جمود البنيات التقليدية شلل للدولة الوطنية / د.محمد ولد محفوظ

تعتبر البنيات التقليدية كالقبائل والإثنيات والفئات والزوايا والطرق الصوفية أنظمة اجتماعية تقليدية لعبت في الماضي الموريتاني ـ من بين أمور أخرى ـ أدوارا لا يستهان بها على صعيد التعارف والتعاون وأنماط السلوك وأشكال التنظيم والإنتاج، ولكنّها اليوم وبفعل ظهور الدولة الحديثة كجهاز سياسي 

وقانوني متطوّر وكمؤسّسة حاضنة للمجتمع بكلّ مكوّناته، بات من اللازم أن تصبح تلك البنيات التقليدية متجاوزة، ليس فقط لأن حركة التاريخ تجاوزتها، بل لأنّها هي بالذات تعمل على شلّ حركة الدولة نحو التقدّم والبناء.
      لقد كان من المفترض أن تنصهر هذه البنيات ـ وأخصّ بالذكر أكثرها نفوذا وعصبية وهو القبيلة ـ في بوتقة الدولة وأن تنسجم مع مسارها، ولكنّ الذي حصل هو تغوّلها في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد، إلى الحدّ الذي تستطيع من خلاله ممارسة السلطة عبر التحالف القائم بينها والنظام، وتبقى مؤسّسات الدولة الحقيقية مجرّد واجهات شكلية عديمة الفاعلية في النظام السياسي للبلد.
      والسبب في هذا الحضور الطاغي للبنيات التقليدية في الحياة المعاصرة لبلدنا عائد في نظري إلى عاملين، أوّلهما عجز الدولة أو عدم رغبتها أصلا ـ لحاجة الحاكم إليها في تدعيم أركان سلطته ـ في اختراقها وتفكيكها لصالح مشروع الدولة الحديثة، أما الثاني فهو امتناع البنيات التقليدية لذاتها ووفق شروطها المحلية من أن تستوعب طبيعة المرحلة ونظام الدولة الوطنية لتنصهر فيه.
      وعلى النقيض من الدولة الناجحة التي حقّقت نوعا من التكامل والانسجام في إطار مشروع مجتمعي وحضاري جامع، يوحّد بين المجتمع كمجموعة من المكوّنات، وبين الأمة كوعي تاريخي وحضاري مشترك، وبين الدولة كإطار قانوني وتنظيمي، على النقيض من ذلك، بقيت الدولة المترنّحة تراوح مكانها، باعتبارها دولة بنيات تتنافر كالأقطاب، ومجموعات تتباين كالأضداد، في استبعاد تام للّحمة الاجتماعية المرجوّة، وبالتالي أصبحت دولة خواء مجتمعي على حدّ تعبير أحد السوسيولوجيين.
       ويَعتَبِر أغلبُ المهتمّين بقضايا التنمية أن أخطر ما تعانيه المجتمعات المتخلّفة ومنها مجتمعنا الموريتاني للأسف هو الإخفاق السياسي للدولة القائمة في هذه المجتمعات، وارتباطها بممارسات وأدوار لا تمتّ بصلة إلى مطامح ومصالح الأغلبية الساحقة من الشعب، بقدر ما ترتبط أساسا بمصالح الثّلة الحاكمة وحلفائها من رموز البنيات التقليدية، فينفتح الباب واسعا أمام العلاقات الزبونية والقرابية والولاءات السياسية والشخصية الضيّقة والرشوة والسمسرة والاختلاس، واحتقار أيّ سلوك نضالي مسؤول سواء في المجال المعرفي أو السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي، بينما في المقابل ينغلق الباب أمام قيم العمل والإنتاج واحترام الاختلاف والنضال من أجل المصالح العامة المشتركة.
       وتصبح النتيجة في ذلك كلّه حالة من التماهي بين الدولة والبنيات التقليدية تولّد كائنا هلاميا هزيلا إن كان له ما يميّزه فلعله احتقار المواطن والعبث بمقدّرات الأمة وخيبة الشعب في بناء دولة المؤسسات.
       فدولة المؤسسات لا يمكن أن تقوم إلّا من خلال تقويض البنيات التقليدية المؤسّسة على مبدإ الاختلاف والتنافس السلبي، باتجاه تحقيق مطلب المواطنة على أساس الاتحاد والمساواة بين جميع المواطنين، لكنّ تقويض البنية الاجتماعية التقليدية لصالح الدولة لا يعني مجرّد تمظهرات حداثية فاقدة للروح والجوهر، ولا تتجاوز السطح الاجتماعي كالضمان الاجتماعي الصوري، ومنظّمات المجتمع المدني الهجينة، والأحزاب السياسية وأغلبها "كرتونية"، ولا مجرّد تدخّل الدولة عن طريق سياسات اقتصادية واجتماعية ظرفية وقطاعية مؤقّتة كمشاريع التهذيب الفاشلة والخطط الاقتصادية الأكثر فشلا، وإنّما تقويض البنية الاجتماعية التقليدية هو ديناميكية صارمة ودائمة من الهدم وإعادة البناء لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلاّ باشتغالها في العمق من خلال تحريك سواكن الحياة النمطية المتوارثة والتطوير الفعلي لشتّى جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية. التقويض الحقيقي هو عملية خضّ عنيفة للقوالب الاجتماعية الجامدة لتتحوّل إلى نسق اجتماعي متحرّك ومتطوّر، يغيّر منظومة القيم والمبادئ والأهداف في النظام التقليدي كما يغيّر السلّم التراتبي النمطي سعيا إلى إحلال المكانة المكتسبة محلّ المكانة الموروثة.
     بيد أن من أكبر العقبات التي تقف في مواجهة هذا المسعى:
1 ـ الطرح التجزيئي المزمن والمتنامي ممثّلا في تصاعد نشاط وتحكّم البنيات التقليدية في الدولة، وتنامي ملامح الاستقطاب الإثني، بل والدعوة إلى الحكم الذاتي لدى البعض، ولكنّ تغوّل القبيلة يبقى ـ بحكم القوة والنفوذ الواضحين لهذه البنية بالذات ـ أقوى مظاهر النسق التجزيئي، فهي نموذج لحياة محلّية منكفئة على تقاليدها وأعرافها، وكلّ ما يضمن لها الاستمرار والحيوية، حيث يهيمن الماضي على الحاضر والنسب على السياسة، بإصرار كلّ قبيلة على ربط أصلها بجدّ واحد مشترك قد يكون في الغالب وهميا، وهذا هو منبع تلك النظرة التقديسية لكل ما له صلة بالأصل، بالماضي والتقليد، ورفض كلّ ما يؤدّي إلى التجديد والتحوّل والتغيّر، حتّى ولو مثّلته الدولة ذاتها.
2 ـ القوة الرمزية كاستراتيجية دائمة ومتحايلة لمواجهة التحديث، وكمثال على ذلك ديمومة المصطلح ومقاومته لكلّ أشكال التطوّر، وهنا تبرز رهانات اجتماعية تحرّكها قوة العبارة وتوجّهها نحو تملّك الواقعي عن طريق الرمزي، تملّك الأشياء عن طريق الكلمة، ومن أمثلة ذلك عبارات: "ولد الخيمة لكبيرة، الشيخ، العربي، الزاوي..."، كبنية مصطلحية فوقية تكرّس السيادة والقيادة، و"العبد، الحرطاني، لمعلم، إيكيو، آزناكي" كبنية مصطلحية تحتية تكرّس التبعية والدونية.
3 ـ القوى الاجتماعية والسياسية النكوصية التي تشتغل على الدوام، في الظاهر والخفاء معاً ضدّ كلّ ما هو حديث، وذلك انطلاقا من منطق هوياتي يأتي كردّة فعل ضدّ تيار الحداثة الذي يمثّل تهديدا لرمزيتها ومكانتها في المجتمع التقليدي، وبالتالي لمصالحها، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن رموز القبائل وزعامات الطرق الدينية، والمتنفّذين في المجتمع التقليدي، وأنصار البنيات التقليدية بشكل عام أيّا كان موقعهم في الهرم الاجتماعي التقليدي.
4 ـ امتناع البنيات التقليدية أن تَتقبَّل ذاتيا بذور التحوّل، وباستطاعتها أن تسعى إلى ذلك متى أرادت، فالمشكلة ليست دائما في البنية ذاتها، وإنّما في جمودها ورفضها للتطور وملاءمة المرحلة، فلو أنّ القبيلة مثلا اكتفت بوظيفتها الشرعية وهي التعارف، أو كفّت عن منافسة الدولة وتقزيمها، أو أشاعت روح المساواة والمنافسة الإيجابية بين جميع أفرادها، أو دَقْرَطَتْ نفسها ففتحت الباب مثلا للاندماج الاجتماعي البيني، أو أتاحت على سبيل المثال للحرطاني أو لمعلّم أو إيكيو المنتمي إليها أن يتولّى مراكز القيادة فيها متى ما توفّرت فيه الكفاءة اللازمة لذلك، لأصبحت القبيلة بذلك بنية حداثية قادرة على مواكبة المرحلة، بل و تتعاطى مع روح وفلسفة الدولة بإيجابية.
5 ـ السلوك المتناقض والغريب للدولة الوطنية ومن مظاهره مهادنة البنيات التقليدية الجامدة والاعتراف بمحوريتها، بل والتحالف معها، بدل مواجهتها وتقويضها لصالح الدولة، وذلك إصرارا من الثلّة الحاكمة على مصالحها الضيّقة، وعلى العكس من ذلك يقع التضييق على الأحزاب السياسية وتفكيكها، وهي التي يجب أن تكون بديلا طبيعيا للبنيات التقليدية في الدولة الحديثة. ومن هذا السلوك الغريب أيضا التخلّي عن تصحيح الانحرافات والاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبرى، وتهميش المواطن وإقصائه من المشاركة في تحقيق مشروع تنموي وحضاري شامل.
        إنّ البنيات الاجتماعية التقليدية بصيغتها الحالية تمثّل خطرا حقيقيا على وجود الدولة وبقائها، وهذه الحقيقة المرّة يجب أن تكون وقودا للفكر النضالي المستنير الذي لا يعرف التشاؤم ولا اليأس لأجل مقاومتها، ولعلّ في استفحال نشاط هذه البنيات في الآونة الأخيرة ما يجعل النضال ضدّها مشروعا بل وإلزاميا لبلورة إجماع وطني يهدف إلى التغيير ويخدم المصلحة العامة ويحارب التفكّك والتخلّف، وهنا تبرز مسؤولية النخبة، نخبة الولاء الوطني.
  

26. يناير 2016 - 12:39

كتاب موريتانيا

ذات صلة