ومعاني معبرة دالة، وتلحين وعزف " حيَيْن " فالعلة في النشيد الحالي ليست في كلماته فقط، بل في تلحينه وإيقاعه " الباردين " كذلك، فلا ننسى أنه بعد كل احتفال بعيد الاستقلال الوطني، وما يصاحبه من أنشطة مخلدة ومنها الموسيقى العسكرية المصاحبة لرفع العلم والاستعراضات العسكرية، نجد الأطفال يسيرون في الشوارع ويحملون العلب الفارغة يضربونها وبمحاكاة متقنة لتلك الموسيقى، لماذا؟ لأنهم يتفاعلون مع هذه الموسيقى " الحية " أكثر من موسيقى النشيد الوطني! فهكذا أعتقد..
نريد نشيدا وطنيا تقشعر منه جلود الذين يؤمنون بوطنهم ويغرس و" يحقن " في الأجيال كافة معاني الولاء للوطن وحبه والوفاء والإخلاص له والتضحية في سبيل عزته ورفعته والتفاني في خدمته.. نشيد يهز المشاعر الوطنية ويوقظ الضمير الوطني النائم في الكثيرين منا، لتقام لهذا النشيد " ابروفا " من طرف خيرة الفنانين أصواتا ومواهب وقدرات، ومن ثم أماس بكل ولاية لتأديته أمام الجمهور، وتسجيله بأحدث تقنيات التسجيل كي يحفظه الجميع ويصبح على كل لسان، ليُتوج ذلك بعزفه في الذكرى الخامسة والخمسين لعيد الاستقلال الوطني، وذكرى إنشاء القوات المسلحة القادمتين.
وهذا ما نتوقعه إذا كان القرار فعلا قد تم تداوله على مستوى السلطات العليا التي ليس من طبيعتها أخذ الجدل في الاعتبار عند العزم على تنفيذ ما تؤمن به وترى فيه مصلحة عليا.. فلا عبرة إذن بالجدل الدائر حول هذا الموضوع، فقد ثار الجدل قبله حول مواقف وقرارات عديدة تبين فيما بعد أنها كانت صائبة، جدل إما جهلا من المجادلين لقيمة وطبيعة القرار المثير لجدلهم، أو خوف لمجادلين آخرين على مصالح لهم يهددها ذلك الإجراء أو القرار، أو جدل مرده مواقف سياسية أو شخصية من صاحب القرار وسيبقى ذلك الجدل ما بقي وقرر صاحب القرار.. جدل بغرض الجدل!
وسيان تم تغيير النشيد الوطني أو تم الإبقاء عليه، فسيبقى العلامة بابه ولد الشيخ سيديا ـ رحمه الله ونفعنا ببركة علمه وورعه ـ في مكانه ومكانته الروحية، وسيبقى ما تركه من موروث علمي وأدبي وثقافي في مكانه. كما سيبقى الفنان الكبير سيداتي ولد آبه أطال الله في عمره فنانا ورمزا وطنيا كبيرا، وسيظل ما شنف به أسماع الجمهور طوال مسيرته الفنية عالقا بتلك الأسماع.. فرجاء الابتعاد بالعلامة وبالفنان عن هذا الجدال، فليس ما تركاه ملكا لأحد دون غيره، كما لا يهدف أحد ـ بتغيير النشيد الوطني ـ طمسه أو إلغاءه ولا يستطيع.
    

6. أغسطس 2015 - 20:09

كتاب موريتانيا

ذات صلة