الملاحدة الجدد بين الجهل والضياع الحلقة(40) / المرابط ولد محمد لخديم

وقد تحل العقدة الكبرى حلا خاطئا إذا ترك للطاقة الحيوية وحدها أن تقرر.
       فالإنسان بشعوره بالعجز فانه يحاول إشباع ما يتطلبه الإشباع ويملأ أجوبة التساؤلات المصيرية. ولكن هذا الطريق غير مأمون العواقب، وغير موصل إلى تركيز، فغريزته قد توجد في دماغه تخيلات أو فروضا لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

       وهي وإن أشبعت الطاقة الحيوية ولكنها قد تشبعها إشباعا شاذا كعبادة الأصنام، أو تشبعها إشباعا خاطئا كتقديس الأولياء.
     ولذلك لا يصح أن يترك للطاقة الحيوية،أن تحل العقدة الكبرى أو تجيب على التساؤلات؟ بل لا بد أن يجري التفكير في الإنسان والكون والحياة للإجابة على التساؤلات السابقة... إلا أن هذه الإجابة يجب أن تتجاوب مع الفطرة، حتى يتم بها إشباع الطاقة الحيوية وأن تكون بشكل جازم لا يتطرق إليه شك.
      واكتشفنا معك عزيزي القارئ أن هذه الفطرة شيء نحس به في داخلنا ولكننا لا نفهم كنهه، وأننا لا نستطيع أن نصل إلى هذه الحقيقة التي تبدأ معنا عندما نولد وتبدأ عملها مبكرا قبل الحواس.
       وانه من بين جميع الديانات والمصطلحات الفلسفية والعقدية نجد دين واحد هو الذي عرفنا على هذه الحقيقة وأنها مرتبطة به ارتباطا عضويا متدافعة إليه تدافع الماء إلى منحدره. بدليل قوله تعالى﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ في قوله تعالى" تذكروا" دلالة على أن ما تذكروه مركوز في فطرتهم، وان غفلتهم أمر عارض سببه إغواء الشيطان. وإذا تأملت بداية الآية "إن الذين اتقوا"علمت ما الذي تذكروه؟ وما هو مركوز في فطرتهم. إنه خالقهم، ومحبوبهم وكل عمل يقربهم إليه.
        وإهتداء الإنسان إلى هذه الحقيقة أي إلى فطرته ليس كسبا رخيصا بل كبير، وغنم عظيم فيه يعيش المرء في سلام ووئام مع نفسه، ومع فطرة الوجود الكبير من حوله.
والحقيقة أن في فطرة الإنسان فراغا لا يملأه علم ولا ثقافة ولا فلسفة، وإنما يملأه الإيمان بالله الواحد الأحد جل شأنه.
      وستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والجوع والظمأ حتى تجد الله, وتؤمن به وتتوجه إليه, فتحس بالهداية بعد الحيرة والاستقرار بعد التخبط, والاطمئنان بعد القلق.
      وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: [ في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله, وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله, وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته, وفيه قلق لا يسكنه إلا الإجماع عليه والفرار إليه] (146).
    وكلمة التوحيد الخالدة (لا إله ألا الله) قالها كل نبي ورسول من الله، ودعا إليها قومه منذ نزل آدم على هذه الأرض وحتى أكمل الله دينه وأتم نعمته على الناس جميعا بدين الإسلام.                                       
          1– فهي أساس دعوة نوح عليه السلام، كما يفهم من قوله تعالى﴿ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم﴾ (147)
          2- وهي دعوة هود عليه السلام إلى قومه عاد، كما يفهم من قوله عز وجل
﴿ و إلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غير إن انتم إلا مفترون﴾ (148)
          3- وهي دعوة صالح عليه السلام إلى قومه ثمود، كما يفهم من قوله تعالى
﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾ (149).
          4– وهي دعوة شعيب عليه السلام إلى قومه أهل مدين, كما يشير قول الله تعالى
   ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره﴾ (150).
          5- وهي دعوة إبراهيم عليه السلام إلى قومه، يقول الله تعالى فيما يقصه عنه:
    ﴿ وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا، إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له؛ إليه ترجعون﴾ (151).
          6– وهي دعوة موسى عليه السلام وأول كلام تلقاه عن الله، كما يشير إليه قوله جل شأنه فيما يقصه عنه لما توجه في طريق عودته إلى مصدر النار التي رآها: ﴿ فلما أتاها نودي ياموسى إنني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوي، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ (152).
         7- وهي رسالة المسيح ابن مريم عليه السلام إلى قومه, كما يفهم من قوله تعالى فيما يقصه القرآن عنه في دعوته إلى قومه: ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾(153).
        8– وهي دعوة خاتم الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وذلك في دعوته إلى الناس كافة إذ يقول تعالى في كتابه الكريم هاديا ومرشدا ومعلما ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا هو﴾ (154).
         هذا وتأسيسا على ما أسلفنا يتضح لك عزيزي القارئ أن العقل هو دليل التوحيد الفطري وهذا ما نادي به الإسلام في دعوته الخالدة إلى التوحيد أمام العقل المجرد في بساطة ووضوح ومن دون أي تعقيد وغموض ثم يدعوه إلى التفكير في هدوء وتبصر من دون ميل أو هوى حتى يصل إلى حقيقة التوحيد التي تشهد بها آيات الخلق وظواهر الكون والتي بيًنها القرآن الكريم، ويجليها للناس في منطق واضح وأسلوب رائع وشرح مبدع باستحالة وجود أكثر من إله واحد، في الكون، ذلك أن التعدد بين الآلهة يقود إلى التناحر والتنازع بينها، والى انحياز كل اله إلى ما خلق مما يؤدي إلى اضطراب نظام الخلق واختلال نواميس هذا الكون، بل إلى انهيار الوجود وداره. بقوله تعالى ﴿ ما تخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون﴾ (155).
         ويقول جل شأنه: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾ (156).
        وفكرة الإله وتنزيهه عن الشبه والمثل جنحت إليها البشرية على طول تاريخها الطويل، فلم تكن قضية الرسالات السماوية وحدها، بل هي قضية العقول المستنيرة وموضع غاياتها والدفاع عنها:
      فقد وصل إليها الهنود أخيرا بعد أن كانوا يقولون بتعدد الآلهة التي وصلوا بعددها إلى ثلاث مائة وثلاثين ألفا، فتخلصوا منها جميعا، واقتصروا على إله واحد قالوا عنه إنه واحد لا شريك له في الملك، ولا يشبه أحدا من مخلوقاته، وهو حي لا يموت ولا يحس جوعا ولا ظمأ، وهو الذي يضطر الإنسان إلى معرفته، (157).
     أما في بلاد الإغريق فقد انتهى (افلاطون) إلى القول بأن الله هو خالق الكون وأنه هو المثل الأعلى الذي يحب الخير لعباده.
     كما أثبت (أرسطو) أن الله هو واجب الوجود لذاته، وأنه واحد قديم لا يتغير ولا يتبدل.
     أما المفكر (أكسينوفان) فقد دأب على محاربة الشرك بين الإغريق وجد في دعوتهم إلى تنزيه الله عن المشابهة لمخلوقاته، لأن الله منزه كل التنزيه عن أن يتصف بصفات البشر، فلكي تحتفظ للألوهية بقدسيتها لا بد أن ننزهها عن صافات الإنسان، ولما كان الله هو الكمال المطلق، فانه يجب أن يكون واحد، لأن تعدد الآلهة يجعل بعضها يخضع لبعض، وهذا لا يتفق مع مقام الإلوهية، كما أن الإله ليس في حاجة إلى أن يتخذ أتباعا يعاونوه في الألوهية، ولذلك فليس هناك اله اكبر وآلهة أصغر تكون دونه، ولا آلهة متماثلون يكون بعضهم بجوار بعض، بل يجب أن يكون الإله واحد(158) وحتى في الجاهلية في شبه الجزيرة العربية حيث عبادة الأصنام والأوثان آنذاك نجد أناس موحدين.
       فمثلا نجد زيد بن عمر بن نفيل الذي رفض الاعتقاد في آلهة قومه وسائر المعبودات المصطنعة، وعبد الله وحده، وفي ذلك يقول:
       تركت اللات والعزى جميعا** كذلك يفعل الرجل الصبور(159).
       فلا العزى أدين ولا ابنتيـها ** ولا صنمي بني غُنم أزور.
        كما كفر بتعدد الآلهة عربي آخر حيث يقول:
        أربًـا واحــد أم ألف رب ** أدين إذا تقاسمت الأمور
       تركت اللات والعزى جميعا ** كذلك يفعل الرجل الخبير.
        والآن عزيزي القارئ بعد أن عرفنا واقع العقل وعرفنا قدرته الإنتاجية وطريقته التفكيرية وأيقنا بوجود تشريع سماوي.....يتواصل...

23. نوفمبر 2015 - 8:39

كتاب موريتانيا

ذات صلة