" الاسموزية السياسية " / محمدو ولد البخاري عابدين

الاسموزية كيميائيا، هي انتشار المحاليل من الوسط الأقل تركيزا إلى الوسط الأكثر تركيزا، وهكذا ينتشر الماء العادي في المحلول الأكثر تشبعا بالسكر أو الملح، بسرعة أكبر من انتشار المحلول المشبع بهما في الماء العادي. وهذا هو السر في عدم قدرة الكثير من أنواع النباتات الحساسة للملوحة على العيش 

والتكيف في الأراضي المالحة، لأن محلول ماء التربة في هذه الأراضي يكون أكثر تركيزا بالأملاح من عصارة النبات، وبالتالي فبدل أن يمتص النبات الماء لكي ينمو ويعيش يحدث العكس، فتنتقل عصارة النبات من خلاياه وأنسجته إلى محلول التربة، وبذلك تذبل النباتات وتموت، وتلك مجرد فائدة علمية جاءت للتوضيح..
للسياسة أيضا كيمياؤها واسموزيتها، وقد ظل المراقبون يتساءلون دوما لماذا تقتصر أحزاب المعارضة في تنظيم مهرجاناتها وأنشطتها السياسية على العاصمة دون غيرها من المناطق الداخلية للبلاد، فمنذ عهد الجبهة، فالمنسقية فالمنتدى، ظلت المهرجانات والمسيرات تراوح مكانها بين دار الشباب وساحة بن عباس، وإن ابتعدت فقليلا بإحدى مقاطعات العاصمة. علما بأن ثلثي سكان البلاد يعيشون بالمناطق الداخلية في مدن وقرى وأرياف، وإذا كانت المهرجانات تفقيها في أمور البلد فهم أحوج من سكان العاصمة لذلك التفقيه، أما إذا كانت استعراضا فلا يكفي أن نحشد كل سكان نواكشوط ـ إذا افترضنا أن ذلك هو ما يحدث فعلا خلال كل هذه المهرجانات ـ لأن ذلك لا يمثل سوى ثلث سكان البلاد، أو نصف عشر ثلثهم إذا عدنا للواقع والعدد الصحيح لحضور هذه المهرجانات، و نفخناه ونفشناه كثيرا وقلنا إنه خمسون ألفا..
أتانا بالأخبار من هو على اطلاع على ما يدور خلال نقاشات الإعداد للمهرجانات، حيث كلما طرح موضوع تنظيم مهرجانات في عواصم الولايات الداخلية خلال هذه النقاشات، أطل هاجس الخوف من ضآلة الحضور، واستقر الرأي على مبدإ " الدرجه ما يُشلود بيها " حيث سيُعد انتكاسة حضور ضئيل في الداخل بعد آخر مقبول في العاصمة..!
خلال المؤتمر الصحفي الذي نظمه الرئيس الدوري لمنتدى المعارضة المنصرف عند تسلمه لمهامه، أعلن عما سماه دفعا جديدا للعمل المعارض، وعزمه على القيام بجولات داخل البلاد وخارجها للاتصال ب\ وتعبئة المواطنين هناك، لكن مأموريته انتهت قبل أيام وسلم الرئاسة لخليفته دون أن يقوم بتلك الجولات، لا نعرف ما الذي حال دون ذلك،  لكننا متأكدون أن لا حواجز أو متاريس بين العاصمة وبقية مدن البلاد، وأن الرئيس ليس على لائحة الممنوعين من السفر خارج البلاد إن وجدت، وأن جواز سفره سار الصلاحية ويوجد في جيبه أو في حقيبته..
بعد شهر من الدعاية والتعبئة نظم حزب التكتل مهرجانه " الصمود والتحدي " بعد غياب عن عدة أنشطة ومهرجانات للمنتدى الذي هو أحد مؤسسيه، ووصف أنصار الحزب المهرجان بالهائل وغير المسبوق، الموصل لرسالة " التحدي " للنظام لكن، في نفس الوقت، للشركاء في المنتدى الذين عتوا عن أمر " التكتل " بمجرد قبول لقاء بالوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية!
ولا أحد ينكر أن للرئيس أحمد ولد داداه أنصار يتركزون في الشريط الساحلي الموريتاني، أي العاصمة بالدرجة الأولى والمناطق المحاذية لها بدرجة ثانية، وهكذا تمت التعبئة طيلة شهر لنقل المناصرين من المقاطعات المحاذية الأقل تركيزا بالمناصرين إلى العاصمة الأكثر تركيزا بهم طبقا لقاعدة " الأسموزية " ليظهر المهرجان بهذا الشكل.. لأن مناطق الكثافة السكانية الأخرى، غير الشريط الساحلي، هي مناطق الشرق التي تبدأ حدودها من " القايرة " وإلى غاية آخر نقطة على الحدود المالية، وبذلك فسكانها بعيدون على الجلب، وفضلا عن بعدهم لا زالوا يحتفظون لزعيم التكتل بتصنيفه لهم " معاقون سياسيا " ومن نسي منهم ذلك التصنيف، أو سقط وقعه النفسي والمعنوي عليه بالتقادم، ذكره به ناشط في حزبه قبل أيام بوصفه لهم ب " الطمع ورثة الحال "! نستعيذ بالله من المشي بالنميمة التي يقع وزرها هنا على " الفيس بوك " لا علينا، لأن كلام المعني منشور عليه ومرفق بصورته، ولا بأس في الحكاية.. 
تحدث أحمد ولد داداه في مهرجانه عن الاستبداد والظلم والقهر والغبن والتهميش والتجويع والبطالة والإقصاء والفساد والنهب والتدمير والانفلات الأمني والخيانة والمخدرات وغيرها من أشراط الساعة ومقدمات النفخ في الصور.. ولا مفاجآت في ذلك ولا أحد كان يتوقع من زعيم التكتل كغيره من المناوئين غيره، إلا أن ما استغربته من سياسي مثله، مما رددته إلى " الراسخين في السياسة " وأجمعوا على غرابة صدوره منه، هو توزيعه للضمانات بعدم محاكمة الرئيس أو مصادرة أمواله إن هو انسحب من السلطة!
فمن هو حتى يوزع تلك الضمانات؟ الاستفهام هنا ليس عن جهل بشخص زعيم التكتل الذي هو ليس نكرة ولا هو بالقريب من ذلك، لأنه شخصية سياسية لها مكانتها المعروفة في الساحة الوطنية، لكنه نسي ـ وقد أقر بإنه أصبح كثير النسيان ـ أنه لا زال، إلى حد الآن، سياسيا معارضا يتحدث في مهرجان سياسي، وليس في جلسة مفاوضات الفرصة الأخيرة مع رئيس يبحث عن مخرج، الأرض تغلي من تحت كرسيه بالثائرين لا " المُثَوَرين "، وطائرته على المدرج استعدادا للهروب بجلده وأولاده وأمواله.. في المرة السابقة إنسحب وإلا حاكمتك واليوم انسحب وأضمن لك الحصانة!
فما هي الخطوة الموالية، وأين ما هو مدخر لها من " كروت " لم تستخدم من قبل؟ أوليس الأولى والأنسب من ذلك كله شيء من الواقعية، والتخفيف من العُجب، والإقلاع عن أوهام التفرد بالساحة ونصب المحاكمات في الهواء، والجنوح بدلا من ذلك إلى المتيسر والمتاح من العمل والمشاركة السياسيين إلى أن نصبح في موقع يكون فيه عفونا عند مقدرة، ومحاكماتنا قابلة للنفاذ؟!

27. فبراير 2016 - 1:50

كتاب موريتانيا

ذات صلة