دورات تطبيقية صحفية / محمدو ولد البخاري عابدين

 خلال الأسابيع الأخيرة حزم بعض المسؤولين أمرهم، ورفعوا دعاوي قضائية ضد صحفيين في قضايا نشر رأى هؤلاء المسؤولون أنها تتعرض لسمعتهم وأعراضهم، بينما رأى الصحفيون في الأمر توجها لما أسموه تكميما للأفواه وتضييقا على الصحفيين.

معلوماتي في مجال الصحافة وقوانينها على درجة لا بأس بها من البساطة،

فلا أعرف حدود ما تخوله قوانينها المنظمة لها في بلادنا، وهل في بنود تلك القوانين ما يعطي الحق لشخص تعرض للاتهام اللجوء إلى القضاء للدفاع عن عرضه وسمعته، لأن " القيامة " التي صاحبت شكاوي ضد بعض الصحفيين تظهر وكأن لا حق للمسؤولين في ما قاموا به من رفع دعاوي ضد صحفيين اتهموهم في قضايا فساد، وبغض النظر عن قوانين الصحافة وأخلاقياتها، فإنه من المعلوم بداهة أن التهم من غير أدلة تظل قذفا إلى أن تثبت تلك التهم لا بالكلام والقيل والقال، وإنما بالوثائق والأدلة الدامغة.
والناس، أيا كانوا، مسؤولون أو أناس عاديون حساسون اتجاه سمعتهم وأعراضهم، ويختلفون في أساليب المحافظة على السمعة والعرض، فمنهم من يتبع في ذلك أسلوب الحذر النابع من الوازع الديني والأخلاقي والتوجيه الضميري، فيزن أي تصرف قبل الإقدام عليه بميزان الشرع والأخلاق ويعرضه على ضميره، فيضع يده تحت خده وينام على سرير " الما كال شي ما خاف شي " الوثير والمريح.. ومنهم من يتصرف بمعزل عن الأخلاق والقيم معرضا بذلك عرضه للاستباحة وسمعته للخطر، لا يخشى في ذلك غير أعين الناس وألسنتهم.
وقد وجدنا أن أغلب هذه الدعاوي تنتهي بسحب الشكوى بعد أن يعتذر الصحفي علنا أوضمنيا، قائلا إنه لم يكن يقصد الإساءة إلى المشتكي منه، وإنما اعتمد على معلومات مغلوطة، أو نشر الخبر قبل التأكد من صحته. كما وجدنا أن ذلك يتم غالبا بعد وساطة من طرف نقابة الصحفيين تقبل الله منا ومنها { لا خيرَ في كثيرٍ من نَجْوِيهمْ إلا من أمرَ بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بينَ الناس } والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قيل يا رسول الله نُصْرَتُه مظلوماً فكيف أنصره ظالما. فقال: تمنعه من الظلم فذلك نصْرَتكَ إياه ) ولا شك أن اتهام الناس من غير بينة ظلم من لم يمنع نفسه منه، فإنه يحتاج لأخ ناصح ناصر يمنعه منه ومن التمادي فيه.. وعلى آتيه أن لا يستهين الأمر ويكتفي بالاعتذار عنه، بل عليه مبادرة التوبة وامتلاك الشجاعة لطلب الصفح من صاحب الحق، فذلك هو ما سينجيه يوم لا صحافة ولا نشر..
إلا أن الرابطة لم تتدخل في شكاوي أخرى ضد صحفيين، أو لم يتم الإعلان عن ذلك التدخل، أو لم يصل إلى تسوية إذا كان قد تم بالفعل. وخلال السنوات الأخيرة لا يمر شهر إلا ونسمع عن دورة تكوينية للصحفيين حول أخلاقيات المهنة الصحفية. لم أحضر يوما لتلك الدورات باعتباري لست صحفيا، لكنني متأكد أنه لا يمكن الخوض في أخلاقيات المهنة الصحفية دون التعرض لمقومات تلك الأخلاقيات من استقلالية ومهنية ومصداقية وموضوعية ودقة وحياد.. وإن كان الكثير من مشاهير الصحافة قد أكدوا أنه لا توجد صحافة مستقلة تماما، وعندما لا توجد صحافة مستقلة تماما فإن أخوات، أو على الأصح " بنات " الاستقلالية يكون وجودها، هي الأخرى، نسبي إلى درجة كبيرة..
وأستبعد أن يكون بعض صحفيينا على درجة من " وعر الروص " بحيث يخوضون كل هذه الدورات والتكوينات ولا يدركون السطحي والبديهي والبسيط مما ندركه نحن الذين لم نخضع يوما لأي تكوين في أخلاقيات مهنة الصحافة، مما أقله أن التهم من غير أدلة أمر قد حسمه الشرع قرونا قبل وضع ضوابط وقوانين الصحافة { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } فما الحاجة إلى قوانين أو ضوابط، بل وإلى تكوينات بعد هذا؟! انشر ما أنت متأكد من صحته وتمتلك الأدلة عليه ومستعد للدفاع عنه إلى آخر مطاف، لكن لا " تنتحر " بنشر ما ستضطر في النهاية للاعتذار عنه مقدما مبررات وأعذار أشنع من ذنب، من قبيل الاعتماد على معلومات مغلوطة أو نشر الخبر قبل التأكد من صحته..!!
لا بد أيضا أن تكون التكوينات التي يخضع لها الصحفيون تتطرق إلى أن حساسية الصحفي اتجاه شخص أو مسؤول معين، أو الموقف الشخصي منه، أو الخلاف السياسي أو الاجتماعي المحلي معه " هك شور لخيام " لا يبيح له استخدام وسيلته الإعلامية كمنبر للتشهير به، حتى أن ذلك ليس في مصلحة الصحفي نفسه، لأنه باتهامه لخصمه من غير أدلة يأخذ من مصداقيته بيده ويعطي لخصمه، ويخدمه من حيث لا يريد ما دام سيعتذر عن التشهير به، ليظهر الصحفي هو الخاسر والخصم المتهم هو المنتصر!
فهمت، وكثيرا ما أفهم خطأ، أن وساطة نقابة الصحفيين بين المسؤولين المشتكين وبعض الصحفيين، والاكتفاء ببيانات في حالات أخرى، هو إما أنها ترى في نشر أخبار عن بعض المسؤولين ليرفعوا دعاوي قضائية ضد الصحفيين هو الضارة النافعة.. فقد يكون بمثابة " دورات تطبيقية " مكملة للدورات النظرية التي خضع لها الصحفيون مرارا حول أخلاقيات المهنة، ولأن كل نظري يتعمق أكثر بالتطبيق، فلا بأس أن يجرب الصحفيون بأنفسهم ماذا سيحصل إذا أقدموا على ما يعرفون ـ نظريا ـ أنه ممنوع، فينشرون أخبارا عن أشخاص تتضمن تهما لا يملكون عليها أدلة، وهو ما حصل، ورفع المسؤولون دعاوي قضائية ضد الصحفيين، فتدخلت النقابة وأعتذر الصحفيون وسحب المسؤولون شكاياتهم وكأنها، أي النقابة، كانت تقوم هنا ب " الكاميرا الخفية " وتم استيعاب الدرس..
أو أن النقابة كونت وشرحت ونبهت وتعاطفت وتضامنت، لكنها رأت أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح، وأن هناك من ممارسي العمل الصحفي من منتسبيها، أو منتسبي غيرها من الهيئات والرابطات الصحفية الأخرى، من ليست مشكلته في عدم الإلمام بالقوانين والأخلاقيات الضابطة للعمل الصحفي وما يترتب على تجاوزها، وإنما له هو قوانينه وأخلاقياته " المضبوطة " بأهوائه ومواقفه المسبقة، حتى إذا أدخل نفسه في ورطة طلب تضامن وتعاطف الآخرين، ولذلك تركته النقابة يتحمل مسؤولية وتبعات تصرفاته بنفسه، فلم تعد مستعدة في كل مرة ل" أرفود خطيت فم الحاسي "!
ففي حينا كان أحدهم كثير الخلافات والخصومات مع زوجته، وكان في كل مرة يدخل معها في خصومة وخلاف وتذهب إلى بيت أهلها يلحق بها طالبا تدخل والدها لإعادتها إليه، وفي إحدى موجات خلافاتهما ذهبت الزوجة كالعادة إلى بيت ذويها، فلحق بها الزوج طالبا تدخل والدها، لكن الوالد اكتشف أن الزوج لم يعد يعر أي اهتمام لمشاعر الزوجة لأنه يعول، في كل مرة، على إرغام والدها لها على العودة إليه، فقال له هذه المرة سأعيد لك ابنتي، لكن إذا اختلفتما مستقبلا فلا تأت طالبا تدخلي لأنني لن أفعل..
ولا زلنا ننتظر من يوضح لنا كيف يتصرف من نام ليصحوا على تداول إسمه في وسائل الإعلام متهما بالرشوة أو الاختلاس أو إقحامه في قضايا لا تخصه، فإذا اتضح لنا أن لا حق له في الدفاع عن عرضه وسمعته بحكم قانون الصحافة وأخلاقيات المهنة سلما بذلك وكان لنا حديث آخر، بل لم نتحث أصلا.

3. فبراير 2016 - 19:47

كتاب موريتانيا

ذات صلة