الشباب الموريتاني والمنعطفات التاريخية الحادة / د.الحسين الشيخ العلوي

المنعطفات التاريخية الكبري شكلت وعبر التاريخ البواكير الاولي لملامح عصور لاحقة طبعت الحضارة الانسانية بميسمها الخاص,كانت دائما نتاجا حادا لأفكار ورؤى فلاسفة ومفكرين استلهموا التراث الانساني بطريقة استقرائية واعية جعلتهم يدركون بواطن الخلل في العلاقات الانسانية,هاجسهم نشدان 

المدينة الفاضلة كنزوع بشري لبلوغ الكمال في عدالة دائمة وتوق للتحرر من كل اشكال العبودية والقهر والاستبداد,لذلك نظر كل مفكر وفيلسوف الي مدينته الفاضلة بشكل يتناسب ودرجة الوعي الجمعي لأفراد مجتمعه,كما كان للتراكم المعرفي دورا في تحديد وبلورة الملامح العامة  للمشروع الحضاري المبتغي كما لعب الواقع الاجتماعي وتداخل آلياته دور البارومتر في توجيه النظم  والأنساق المعرفية التي تحتويها تلك المشاريع الحضارية.
وحتي يكتب النجاح  لتلك المشاريع الحضارية وتتحول من مجرد تهويمات وشطحات خيال لحالمين كان لابد من ايجاد المناخ المناسب لتطبيق تلك الافكار والرؤى وإنزالها لأرض الواقع  حيث يغدو المحك جدي وحقيقى وبواسطته تتحدد مصداقية تلك الافكار ومدي مواءمتها للإنبات والتطبيق.
وتهيئة المناخ قد يتطلب اجيالا من معتنقي تلك الافكار الذين يتحملون في سبيلها المشاق ويركبون الصعاب بغية تحقيقها.
في القرون الماضية كان نفر من المصلحين الاجتماعيين يتبنون تلك الافكار ويوظفون السخط الشعبي العارم علي الطبقات الحاكمة لإحداث شرخ في العلاقة بين الحاكم والمحكوم ومع الايام يظل ذلك الشرخ يتسع حتي تنفصم عري تلك العلاقة بثورة شعبية عارمة تكون بداية لمرحلة جديدة  في العلاقات الانسانية يحدد طبيعتها الحكام الجدد ووعي الناس.
اما في العصر الحديث فقد كانت شريحة الطلاب والشباب وقودا للثورات الاجتماعية  والعامل الاساسي في انجاح التحولات الثورية في مجتمعاتهم  ويمكن ارجاع ذلك للعوامل التالية:
• تمرس الطلاب والمثقفين بآليات  البحث العلمي  مما يولد لديهم حسا نقديا واعيا  قادرا علي استكناه جوهر العلاقات الانسانية  غير السوية وتحديد طبيعتها علي ضوء معياري الحق والعدل الازليين,ومن جهة اخري  تولد فيهم القدرة علي استشراف آفاق المستقبل بطريقة علمية واعية.
• طبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها الطلاب والشباب, ففي هذه السن يصل النشاط البدني والغدي  لأعلي مستوياته مما يتولد عنه فورة عارمة من النشاط والاندفاع.
• التحرر من المسئولية:ان خلو حياة الشاب من المسئوليات الخاصة  كالأسرة والاولاد  او المسئوليات العامة كالوظيفة وما في حكمها  يجعل الشاب ميالا للاندفاع  والمخاطرة دون حساب للتبعات العائلية  أو مصير الاولاد  أو فقدان الوظيفة.
هذه العوامل الثلاثة تفسر الطبيعة المندفعة للشباب والطلاب وطبيعة توظيفها كوقود للثورات الكبري.
وابسط استقراء للتاريخ المعاصر  ينبؤنا بشواهد صارخة علي الدور البارز للطلاب والشباب في تغذية الثورات المعاصرة.
فالثورات الاجتماعية الكبري التي اجتاحت اوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والثورة البلشفية في الربع الاول من القرن العشرين وظفت هذا الزخم.
كما وظفت النازية والفاشية الشباب الجامعي لنشر فكرها العنصري وتاليا فعلت الصهيونية الشيء نفسه, ولعل من اعنف الثورات الاجتماعية  التي اجتاحت العالم خلال القرن المنصرم هو ما شهدته الجامعات الغربية في اواخر الستينات التي جاءت كرد فعل علي تشييء  الانسان  وتحويله الي آلة والتي كان لها تاثيرا بالغا في فكر ورؤية مفكرين كبار لعالم الغد الذي اضحي واقعا نعيشه اليوم  وتم التأصيل المعرفي   لذلك الحراك الاجتماعي الخصب من قبل الوجوديين اولا كجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار  وتاليا من قبل المفكر الكبير رجاء غارودي واندريه جيد ودوكليرك ستوشارت وغيرهم.
ولعل من ابرز من تمثل تلك الهزة التي قيل عنها انها شكلت قطيعة ايبستيمولوجية  مع الحقبة التجارية للحضارة الصناعية التي استفذت غرضها التاريخي هو المفكر الامريكي آلن توفللر في كتابه الذائع الصيت "الموجة الثالثة" الذي استشرف في أواخر سبعينات القرن المنصرم  آفاق عالم الغد والذي تحدث بطريقة رائعة تثير الدهشة عن القرية الكونية وعن النظم الاجتماعية والسياسية والانساق الفكرية لحضارة الموجة الثالثة التي نعيش تجلياتها بكل ابعادها عقب ثورة الإتصالات ومرد الدهشة ان جل تنبؤات توفللر قد اضحت واقعا معاشا في العقد الاول من القرن الواحد والعشرين!!
معظم المكاسب السياسية والنقابية والدستورية التي تحققت في حقبة الدولة المدنية في موريتانيا(1958-1978) قبل أن تصاب بلعنة العسكر,كتأميم شركة ميفرما واستصدار عملة وطنية وقوانين التأمينات الصحية للشغيلة وحد الجباية....الخ, كلها جاءت ثمرة لنضالات الشباب في حركة الكادحين التي يصر أبو الأمة(مختار ولد داداه رحمه الله) علي تسميتها بحركة الشباب في مذكراته.
ولا يخفي علي بال أن الثورات الملونة التي اجتاحت اوروبا الشرقية في مطلع تسعينيات القرن المنصرم إثر تفكك الاتحاد السوفييتي,هذه الثورات التي اطاحت بدكتاتوريات عتيدة,كان قوامها ووقودها الشباب والطلبة.
الشيء ذاته حدث وان بطرق أقل تنظيما واكثر هدوءًا في أمريكا اللاتينية أفضت الي ازاحت دكتاتوريات عسكرية جثمت طويلا علي رقاب الناس وخنقت الحريات العامة,هذه الثورات المخلية كان وقودها طلاب الجامعات.
ما سمي بثورات الربيع العربي التي لازلنا نعيش تداعياتها رغم سطوة حضور العامل الخارجي,كان وقودها الشباب والطلبة.
هنا تبرز أسئلة وجيهة وملحاحة مفادها:
- لماذا نجحت ثورات شباب الجامعات في الغرب في ستينيات القرن العشرين في الوقت الذي كان حصاد الثورات الملونة هزيلا ومخيبا للآمال؟
- ما الذي جعل الثورات المخملية في امريكا اللاتينية تنجح في طي صفحة الانقلابات العسكرية وإنهاء دور المؤسسة العسكرية السياسي والانتقال بطريقة سلسة دون كلفة باهظة الي الدولة المدنية,دولة القانون والمواطنة الحقة,في حين عززت ثورات الربيع العربي من سطوة وقبضة المؤسسة العسكرية علي الشأن السياسي العام,بما فيها تونس التي كانت تفخر بوجود أحد الجيوش الاكثر انضباطا وبعدا عن السياسة في المنطقة العربية؟!
- في وقت تصور العالم فيه أن الانقلابات العسكرية باتت جزءً من الماضي وان العالم يتجه الي توسيع قاعدة المشاركة السياسية وان معظم دول العالم قد ارتأت أن التبادل السلمي للسلطة أضحي خيار الجميع عن قناعة,في هذا التوقيت البالغ الدقة في مسيرة الحضارة الانسانية,لماذا رجعت الانقلابات العسكرية بطريقة فجة وصفيقة في دول الساحل الافريقي الاكثر فقرا في العالم؟ والغريب أن إنقلابات دول الساحل الافريقي جاءت هذه المرة ضد حكومات مدنية منتخبة (موريتانيا - وسط إفريقيا – مالي - بورينافاسو).
للاجابة عن هذه التساؤلات وبطريقة مختصرة دون الاخلال بالمضمون نقول أن سبب نحاج أي ثورة او هزة اجتماعية كبري  او تغيير دراماتيكي يكمن في التأصيل المعرفي لهذه الثورة او تلك الهزة او ذاك التغيير من خلال النخبة الثقافية التي تتشارك في تقديم مشروع مجتمع واضح الملامح ومنطلق من الاحتياجات التنموية الداخلية دون ايغال في التنظير او محاولة استيراد تجارب معلبة.
وما يعنينا هنا في هذا الامر تحديدا هي موريتانيا حيث للأسف ظن الكثيرون أن المعالجة الامنية التي ووجه بها حراك 25 فبراير وأخواتها من قبل النظام قد انهيت هزة اجتماعية كادت تطيح بالسلام الاهلي الهش الذي تعيشه بلادنا وتصور العديدون أن التداعيات الدراماتيكية لثورات الربيع العربي ونتائجها الكارثية علي كل من تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن قد اقنعت الشعب الموريتاني ولا سيما الشباب بضرورة الاقلاع عن محاكات تلك الهزات العاصفة التي شهدتها دول ليست ببعيدة عنا,لكن للاسف فإن العديد من المؤشرات التي وقفت عليها منذ عودتي الي موريتانيا منذ 47 يوما بعد غيبة 35 سنة في ديار الغربة تشي بخلاف ذلك:
1. التقيت بشكل جماعي وفردي بالمئات من الشباب (الذين تعرفت عليهم عبر الفيسبوك خلال السنوات الثلاث الاخيرة) معظمهم من الشريحة العمرية(18 – سنة 25) وكانت لقاءاتي بهم احيانا تمتد لساعات طويلة, هذه اللقاءات ارعبتني بشكل لا يمكنني اخفائه لأنها:
• جعلتني اتيقن أن السلام والأمن الظاهري نسبيا في موريتانيا مظهر خادع وأن وراء الأكمة ما ورائها! فمعظم هؤلاء الشباب محتقن وغاضب وضد الجميع(اعني موالاة ومعارضة)بل ان هذا الشباب ضد البني التقليدية كالقبيلة والجهة والعشيرة واخطر ما وقفت عليه من لقاءاتي مع هذه الشريحة هو كونها ضد حتي مؤسسة الاسرة التقليدية ونظامنا الاجتماعي برمته.
• معظم هؤلاء الشباب يعمل في القطاعين الخاص والعام ومستواهم المادي يبعدهم عن خانة الفقر او العوز! والكثير منهم ليسوا ضمن شريحة العاطلين عن العمل!
• القاسم المشترك والذي يكاد يجمع عليه هؤلاء الشباب ان موريتانيا لن ينصلح حالها دون حرب أهلية! نعم حرب أهلية(هكذا يقولون) او ثورة عارمة يكون أساسًا قادتها ووقودها ومحركها شباباً وان تتم محاكمة كافة رموز الفساد منذ العام 1978 وحتي اللحظة!.
• كم العنف والدموية والشرر المتطاير من العيون جعلني معظم الوقت صامتا ومستمعا, رغم احترام الجميع لي لأنهم يرون في جزءً منهم بحكم مكوثي الطويل في الغربة!
• قناعة هؤلاء الشباب ان كبار السن ورجالات الدولة الحاليين كلهم(كلهم وبدون استثناء كما يقولون!) متخلفين ولا يمكنهم إدارة الشأن العام لأنهم يتصرفون كشيوخ قبائل وبعقلية القبيلة وليسوا رجالات دولة.
• رغم الميول اليسارية الواضحة لهؤلاء الشباب إلا أن العولمة وقدرتهم علي التماهي مع مكتسبات المنجز العلمي راهنا جعلتهم أبناء شرعيين لواقعهم ومكنتهم من المزج بين الجانب الحقوقي والسياسي في الفكر الليبيرالي مع العدالة الاجتماعية التي ميزت اليسار, اللأمر الذي مكن هؤلاء الشباب من بعد استشرافي وقدرة علي التشخيص وتقديم الحل رأسا دون الحاجة الي التنظير او التخفي وراء الاقنعة الايديولوجية.
• الفئة الشبابية الوحيدة التي تخرج عن هذا التقييم اعلاه والتي كان تعارفي بها صدفة في مقهي لوسكال بتفرغ زينة منذ ما يزيد علي الشهر قليلا هي المجموعة التي تطلق علي نفسها "التيار الوطني التقدمي" هذه الفئة هي الاقرب الي نفسي لإعتبارات عديدة أوجزها في التالي:
- أنها مجموعة تكنوقراطية شابة معظمها خارج الفئة العمرية اعلاه تتسم بطرح رصين مشفع بزاد معرفي لا تخطئه الاذن وتتسلح بآليات البحث العلمي مما يكسبها مصداقية وقدرة علي الاستشراف.
- تمثل من وجهة نظري موريتانيا التي احلم بها ففي هذه المجموعة المعارض لسياسات دون شخصنة القضايا والموالي عن وعي دون فجاجة او صفاقة في تلمييع صورة النظام كما فيها بين البين.
- ما جعلني مرتبطا بشكل لصيق بهذه المجموعة كونها تحمل قيم الصدق والوطنية ووضوح الرؤية افتقدتها في معظم مجايلي!
- عدم قناعة هذه المجموعة بأي تغيير عنيف سواءً كان عبر ثورة الشارع او انقلاب عسكري.
2. خلال لقاءاتي بالشباب من الفئة العمرية(18 -25) لفت انتباهي وبقوة أن مجموعات معينة من المتحدثين تمتلك قدرات قيادية لافتة وأدركت بحكم الخبرة أنهم لا شك قد تلقوا تدريبات نوعية في فن الالقاء والتأثير وصقل المهارات القيادية وتأكدت من هذا الامر يومي 26 و27 اغسطس 2015 عندما تحدث ثلاث منهم عن قدرتهم علي التحشيد والتنظيم وهنا كنت منصتا بشكل كلي, وصعقت عندما سمعت وبالحرف الواحد المحتوي النظري للورش الاربعة التي اعتاد" المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي – NDI" إقامتها في الدول العربية طيلة العقد الماضي حول القيادة والتنظيم العملي،والتعرف وكيفية إعداد الخطط الاستراتيجية واساليب التخطيط وكيفية اعدادها وعناصر التخطيط وكيفية بناء الجمهور وعمل حملات المناصرة والتحشيد وكيفية قيادة المظاهرات وتوظيف وسائط الاتصال الجماهيرية لتحشيد اكبر قدر من المناصرين وكيفية توظيف الوقائع والأحداث لتأليب الرأي العام المحلي لمناصرة القضايا العادلة!،وكذا التعرف على أنماط وأساليب القيادة داخل فريق العمل الواحد.
هنا تيقنت أن الماكينة الاعلامية والتعبوية للمعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي – NDI,قد تحركت في موريتانيا دون إدراك من القييمين والمواطنين والنخبة السياسية والثقافية لخطورة الامر,وأظن الجميع يعلم أم المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي – NDI,كان المحرك الاساسي والرئيسي للثورات الملونة ولثورات الربيع العربي.
3. وقفت علي خلل أمني كبير جعلني أوقن أن أمثال المعهد الامريكي وغيره يسرحون ويمرحون دون متابعة حقيقية وجدية من أجهزة الأمن الوطني التي يفترض بها أن تكون محترفة وتتعاطي مع القضايا الامنية بجدية أكثر: فقدت استغربت أنني ومنذ 47 يوما من عودتي الي ارض الوطن بعد غيبة 35 سنة اجتمع في منازل مختلفة بأعداد كبيرة من الشباب وصلت في بعض المرات الي اكثر من اربعين شابا!وبشكل يكاد يكون يومي ونظل نتحدث لساعات في امور شتي, توقعت علي الأقل إستضافة لطيفة من الامن الوطني للوقوف علي حقيقة تحركاتي التي يفترض من الناحية الامنية اعتبارها مشبوهة! وكنت قد حضرت نفسي جيدا للتعامل وبشكل احترافي مع هكذا موقف, لكن خاب ظني حيث بت علي يقين أن الجماعة يعطون في سبات عميق وان سلم أولوياتهم مقلوب.
4. قدرة الامن الوطني علي افشال تحركات الشباب في حراك 25 فبراير وأخواتها لا اظنه راجع الي نجاعة وفعالية اجهزة الامن الوطني ولا الي المعالجات الامنية التي اتبعت بقدر ما يعود الي ضعف القيادة حيث تولت المعارضة التقليدية باحزابها وخشبها المسندة قيادة الحراك وتبنيه وبديهي ان تلك المعارضة تتحرك وفق عقلية وآليات السبعينات والثمانينات التي باتت تكتيكاتها عتيقة ومعروفة للجميع, لكن ما يخيف حقا هو جيل العولمة المتسلح بأدوات العصر والذي علي تناص وتماس مع الحركات الشبابية العالمية ويمتلك قدرات تعبوية ولوجيسيتية تفتقر اليها المعارضة الكلاسيكية المترهلة عندنا,لذا أني اتوقع وأخشي من تحرك وشيك قد يفاجيء الجميع بمن فيهم المعارضة التقليدية ذاتها!
منذ عقد من الزمن وتحديدا بعد انقلاب 2005 وانا اعيش تحت وطأة هاجسين:
الأول: يقين يتجذر مع الايام ان ماحدث في موريتانيا سيشكل قطيعة مع الارث الاستبدادي الذ كرسه العسكر لما يزيد علي ثلاثة عقود من الممارسات الاستبدادية  والمصادرة الفجة للراي الآخر والفرص الضائعة وهدر طاقات وامكانيات المجتمع وإذكاء النعرات القبلية والجهوية والشوفونية المقيتة
الثاني: وجود عدد كبير من خريجي الجامعات المختلفة من اقصاع عديدة من العالم يمتاز بتنوع شديد الثراء مما يعني ان اية  بوتقة لصهره ستجعل موريتانيا تستفاد من تجارب عديدة مرت بها الدول الصناعية والنامية علي حد سواء. وحيوية هذا الكم الهائل من الخريجين الموريتانيين يكمن في تنوعه وتعدد مصادر تأطيره وتأهيله.ومن خلال الاحتكاك اليومي مع شرائح عديدة من هؤلاء الخريجين في بلاد الغربة لما يزيد عن ربع القرن جعلتني ادرك ان فترة الشتات القسري او الطوعي التي جعلت الشاب الموريتاني يركب الصعاب بغية تحصيل العلم او طلبا للرزق او هربا من قمع داخلي هذه الفترة  قدمت خدمة جليلة للمجتمع من حيث لا ندري.فجدية الانسان الموريتاني في تعاطيه مع العلم والهالة التي لا زلنا نصبغها علي حملة العلم والناتجة عن بيئة تحترم العلم والعلماء كاحد اهم مقومات تراثنا الموريتاني.كل ذلك جعل شريحة كبيرة من المتعلمين وحملة الشهادات العليا الموريتانيين متميزين في حقل تخصصاتهم سواءً العاملون في الغرب او المقيمين في بلدان عربية او بلدان اخري.عليه ومن خلال استقراء  لتجارب الشعوب الاخري  فان الفرصة مواتية لموريتانيا  للانطلاق نحو آفاق ارحب وخصوصا ان من اهم اسباب المنعة في عالم اليوم هو المورد البشري الكفء.والتقدم في ابسط مكوناته عبارة عن محصلة  اساسية للدور الحيوي لجيل الشباب المتعلم  وللخبرات العلمية المعدة اعدادا جيدا  وهذا ما يتوفر لموريتانيا اليوم.
ومن نافلة القول ان الشكل الهزيل للدولة الموريتانية  واداءها الرسمي الباهت علي كافة الاصعدة هو نتاج لتحكم جيل الاستقلال  بإدارة كفة الحكم, فقد حكم موريتانيا وأدارها ذلك الجيل منذ ان كان علي كراسي الدراسة بل انه سعي وبمباركة من الانظمة العسكرية السابقة الي تهميش واقصاء النخب الشابة والمثقفة, ولأننا ندرك خطر النظم التقليدية الساعية لتدجين عقلية الطالب والشاب وقولبتها ضمن اطر شكلية تقتل ملكة الخلق والابداع وتميت حس الابتكار لدي الباحثين والعلماء مما يخلق شريحة واسعة من المتعلمين وحملة الشهادات العليا ترسف في اغلال التحجر والتكلس مما ينعكس علي التطبيق الشائه والاعرج للخطط التنموية التي باءت بالفشل الذريع في العديد من دول العالم الثالث نتيجة لهذه العقلية المدجنة  والتي تحيل الخريج الي مسخ يردد المعلومة بطريقة ببغائية دون ان يعمل عقله في تمثل وادراك الحقائق العلمية التي علي ضوئها تتحدد نجاعة عطائه في الواقع العملي. واثبتت التجارب ان فشل العديد من النظم السياسية في تحويل مخرجات العملية التعليمية الي فاعل تنموي مرده هو فشل تلك النظم  في ايجاد وسائط لربط العلم بالصناعة وذلك لغياب التخطيط العلمي الواعي والمزود بقاعدة بيانات اولية وثانيا لعجز القادة والمسيرون عن ادراك اهمية اشراك الكوادر والاطر المتعلمة في الشأن التنموي دون إقحامهم في الشأن السياسي.وبالمقابل فإنني من الداعيين وبشدة لعدم انغماس الشباب المتعلم والكوادر العلمية ذات الكفاءات العليا في الشأن السياسي المباشر,ذلك الوحل الذي يراد به صرف طاقات الشباب في غير وجهتها,فدورنا في المجتمع استشاري لأننا البارومتر الذي يحدد المسعي التنموي.
كل المؤشرات تقول أننا بصدد المرور بمنعطف تاريخي حاد - أتمني أن يكون سلسا وهادئا- سيكون الشباب عماده,عليه ينبغي أن نخدم وطننا ونقوم الاعوجاج بسلاح العلم والتنمية لا بإنتظار الزعيم المخلص القادم فجرا علي متن دبابة.
                                  حفظ الله موريتانيا من كل مكروه.

27. سبتمبر 2015 - 11:53

كتاب موريتانيا

ذات صلة