أصبح المثل يضرب بتعليمنا في السوء / سيد محمد ولد أخليل

  تابعت برنامجا تعليميا تابعا لقناة الأزهر مقدمه فلسطيني، موجه لطلبة فلسطينيين - والفلسطينيون أحبابنا -، حاول الأستاذ ضرب المثال السيئ للتعليم عموما بتعليمنا، وبنى كلامه على إثبات أن أسباب تخلف النظام التعليمي الأربعة متوفرة فيه، فبعد التأصيل لمشكلة التعليم تأصيلا لا يعلم صحته إلا الله

 – مجرد نظريات بشرية -، لم يجد الأستاذ إلا بلدنا كمثال لوساخة التعليم الفاشل..

وقد لاحظت في كلامه ومنهجه ما ألاحظه باستمرار في دعاة التطور المعجبين بحضارة الغرب المرتمين في أحضان شيطانه، فأحببت أن أعلق على بعض ما جاء في درسه الفاشل الذي يخيل إليك وأنت تسمعه أن الدول العربية كلها بخير إلا موريتانيا الفاشلة ! ومن سمع كلامه يعتقد أن فلسطين تحتل إسرائيل، أنجاها الله من كل سوء، وأنجى العرب من دعاة العقل الباطن والتنمية الثرثرية التي تسمى بشرية، والأوهام التلفزيونية..

لم تعجبني لهجته فكأنه يتحدث بلسان إسرائيل، وهذا غير مستغرب على المتشبهين باليهود والنصارى، كما تضمن حديثه الكثير من قلة الإحترام من طرف فرد متنور لبلد بأكمله، وهذا أمر غير معقول ولا مقبول، فإذا كان يعتقد أنه ذكي أو متطور، فعندنا من هو أكثر تطور منه، والذي ينصت لحديثه يتخيل أن موريتانيا بلد يعيش في متاهات المجاعة والهمجية، وهنا أوجه شخصيا دعوة إلى الرئيس والوزراء وإلى كل الناعقين المنافقين الموالين منهم والمعارضين: إذا كنتم تحترمون أنفسكم فلا ترضوا بالدون؟ لا يبني الواحد منكم قصره في تفرغ زين، ويحجز سريره في مستشفيات باريس الراقية، ويعامل الناس معاملة الصراصير بحيث لا يستحقون عنده أبسط مقومات الحياة..
لماذا تتنامى فينا هذه النظرة الكئيبة الخبيثة التي لا تميز بين أشيب ضال وشاب معتوه، والتي سئمناها وسئمنا أصحابها الأنانيون الذين لا يرحمون إلا المقربين منهم اجتماعيا وشيطانيا، عليهم وعلى المقربين منهم - من الظلمة - ما يستحقون..
إنكم أيها الفاشلون المحترمون سبب بلائنا، فمذ عرفنا حكوماتكم المتعاقبة ونحن من فشل إلى فشل، ثرواتنا تكفي لوضعنا في مصاف الأمم الراقية، وتنجينا من كل المستهزئين، لكنكم تعاونتم مع المستعمر السارق المتخفي خلف قناع الدبلوماسية في نهبنا حتى أصبح الزائر لعاصمتنا يمرض من مشاهدها المقززة، ويشفق على ساكنتها التي لا تجد ما تأكله وتعمله، وأصبح المتأمل في تعليمنا الفاشل ينعق مثل هذا الناعق..
أعجبني نظام سنغافورة المستقلة عن ماليزيا في الستينات، لقد تطور هذا البلد بفضل القوانين، نعم فالقوانين تكفي لكن لابد من النزاهة في تطبيقها، لقد كان من يبصق على الأرض في الشارع يدفع غرامة (فما بالك بمن يبول؟)، وكان من لم يطلق الماء في المرحاض بعد خروجه منه حرصا على نظافته يدفع غرامة، ومن يخرب الممتلكات العمومية كالكراسي العمومية وغيرها يجلد ويسجن (ولا يُقبل منه مالا)، ولا مجال للفساد والرشوة والقبلية السلبية التي عانى بسببها وطننا هذا وأبنائه، فمن جهة نرى الأشخاص الغير مناسبين في الأماكن الغير مناسبة، ورأينا المناسبين في الشارع يبيعون بطاقات الشحن ويحاربون في المرور العشوائي الأخرق من أجل لقمة عيش ضن بها التبتيب عليهم. لقد تخلى رئيس وزراء سنغافورة عن الحكم طوعا في عام 1990 بعد أن تمت إعادة انتخابه 8 مرات (يستحق)، أما عندنا فلا يعلم بحقيقة الإنتخابات غير خالق منظميها، أما ترك الحكم طواعية فذلك ما تحلم المعارضة به، ولن يتحقق كاعتلائها لسدة الحكم..

لقد أكثر هذا الأستاذ الفاشل من الإنتقاص من قدراتنا رغم أن نداء العقل ظل يناديه بالكياسة وألا يذكر أخاه المسلم بما يكره، ويذكره بأنه يتكلم عن بلد عربي مسلم بأكمله، ولكن ما العمل مع أمثال هؤلاء العرب الديمقراطيون المتخلفون الذين تعجب إذا علمت أن أكثرهم من الإخوان المسلمين !..
لقد تحدث الأستاذ المتطور عن فترة احتلال إسرائيل لسيناء، قائلا – في إشارة إلى فقرنا وعجز فردنا عن الحصول حبة طماطم ! –، إن حبة المانجا كانت بوزن كيلوغرام، والبطيخة بوزن 3 كيلو !
سبحان الله لقد كانت فترة احتلال إسرائيل لسينا في نظر هذا الأعشى الأعمى فترة بركة ورخاء ! وذكر كمثال للرقي الإختلاط في الجامعات الإسرائيلية الذي يجعل اليهودي المغتصب يصادق الفلسطينية البريئة، قائلا إن تلك الصداقة شيء والإحتلال شيء آخر!.. فيا له من درس ديمقراطي تعليمي حكيم..
ومن كلامه يتبين أي نوع من المثقفين هو، وما أكثر نوعه فينا اليوم، كأنه يمهد طلبته الفلسطينيين لقبول الذل والفجور، وإسرائيل، وبغض العرب والمسلمين المتخلفين..

ثم طار إلى تعليمنا المحظري فقال إنه يتكون من 3 فترات: من الصباح وحتى الضحى، وبعد الظهر حتى العصر، وبعد المغرب حتى العشاء، وأنه بذلك يحتجز الطلبة اليوم كله، ويحرمهم من آبائهم ! وذكر إيجابية واحدة له هي أنه يقوي اللغة العربية لديهم (الحسنة الوحيدة التي لم يستطع إنكارها، وهي كافية، فإذا صلحت العربية صلح كل شيء، وهذا ليس تعاطفا مع القوميين الأغبياء بل مع الإسلام ولغته).. وذكر مستغربا أن أول جامعة فتحت في نواكشوط كانت في الثمانينات !
المسكين لا يعرف شيئا عن حياتنا البدوية الجميلة تلك، وليتنا حافظنا عليها لكنا أرقى الأمم في الدين والأخلاق اليوم، ولسلمنا من كل البلايا التي تحيط بنا، فو الله ما أفسدنا إلا النظام التعليمي المتطور الذي يدعو إليه وأمثاله، أفسد علينا مشيتنا الأولى مع عدم نجاحنا فيه لعدم ارتكازه على ثوابتنا المتمثلة في: "قال الله" و"قال رسوله" و"قالت لغة الإسلام"..
المسكين الجاهل، لا يعلم أن تلك المحاظر ارتبطت بالصلوات، ونظمت برامجها وفقا لها، وأخرجت في زمن الصفاء والتوحيد فطاحلة العلماء ممن نحسبهم على خير ولا نزكي على الله أحد..
فما أجمل يوم الطفل في ذلك الزمن الغابر الذي ترك آثاره على رمال تلك الصحراء المطمورة، وتحت شجيراتها الحنونة، كان يبدأ يومه بالصلاة ويختمه بالعلم الشرعي النافع. كان ذلك المخلوق الصغير الضاحك البريء يمتلك كل الوقت من أجل السعادة وتقوية أواصر المحبة بينه وبين مجتمعه البدوي السليم، فكان بذلك الصلاح خير إنسان، عابدا متقيا سليم الفطرة محبا لله وخلقه، لم يعرف المسلسلات المدبلجة ولا الإنترنت المتفسخة، ولا الأنظمة التعليمية الغريبة، ولا اللغات الرومية المبعدة عن الصراط المستقيم..

لقد ربط هذا الأستاذ المتخلف التحضر بالغرب وتعليمه، وهذا خطأ كبير يقع فيه الكثيرون، فتحضرنا لن يكون إلا عبر تمسكنا بثوابتنا، لن ننجح، ولن ننهض إلا بربط تعليمنا بديننا وثوابتنا، شئنا ذلك أم أبينا، لأننا أمة اعزها الله سبحانه وتعالى بالإسلام، ولن تقوم إلا به، والأمر ليس مستحيلا، وأساسه المزج الصحيح بين تلك العلوم وعلومنا الأساسية مع إعطاء الأولوية للأخيرة لا العكس (كما نفعل الآن)..

لقد نسي هذا الأستاذ أن بلدنا ليس ككثير من البلدان العربية، نحن شعب أكرمنا الله بالصحراء، فطلبنا مواقع القطر والصفاء، وظللنا إلى ما قبل قدوم هذا المستعمر المخمور الذي عربد على أرضنا وسقانا ثقافته، نجوب أرجائها الطاهرة بديننا وأخلاقنا، وهذا ليس عيبا أو منقصة، بل من خلال هذه الصحراء الرائعة اشتهرنا في العالم كله، فلا تستغرب من كون عاصمتنا حديثة النشء وكذلك جامعتنا، وإذا كنت تعتقد أن للتمدن فوائده، فللبادية أيضا فوائدها، فلا تعمم، وليتك يا أخي تعتلي جملا، وتطلق لقلبك العنان في هذه الصحراء لتكتشف بعض متعنا الخفية، ثم ينكفئ بك بعد ذلك في الرمال ونرتاح منك..

إن عالم الصحراء الجميل الذي يرتبط به أبنائنا الكرام هو ثروتنا الحقيقية، وجمالنا، وعاصمتنا الرائعة النظيفة، وجامعتنا النيرة التي تسطر العلوم على الألواح الخشبية - كما ذكرت مستهزئا – ثم منها إلى الصدور الواعية التي قلما ينسى أصحابها علما نافعا..
أما تتبع الغربيين كالسكارى المتخبطين مع التجرد من ثوابتنا (بإيحاء منهم)، وأولها ديننا وصحرائنا، فهذا هو سبب فشلنا الذي نعاني منه وضياعنا، ويوم ننجح في التوفيق بين الإثنين أو نركل النظام الدخيل على الأقل، سيتحقق الفوز والنجاح..
ودعك من ثرثرة أشباه المفكرين، دعك من النظام السياسي، ومن تعدد اللغات وغيرها من المبررات التي ترى أنها سبب فشل التعليم، مشكلتنا هي اعتمادنا لنظام الآخر، نعم "الآخر"، فالفرنسية ليست لغتنا بل لغة الآخرين، وابنك أيها المسلم لا يستحق منك وأنت الراعي له، إدخاله في متاهة تعليمية أجنبية يخرج منها دكتورا في كل شيء ما عدى أهم شيء في حياته، وهو دينه !
اسأل نفسك أيها الراعي هل ساعدته بذلك؟ هل صنعت منه فردا مساهما في رقي دينه وأمته؟
اسأل نفسك هل ضيعته أيها الأب والوزير والرئيس ؟ ..
لا بأس بالإنجليزية والفرنسية، وبالمتوفر من الرياضيات والفيزياء، ولكن مع الدين ولغته، نعم فالدين هو الأهم، ولغته هي الأهم، وهو الأساس الذي إذا صلح صلح الإنسان وصلحت الحضارة بأكملها، وللأسف ما تركت البدع والخلافات العقدية للتفاهم مكانا، لا بارك الله فيها. أسأل الله العلي العظيم أن يهدينا ويهدي كل مبتدع ضال من المسلمين، فالبدعة هي أساس مصائبنا كلها..

والذين سخر الأستاذ من بداوتهم أخرج أمثالهم لأوربا مبادئ الرياضيات حين كان النظام الإسلامي والبركة يحتضنان البداوة والصحراء..
أيها الوزير، أيها الأستاذ، أيها الأب، عد إلى دينك، عد إلى لغتك واجعلها الأساس، تخلص من عقدة التبتيب والقبلية المقيتة، وارحم غير بني عمومتك ومعارفك.. تمنى للجميع الخير فهم مسلمين مثلك إن كنت مسلما حقا، يتقاسمون معك هذا الوطن الكبير الذي يسع الجميع..

14. أكتوبر 2015 - 0:40

كتاب موريتانيا

ذات صلة