اقرأوا قبل أن تحكموا / الأستاذ محمدن بن الرباني

طالعت تدوينة لمدون محترم حملت عنوان كتاب للسيوطي يسمى "تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء" ولفت انتباهي تشهيره بعبارة وردت في مقالي حول موقف الشيخ عبد الله بن بيه "إلى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" حيث اعتبرها أشنع من قول القائل لو سبني ملك سببته وأنها توهم تفاوت

علم الله بالأشياء، وقد أحسن المدون حين قصد تعظيم الله سبحانه وتعالى فهو أحسن الحسن لكنه أخطأ من عدة وجوه:
الأول: أنه لم يضبط حين ذكر أنني سقت العبارة تحقيرا لمن أختلف معه وإنما سقتها على اقتراض أن بعض خصومي قد يصفني بها حين يقرأ المقال وشتان ما بين الأمرين فلا أدري ألم يفهم المدون الكلام أم لم يقرأه أصلا؟ وهذا نص الفقرة التي وردت فيها العبارة: " لم تكتب هذه الكلمات لتخاطب الذين يقرأون الكاتب لا المكتوب، وينظرون القائل لا المقول، الذين يستدلون على الحق بالرجال، كما أنها لم تكتب للمستبدين بالرأي الذين لا يتصورون مخالفتهم إلا على أساس أنها عمالة وبلاهة. إن كاتبها ينصح الفريقين ألا يقرأوا حرفا من هذه الكلمات حتى لا يرى الفريق الأول لحوم العلماء ينهشها غلام رام بذلك الشهرة كما رامها بشار وهو حدث حين ألظ بقوافيه على مسكت الشعراء جرير، أو يرى فيها تدنيسا لتاج شنقيط من نكرة لو خفي على خالقه شيء لكان إياه"
الثاني: أن عبارة "لو خفي على خالقه شيء لكان إياه" مختلفة تماما عن عبارة "لو سبني ملك أو نبي لسببته" لأن الأولى مبالغة في تحقير غير معظم شرعا مع الانتباه إلى حرمة حقر المسلم عموما، أما الثانية فمبالغة في تعظيم النفس ورفعها إلى أن تكون ندا للملائكة والأنبياء وفي ذلك من التحقير بهم ما لا يخفى.
الثالث: أن عبارة "لو خفي على خالقه شيء لكان إياه" لا توهم ذا فهم سليم تفاوتا في علم الله تعالى كما لا يوهم قوله صلى الله عليه وسلم (لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين) تفاوت الأشياء في سبق قدر الله سبحانه وتعالى وقد نص على ذلك أكثر من حافظ ممن تكلم على الحديث يقول القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله : (لو سبق القدر شيء لسبقته العين) يقتضي أنه لا يسبق القدر شيء ... لكن لما كان تأثير العين تأثيرا متواليا بينا قال فيه صلى الله عليه وسلم هذا القول على معنى المبالغة فيه" وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: "جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله، وهو لا راد لأمره ، أشار إلى ذلك القرطبي ، وحاصله : لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين ، لكنها لا تسبق ، فكيف غيرها ؟!" " وفي نيل الأوطار للشوكاني ما نصه: "وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر إذ القدر عبارة عن سابق علم الله وهو لا راد لأمره أشار إلى ذلك القرطبي وحاصله لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها"
فهذا الحاصل الذي ذكر الحافظ والشوكاني هو حاصل العبارة المذكورة أي لو فرض أن شيئا له خفاء على الله لكان هذا لكن لا يخفى على الله شيء.
وفي استدلالي بهذا الحديث وكلام هؤلاء الحفاظ لطيفة لا مناص من التنبيه عليها لأن من خفي عليه الجلي خفي عليه الخفي من باب أولى وحاصل هذه اللطيفة هي أنهم عبروا عن القدر بسابق علم الله فإذا جازت المبالغة بالسبق جازت بالخفاء إذ المعنى واحد والله أعلم.
وبعدما كتبت هذا الكلام في تدوينة قرأت مقالا بعنوان " تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء"  فوجدته التدوينة السابقة التي كنت رددت على ما يتعلق منها بعبارة "لو خفي على الله شيء لكان إياه" ووجدت المقال كالرد على ما كتبت أعلاه فأردت التنبيه على ما يلي:
أولا: أن ما بقي الكاتب يصول فيه ويجول من وجوب احترام الأنبياء وعدم ضرب المثل بهم خارج عن مواطن النزاع لا علاقة له بالمسألة.
ثانيا: أنه لم يأت بنص واحد استنادا إلى علوم اللغة والأساليب اللغة أو إلى كلام العلماء على ما يماثلها في الأسلوب والدلالة.
ثالثا: يبدو الكاتب منطلقا من فهمه الخاص للعبارة وهنا لا أقول له إلا ما قال الشيخ محمد سالم بن عدود ردا على من يتوهم تشبيها أو نقصا في ما يصف به الله نفسه أو يصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم:
فواجب الذ منه تشبيها فهم * جراء ضعف فهمه أن يتهم
في ذاك رأيـــــــــــــــــــــه فلا دلاله * فيه لما من شبه جـــــــــــــــــلا له
رابعا: أن دعوى كون الحديث خرج مخرج التعليم دعوى تحتاج إلى البرهان، بل هو خارج مخرج البلاغ العام عن الله الذي هو الأصل فيما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم وهبه خرج مخرج التعليم فإن ما خرج عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشتمل في أسلوبه على ما يتنافى مع تعظيم الله سبحانه وتعالى وعلى مدعي تخصيصه بهذا المحل إقامة الدليل وهيهات!! أما نصوا وأخواتها من المبهمات فليس هذا محلها.
خامسا: كان على الكاتب أن يناقش النصوص التي أوردت وأن يرد عليها لا أن يظل يلف ويدور في لدد ما يتبين بياض خيطه من سواده، لقد كان جديرا به أن يعلق مثلا تعليقا شافيا على هذه الفقرة:
أن عبارة "لو خفي على خالقه شيء لكان إياه" لا توهم ذا فهم سليم تفاوتا في علم الله تعالى كما لا يوهم قوله صلى الله عليه وسلم (لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين) تفاوت الأشياء في سبق قدر الله سبحانه وتعالى وقد نص على ذلك أكثر من حافظ ممن تكلم على الحديث يقول القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله : (لو سبق القدر شيء لسبقته العين) يقتضي أنه لا يسبق القدر شيء ... لكن لما كان تأثير العين تأثيرا متواليا بينا قال فيه صلى الله عليه وسلم هذا القول على معنى المبالغة فيه" وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: "جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله، وهو لا راد لأمره ، أشار إلى ذلك القرطبي ، وحاصله : لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين ، لكنها لا تسبق ، فكيف غيرها ؟!" وفي نيل الأوطار للشوكاني ما نصه: "وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر إذ القدر عبارة عن سابق علم الله وهو لا راد لأمره أشار إلى ذلك القرطبي وحاصله لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها".
فهذا الحاصل الذي ذكر الحافظ والشوكاني هو حاصل العبارة المذكورة أي لو فرض أن شيئا له خفاء على الله لكان هذا لكن لا يخفى على الله شيء.
سادسا: عجيب أن يتعقبني الكاتب بما نقل عن شراح خليل من قولهم إن هذ العبارة (لو سبني ملك لسببته) "يؤدب قائلها لأنه قصد الانتصار لنفسه وبالغ بذكر الملك؛ فكان الأدب متجها إليه لمبالغته"؛ فهذا هو معنى ما قلته حين قلت: "أما الثانية فمبالغة في تعظيم النفس ورفعها إلى أن تكون ندا للملائكة والأنبياء وفي ذلك من التحقير بهم ما لا يخفى" وأزيد الشرح بأن قصدي بالتحقير مساواته نفسه بهم، وأنبه إلى ما قال الشراح من أنه لم يرتد لتعليقه ما ذكر وهو سب الملك على ممتنع وهو أن يسبه الملك وإنما يؤدب لإساءته الأدب في مبالغته المذكورة.
سابعا: يقول الكاتب: (اغتر بعض طلبة العلم بقول بعض شراح الحديث: "إنه قد سبق في علم الله وقوع المقدر، ولا راد لذلك "... ففسر القدر بالعلم وبنى عليه ما ذكر، وهو تحكُّمٌ فالقدر أعم من مطلق العلم، وله  مراتب  كما قال أهل العلم وهي:  العلم والكتابة والإرادة والخلق والإيجاد؛) وبعد شكره على رفعي إلى مصاف طلبة العلم وهو شرف لا أدعيه ولست له بأهل، أعتب عليه أنه كان كمن لم يقرأ ولم يفهم ما كتبت، فأنا لم أغتر بهذا الكلام ولم أنقله أصلا إنما نقلت قول ابن حجر: "القدر عبارة عن سابق علم الله، وهو لا راد لأمره" فهو أي ابن حجر عبر عن القدر بسابق علم الله تعالى وسبقه إلى ذلك القرطبي وغيره. وما ذكر الكاتب من مراحل القدر لا يخرج عن سابق العلم الله فهو جل جلاله علم المقدور وعلم أنه يكتبه وأنه يريده وأنه يوجده فليس في ذلك شيء خارج عن سابق علمه سبحانه وتعالى.
ثامنا: يعلم الله أن الكاتب لو أتى بمقنع لتبت إلى الله ورجعت عما وقع من خطأ فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، لكنه أبعد النجعة، ولم يأت إلا بصواب خارج النزاع، أو تكلف فاقد الإشعاع.

11. أكتوبر 2015 - 16:28

كتاب موريتانيا

ذات صلة