يستنكرون بيع الذنوب، ويستثمرون في بيع الحسنات !/ سعدبوه ولد الشيخ محمد

تصدر الفقيه البارز، والوزير السابق أحمد ولد النيني عناوين الأخبار، في المواقع، وصفحات التواصل الاجتماعي، وحتى بعض وسائل الإعلام خارج موريتانيا، على خلفية فتواه المثيرة للجدل، القائلة بجواز بيع الذنوب، قبل أن يعلن ولد النيني تراجعه عن تلك الفتوى، في بيان رسمي، تناقلته مختلف وسائل

 الإعلام، ولاقى استحسانا، وإشادة كبيرتين من الجميع، باعتباره تكريسا لسنة الرجوع إلى الحق، والتوبة من الخطأ، وكان الجميع يعتقد أن هذا الملف قد أغلق.
لكن البعض يريد الإبقاء عليه مطروحا في الساحة، ويرغب في استمرار الجدل بشأنه، أحيانا بنقل أخبار نشرت في الخارج  عن الموضوع، وأحيانا أخرى بإنشاء أخبار محلية عنه، في شكل تعليقات من مواطنين عاديين، أو تصريحات لعلماء حول الموضوع.
وإذا كانت فتوى ولد النيني بخصوص بيع الذنوب أخذت كل هذا الزخم، فإن السبب في ذلك – برأي البعض- يرجع إلى أن أي موضوع يتعلق بالبيع، والشراء " البزنس" له طعم خاص، ويسيل لعاب البعض في موريتانيا، لكن البعض يرى أن ولد النيني سرعانما تراجع عن بيع الذنوب، في حين لا يزال البعض متماديا في بيع الحسنات، بل ويصر على رفع أسعارها على المواطنين الموريتانيين الفقراء، رغم شجبه لارتفاع أسعار المواد الغذائية، والبنزين، فبيع الحسنات ربما لا يقل إثما عن بيع الذنوب.
فأن تحفر بئرا في قرية نائية، وتطلب من أهلها أن يدفعوا ثمن البئر من مواقفهم السياسية خلال المواسم الانتخابية، فذلك بيع للحسنات، وأن تبني مسجدا لا يتجاوز أربعة أمتار، ثم تحرص على أخذ ثمنه من ولاء المصلين فيه، فذلك بيع لحسنة بعرض من الدنيا، وإذا فتحت محظرة لتدريس القرآن الكريم، وكانت عينك على نوعية الطلاب، وحاولت استمالتهم، أو " تجنيدهم"  لصالح رؤيتك السياسية، فذلك أيضا بيع لحسنة تدريس القرآن الكريم في مزاد السياسة الرخيصة.
قد يقول مجادل.. وما يدريكم، لعل هؤلاء حفروا الآبار، وبنوا المساجد، ومولوا المحاظر ابتغاء وجه الله تعالى، لا يريدون جزاء ولا شكورا، ومع خطأ التعميم، واحترام نوايا البعض السليمة، إلا أن هذا القول مردود عليه، لعدة أسباب، أبرزها ما يلي:
أولا: لأن من يقومون بمثل هذه الأعمال الخيرية الطيبة هم في الأساس نشطاء سياسيون، ينتمون – في الغالب- لأحزاب سياسية نشطة، تسعى للوصول إلى السلطة بكل الوسائل، وليسوا أفرادا في جمعية خيرية، لا تريد البعد الربحي، ومعلوم أن أهل السياسة ليس في قاموسهم مصلح " المجاني" فكل شيء له ثمن، أنكروا ذلك، أم اعترفوا به.
ثانيا: لأن هؤلاء يحرصون على أن يتولوا هم بأنفسهم الإشراف على هذه المشاريع الخيرية، حتى ولو قامت الدولة، أو أية جهة أخرى بالدور نفسه، ما يعني أنهم معنيون باستغلال أثر العمل الخيري لصالحهم، أكثر من اعتنائهم بوصول الخدمة إلى المحتاجين، والأمثلة على ذلك عديدة، وأكثر من أن تـُحصى.
لم نر أي جهة تتحدث عن بيع الحسنات هذا، رغم انشغال البعض كثيرا بالفتوى " المنسوخة"  ببيع الذنوب، وانشغالهم أكثر ببيع المدارس، والساحات العمومية، في مفارقة توضح أن الجميع في موريتانيا مشارك في " لعبة البيع" هذه، مهما حاول نفي ذلك، لكن واضح أن الآلة الإعلامية يتم تسليطها على نوع محدد من البيع، عندما لا يكون أصحابها مستفيدين، أما عندما يكونون هم البائعون، فإن التركيز الإعلامي يكون على الترويج للبضاعة، بدل الحديث عن العيوب التي قد تكون كفيلة برد البيع، وفسخ العقد.

23. يناير 2016 - 12:30

كتاب موريتانيا

ذات صلة