غرض المديح في الشعرين (الحساني والفصيح) الائتلاف والاختلاف / محمد الامين ولد لكويري

يعد غرض المديح النبوي أحد الأغراض التي أكثر من تناولها الشعراء في الشعر العربي الفصيح، حيث ظهر هذا الغرض منذ فجر الإسلام، ودبج فيه الشعراء الكثير من القصائد العصماوات، وظهرت أسماء ارتبطت بالمديح النبوي، مثل حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة في عهده صلى الله عليه وسلم، 

ولم يخل عصر من العصور من شعراء دوّت شهرتهم وذاع صيتهم في غرض المديح إلى يومنا هذا.
وقد أكثر شعراء الحسانية من النظم في غرض المديح ــ كما فعل أصحاب الفصحى ــ فانصبّ الكثير من "لكرز" و"اطلع" و"الكفان" على المديح النبوي، فطرقوا كل موضوع له صلة به صلى الله عليه وسلم، فتناولوا خصاله المحمودة، واستعرضوا سيرته العطرة، وعددوا صفاته الخلقية والخلقية، وأظهروا الشوق إلى زيارة قبره وسائر الأماكن المرتبطة بحياته، كما أشادوا بانتصاراته في غزواته، منوهين بصحبه الكرام، وتحدثوا - كذلك- عن الأوضاع المتردية التي كانت تعيشها البشرية قبله صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من المضامين التي يمكن أن تدخل ضمن غرض المديح النبوي.
ونحن في هذه المعالجة سنحاول أن نقدم صورة عن غرض المديح في الشعر الحساني، وأن نعقد مقارنة بين الغرض في الشعرين، محاولين من خلال هذه المقارنة إبراز أهم نقاط الاختلاف والائتلاف بينهما.
أولا: نقاط الائتلاف:
- نشأة المديح النبوي في الأدب الموريتاني:
ظهر المديح النبوي في الشعر الحساني مع الجيل الأول من الشعراء الحسانيين، مثل أحمدو ولد أعمر ولد مانو الملقب: "الميداح" والذي يحكى أنه إنما لقب هذا اللقب لكثرة مدحه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما يؤكده المؤرخ المختار بن حامدن حيث يقول في المختار ولد الميداح من أبيات:
ألا يا ابن مدّاح الرّسولِ ويا هوه = ويا من مناويه قد انهار في هوه
أُنلت بحمد الله عَ المدح قــــــــوة = ولا حول إلّا بالإله ولا قــــــوهْ
وكذلك سدوم ول انجرتُ الذي يعتبر أول من اكتمل نضج هذا اللون من الشعر على يده، والذي يزخر إنتاجه الأدبي بهذا الغرض، ومن ذلك – على سبيل المثال - قوله:
صلَّ الله اعل النذيـــــــــرْ = نبي الله انبــــــــــــــــيَّ
ؤُ صلَّ الله اعلَ البشيــــرْ = مولْ الْيد السخــــــــــيَّ
سراجْ الظو المُنيـــــــــــرْ = أعَز الخلق اعْلـــــــــــــيَّ
الِّ ما كيفُ جنْـﯕـــــيــــرْ = خلّاتُ قرشـــــــــــــــــــيَّ
كما ظهر غرض المديح عند الجيل الأول من شعراء الفصحى في موريتانيا، حيث نجد سيدي عبد الله بن رازﯕــه رائد النهضة الشعرية في هذه الربوع، يصوغ قصيدة طويلة في مدح النعل الشريفة يقول فيها:
غرام سقى قلبي مدامته صــــــــــــرفا = ولما يقم للعذل عدلا ولا صرفــــــــا
قضى فيه قاضي الحب بالهجر إذ غدا = مريضا بداء لا يطب ولا يشــــــــفى
نهاريَ نهر بين جفنيَ والكـــــــــرى = وليليَ بحر مرسل دونه سجفــــــــــا
جريح سهام الحب عاث به الهـــــوى = فأبدى الذي أبدى وأخفى الذي أخفـى
توطنت الأشواق سوداء قلبـــــــــــــه = فترفعه ظرفا وتخفضه ظـــــرفــــــــا
إلى أن يقول:
مضى سلف في خدمة النعل صالــح = فكن خلَفا فيما تعاطوه لا خلْفـــــــــــــا
رأوا تلك في الدنيا الدنية قربـــــــــة = إلى الله في الأخرى مقربة زلفـــــــــــا
كما نجد معاصر ابن رازكه ونده الشيخ محمد بن سعيد اليدالي، يكثر هو الآخر من قرض الشعر في غرض المديح النبوي، بل ويعتبره زكاة الشعر حيث يقول:
زكاة القريض الذب عن كل مسلـــم = ومدح النبي المختار والآل والصحـــب
ــ قيام الإيمان والعدل بدل الشرك والجور:
تحدث كل من شعراء الفصحى والحسانية عن ظروف مجيئ هذا النبي، منقذ البشرية، فذكروا الأوضاع المتردية التي كانت تعيشها البشرية قبله صلى الله عليه وسلم، فهذا عبد الرحيم البرعي في مديحية له، يتحدث عن ما كان عليه الجاهلية من الضلال، من عبادة الأوثان، وأكل الميتة والدم، ووأد البنات، ثم يذكر ما جاء به صلى الله عليه وسلم، من ملة الإسلام، هذه الملة التي بدلت الجور الناجم عن الشرك عدلا، والخوف أمنا، يقول عبد الرحيم:
أتى والجاهلية في ضــــلال = وكفر تعبد الحجر الأصـــــنــــــا
وتأكل ميتة ودما وتسطـــــو = على موؤودة الأطفال دفنـــــــــا
فجاء بملة الإسلام يتلـــــــو = مثاني في الصلاة الخمس تثـــنى
فبدلهم بجور الشرك عـــدلا = وبالخوف الذي يجدون أمنـــــــا
ثم نجد الأديب أحمد بن الوالد في مديحية حسانية له يذكر ما كانت البشرية تتخبط فيه من ليل الجاهلية الحالك، حيث اختفى معنى الإنسانية، وضاعت الأمانة، وأكل بعض الناس بعضا، يقول:
افْليلْ ابلا ﯕـمرَ خانـــــــــــــــت = فيه الناس الناس، ؤهانــــت
فيه الناس الناس أمانـــــــــــــت = فيه الناس اتضيع، ابلا ساس
فيه الناس ادو، ما كانـــــــــــت = فيه الناس، اتعيش افْلنْفــــاس
فيه الناس، ؤتشرب كانــــــــت = فيه الناس الّا دم النـــــــــاس
ثم يشرع الشاعر أحمد في تعداد بعض ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الرحمة والعدل، حيث بدد نور التوحيد ظلام الشرك، فانقلب الظلام ضياء، وانتصر الحق على الباطل، فيقول:
جيت انت يالنّور المخــــــــار = واصبح بزّول الرَّحــــــــــم دار
امرﯕت انت زبدت نــــــــزار = منْ مروب رحم كيفـــــــنْ داس
ادخلت الدّنْيَ نور انهــــــــــار = بيه الشّرك ؤُجَ بيه أســـــــــــاس
التوحيد ؤُ تم انْتصــــــــــــــار = المظلوم ؤُساعتْ لنْفـــــــــــــاس
الظَّلْمَ ظو ابـﯕاتْ ؤُ نـــــــــــار = الشرك اطْفاتْ ؤُ نار البــــــــاس
ؤُ عرش الخير الِّ مات اخظار = والدّهر الْ ﯕـط احــراش املاس
- تعداد المعجزات:
كما اعتاد شعراء الصنفين (الفصيح والحساني) على تعداد بعض معجزاته الخارقة، والتي لا يمكن أن تحصل لغيره من البشر، ومن هذا القبيل في الشعر الفصيح قول الشهاب محمود الحلبي من مديحية له:
ومن جاءت له الأشجار تســـعى = وعادت بعد أن وقفت أمامـــــــه
وحن إليه جذع النخل شوقـــــــا = فعاد له ووفاه التزامــــــــــــــــه
ومن روى بملء إناء مــــــــاء = زها ألف وما نقصوا جمامــــــــه
وخبره الذراع وقد أعـــــــدت = به بنت اليهود له سمامـــــــــــــــه
وعين قتادة شقت فـــــــردت = يداه بها على الجفن التحامــــــــــــه
فصارت خير عينيه وأوفـى = قوى من عين زرقاء اليمامــــــــــــه
ومن ذلك في الشعر الحساني قول المرحوم لكويري ولد عبد الله من مديحية له:
وابلَدْ يوجعْ جاهْ ابْتمــلاسْ = أيدُ يبْريه افرَمْشتْ عينْ
والشَّ درّتْ ذي كالِّ ماسْ = اظرعْهَ مَبْرككم يَيْدِينْ
والجذع امّلِّ بعدنْ ما اسْــ = ـكت فثْر انبينَ عنْ لحنينْ
واتْظلُّ مزْنَ عنْ لَشْمــاسْ = والصّدْرَ جاتْ ابْلا كرعينْ
للتّظْلال اعْلَ خير النّــــــــاسْ = والظب اتكلّمْ لُ في الحينْ
ؤُ عاتـﮒ معاذ الِّ لُ ﮒــاسْ = ردّولُ فَم ؤ رَجَّعْ عينْ
قتادة وابْرَ مغْــــــــــــــواسْ = ارْمد عين أبي الحسنين
وعموما فإن نقاط الائتلاف بين اللونين هي الغالب الأعم، فقد تحدث الاثنان عن إخبار الأحبار والرهبان به صلى الله عليه وسلم، وعن ءايات الولادة والرضاع، وعن إرهاصات النبوءة... إلى غير ذلك مما لا تتسع لذكره هذه الورقات.
ثانيا: نقاط الاختلاف:
سبق وأن ذكرنا أن أوجه الائتلاف بين اللونين هي الغالب الأعم، إلا أنه ربما كان ثمت بعض نقاط الاختلاف، وسوف لن نزيد على نقطتين منها نظرا لضيق المقام وهما:
ــ المقدمة الغزلية:
دأب شعراء الفصحى على افتتاح قصائدهم المديحية بمقدمات غزلية، يذكرون فيها ما يعانونه من شدة الوجد، وهجر الحبيب، وما يكتوون به من نار الفراق ... إلى غير ذلك من لوازم العشق، وقد ظهرت هذه المقدمات في مرحلة نشأة هذا الغرض، إذ نجد كعب بن زهير رضي الله تعلى عنه يفتتح مديحيته المشهورة بالتغني بمحبوبته سعاد، فيقول:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبــول = متيم إثرها لم يفد مكبــــــــــــــول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا = إلا أغن غضيض الطرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبــــــرة = لا يشتكى قصر منها ولا طـــول
وكذلك فعل غيره من مداح النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة مثل حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهم.
وقد كره البعض إيراد هذه المقدمات التي تشتمل على ذكر محاسن النساء والتشبيب بهن، وما يجري للعاشق مع المعشوق من السفاهات، كمقدمة لقصيدة هدفُ صاحبها مدح أفضل البرية عليه أفضل الصلاة والسلام.
ويرى هؤلاء أن قصيدة كعب لا تصلح دليلا لمن سلك هذا المسلك، لأن كعبا نظم هذه القصيدة على طريقة شعراء الجاهلية، قبل أن يجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يسلم على يديه ويعرف آداب الإسلام، ولهذا يرجع البعض إقرار النبي له ولغيره على ذلك، وتركه يتغنى بمحبوبته على عادة الجاهلية .
ولعل بعض المداح قد أطنب في هذه المقدمات وأطال فيها، فهذا عز الدين الموصلي مثلا يصوغ مديحية من ثلاثة وثلاثين بيتا، يبدؤها بالتغزل، وذكر لوازم العشق، من ذكر الأحبة وديارهم، ومقاساة الأحزان والأشواق فيقول:
هل يبرئ الصب قبل الموت تقبيل = فقلبه بكؤوس الشوق معلـــول
عز المسير إلى سعدى به فغــدت = حالي بها قصر في شرحها طول
يا من يرق لمن إنسان مقلتـــــــه = يجري دما فهو بالأطلال مطلــول
شحت بوعد فسح الدمع منهمـرا = والخد والوعد ممطور وممطــــول
ثم يذهب في هذه المقدمة إلى تصوير جسم محبوبته تصويرا حيا فيقول:
وشاحها من دقيق الخصر ذو سغب = وساقها شبعت منه الخلاخيــــل
قد جانس العظف في لفظ مراشفها = فقدها عاسل والثغر معســـــــول
ثم يسترسل في هذه المقدمة إلى أن يأتي على ستة وعشرين بيتا، ليخلص إلى المديح النبوي فيما لا يزيد على سبعة أبيات فقط.
ثم إن الذين يؤيدون الإتيان بهذه المقدمات، من الموريتانيين خاصة، يروون في ذلك أثرا يقول: "لا تمدحوني بخصي الشعر"، وهو أثر لا أستطيع إثبات نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نفيها، إلا أني لم أقف عليه.
أما مداح النبي من شعراء الحسانية فقد اختفت هذه المقدمات من مدائحهم، وإنما استفتحوها بالبسملة أو بالحمدلة أو بالصلاة على النبي، مثل قول لكويري بن عبد الله بن سيدي – مثلا- مفتتحا باسم الله:
بسم الله اعْلَ مدح الســـــــــــاس = الهادي محمد لميـــــــــــــــن
الِّ نصرُ خالقْ لَنْفـــــــــــــــاسْ = اعْلَ مجموعْ الثَّقليــــــــــــــن
ولم أقف على مديحية حسانية مفتتحة بمقدمة غزلية إلا ما كان من مديحية للأديب اتقان ولد النامي الذي يبدو أنه رأى أن يثور على التقليد الذي دأب عليه زملاؤه عند افتتاح "لكرز" المديحية، وأن يطعم "كرزته" بأسلوب جديد، فاستفتح هذه المديحية بما جرى بينه وبين محبوبته الحيية المحافظة، ذات العفاف والدين، فقال:
مغلاها نيثِ سحــــــــــــــــــــي = مجلسها طايبْ وانْـﯕـــــيَّ
وافْلخلاﯕ اغليظَ هــــــــــــــــي = واغليظَ هي في العينيـــــنْ
ؤُ لا تدْخلْ مجالسْ نــــــــــــي = ؤُ منْصورَ بيهَ زين الديــنْ
إلى أن يقول:
امْعَ عنهَ هي فـــــــــــــــــيَّ = نعْتتْ شمْن اتزهْزِ بيّيــــــــنْ
من لَوَّلْ وارفود النــــــــــيَّ = عنِّ من لول غير امْنيــــــــنْ
عرفتْنِ ﯕـالتْ لِ فــــــــــيَّ = حاجت عدت انبان افذ الحينْ
امْن اغناك اتـﯕـول اعــليَّ = ش منْ مقولكْ ذاك الزَّيــــــنْ
ﯕـلت الهَ هيّنْ يا لبـــــــيَّ = ذاك ؤُ ذاك اعلي هيِّيــــــــــنْ
بيَّ الِّ نبغيك انتـــــــــيَّ = وامغن واغن لمْغنيــــــــــــــنْ
انـﯕـولُ نمدحْ نبــــــــيَّ = الرسول الصادقْ لميــــــــــــنْ
- تصوير المشاهد وسرد الأحداث:
لقد ركز أغلب مداحه صلى الله عليه وسل من شعراء الفصحى على تعداد معجزاته ومزاياه والحنين إلى زيارة قبره، والإشادة بصحبه الكرام، وربما ذكروا انتصاراته بصورة مجملة، بينما اتجهت المدائح الحسانية الى تصوير المشاهد وسرد الأحداث السيرية سردا مفصلا، بوصفها أصدق شاهد على عظمته وتمكين الله له في أرضه، فلنستمع إلى لكويري بن عبد الله متحدثا عن ما جرى بين أبي سفيان بن حرب وطلحة بن أبي طلحة يوم أُحد، وما حاق بأصحاب اللواء يومئذ، وقد صور الشاعر هذا المشهد بأسلوب سلس لا تكلف فيه فقال: (لبتيت التام)
في الحرب ؤُ ﯕـام أبو سفيــــانْ = الْبني عبد الدار اذكــــــرْ
زاد انْ يوم التقى الجمعــــــانْ = افبدر الجيش انْظر ابشـــــــــرْ
منْ قِبلْ لواهمْ لُ كـــــــــــــانْ = ﯕـبظُ حد أوخرْ ما ينْظــــــــــرْ
افْزعمُ واسألْهمْ يكـــــــــــــانْ = إﯕـدُّ رايتْ ذ العسْكــــــــــــــــرْ
يحْموهَ لين إِوﯕَّفْ شــــــــانْ = ذَ منْ لبطال المتحظــــــــــــــــرْ
واتْمغْنَ منْ ذاكْ الســــوْلانْ = ابْنُ أبي طلحه وازفـــــــــــــــــرْ
ؤُ ﯕـال احن شِ فيه انًّ شانْ = فيه ابلا طمعَ حد اوخــــــــــــــرْ
وادٍّرْبَ بالرايَ غضبانْ = بيهَ يتـﯕدَّدْ يتنمـــــــــــــــــــــــــرْ
واتْلـﯕاوْ ؤُ ماتُ غليــــــانْ = بني عبد الدار ؤُ نكصــــــــــــــــرْ
جيش الكفار افطن عجلانْ = وابـﯕ طلْحة معفـــــــــــــــــــــــــرْ
وارطاة ؤُ شريح ؤُ عثمانْ = ؤُ جلا سؤُ مسافع لوخــــــــــــــــرْ
وامعاهمْ صواب الحشمانْ = ذاك اعل لواه ؤشطــــــــــــــــــــرْ
وابـﯕ لواهمْ في الميـــدانْ = مزروﯕ ؤُ لا ﯕد إِندْفــــــــــــــــــــرْ

3. فبراير 2016 - 19:44

كتاب موريتانيا

ذات صلة