الانحراف والخلل في تفكير وطرح الكتاب والباحثين في مجالات العبودية ؟! / د.محمد المختار دية الشنقيطي .

الانحراف والخلل في تفكير وطرح الكتاب والباحثين في مجالات العبودية والتفاوت الطبقي والفوارق الاجتماعية والمعيشية ؟!
قال تعالى:{ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} سورة لقمان، الآية: -وبالمناسبة وبمفهومنا الشعبي فإن لقمان حرطاني-وهي منه والله لوصايا

 الحكمة النافعة التي هي قول وفعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، وهي الموعظة البالغة والدعوة الصادقة للحق التي تؤسس لمنهج التغيير في الحياة وتضع معالم الطريق للتحرر من قيود الشرك الذي هو الظلم العظيم والتجسيد العملي  لامتهان الكرامة الإنسانية وإذلالها بقيود العبودية للبشر؟!!
وفي ماضي البشرية وتاريخ العلوم الإنسانية ظل النقاش محتدماً ومستمراً حول قضية التأثير والتأثر بين الإنسان والبيئة وأيهما الأقوى والأكثر فاعلية وتأثيرا في الآخر، والأمر الذي لا جدال فيه على الأقل من الناحية النفسية والثقافية أن الإحساس بالظلم والشعور بسلطان وفاعلية الغبن وتحكم ونفوذ الأنا المنبعث من دافع البحث عن الضائع والمكانة في الحاضر والحضور المشحون بتأثير مخلفات الإحساس بالظلم ومركب النقص والعجز، وحضور مظاهر التفاوت الطبقي والمعيشي عند الآخر الذي يحسب الضحية أنه السبب الحاضر والفاعل والمستفيد كسباً على حسابه وباعتباره  ضحية ؟!
كل هذا وذلك هو الذي حرمنا ويحجب عنا تمثل العلمية في التحليل والموضوعية في الطرح الأمر الذي أفقدنا الرؤية العلمية المتماسكة والبرامج العملية والحلول الموضوعية والواقعية لظاهرة الرق ومخلفات الاسترقاق، والتفاوت المعيشي والطبقي وتأثيراته على وحدة المجتمع وتماسكه، وحرمنا من إحداث تنمية تستجيب لحاجياتنا وتمكن من سد الفجوة العميقة الحاصلة بين طبقات الأغنياء والفقراء في مجتمعنا ؟!
ولقد قرأت في الآونة الأخيرة عدداً مقدرا من الكتابات فيها من الأفكار والآراء والأطروحات ما يعتبر إضافة  علمية ناضجة وجديدة لثلاثة من قادة الرأي وأساتذة الفكر والتأثير في الرأي العام لا على مستوى أنصار حركة الحر وحسب-، وإنما في المجتمع الموريتاني كله،- وهم الأساتذة الأصدقاء والزملاء الصديق والزميل العزيز الدكتور البكاي ولد عبد المالك والزميل المتميز الدكتور السعد ولد لوليد والحقوقي الصحفي اللا مع عبيد ولد امجين وهي  في حقيقتها ومجملها أفكار وتصورات وطرح فيه من الإنصاف والموضوعية والأحقية ما يهدي لقدر كبير من أسباب الحلول للمشاكل الوطنية ولتي رفع لواءها دعوة ونضالاً ت قادة حركة الحر في العقود الماضية ومازا لو يرفعونها، وبالقدر الذي في تلك الأفكار والأطروحات من العلمية والموضوعية فيها من ما يهدي لدفع الظلم وجلب ما ينجي من متاهات المظالم ومطالب الثأر التي تترنح على ألسنة المتطرفين من أدعياء النضال والمتطرفين ممن يخاصمونهم .
وهي كذلك أفكار وأطروحات توصيفيه لظاهرة الاسترقاق ومخلفات ممارسات العبودية وهشاشة ما قدم من برامج عملية وتصورات شكلية لم ترفع الظلم ولم تقدم حلا يجدي لضحية ، وإنما عقدت المشهد وحولته من إنساني إلى سياسي، وزادت من تباعد الشقة بين الفر قاء والمتخاصمين الأمر الذي هيئ الأرضية وأعطى الشرعية والمبررات للمتطرفين من كل دعاة وأدعياء القضية والمتاجرين المستغلين لها من كل فئات المجتمع ومزوري السلطة للوجود والدعاية ؟!
والواقع الذي لا جدال فيه أن هناك الكثير من الضحايا والخصماء كان أسلافهم يبغى بعضهم على بعض، الأمر الذي جعل الخلائف لهم ممن ورثوا ما كان عند بعض الآباء من عرض هذا الأدنى يكونون محل ذنب وتهمة، وربما تحمل للمسؤوليات والتبعات من طرف بعض من تسوروا ساحات النضال والمطالبة بالحقوق وتكسير أغلال الظلم وقيود التقاليد البدوية والعادات القبلية التي كان للاسترقاق فيها فعلاً وملاذاً ءامنا يجبا إليه المخطوفون والمغلوبون لممارسة العبودية وبأبشع صورها ومعانيها ، وبالرغم من حفهم للمقولة العمرية المعبرة عن حقيقة الإسلام في العبودية(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)وهي كذلك بيئة خصبة حاضنة تشرعن فيها العبودية والاسترقاق وتمتهن فيها الكرامة الإنسانية !!
وحين يقف المرء على تفاصيل مفردات ذلك الواقع التاريخي المأساوي الأليم والحاضر البائس ويسمع تفاصيل النبأ العظيم في شأن ما كان يقع من الاستعباد الذي تضغط اليوم آثاره ومخلفاته على الواقع وما هو متجل فيه من مظاهر الحيف والجور والظلم الذي كان يمارس على شريحة العبيد ليدرك بلا جدال ودون كبير عناء أن آراء وأطروحات القادة المؤسسين لحركة الحر أفكار ومشاريع وطنية ومبررة، ونضالهم نضال مشروع وواجب وطني  مطلوب تبنيه وحمايته، حتى وإن جنح السبيل ببعض وارثي النضال من الطبقة الثانية من حركة الحر نحو ظلم ذو القربى وابسال أبناء أرحامهم ووطنهم من معاصريهم بظلم وذنوب آباء بعضهم  في الاسترقاق، وفي عملية ردة فعل ومكايدة تشحذها وتدفعها الضغائن، وربما مآرب أخرى، غير دفع الظلم وتحصيل الحقوق متخلين في أغلب ساحات الصراع ومحطات النضال عن قواعد العدل والإنصاف التي دعا لها الهدي القرآني الوحي الإلهي المنزل لتحريم الظلم والبغي والعبودية لغير الله، ونشر العدل والحرية والمحبة والإحسان والإنصاف والتعاون ، وتحميل كل مخلوق وحده وزر ما كسبت يده، قال تعالى:{ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}، وقال:{ ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيئا ولو كان ذا قربى }، وقال:{ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} .والله الذي يهدي للحق والعدل والإنصاف جل في علاه حرم الظلم على نفسه وجعله بين الخلائق محرماً ففي الحديث القدسي فيما يروي النبي- صلى الله عليه وسلم عن ربه:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظلموا".
والمعلوم شرعاً وعدلاً ومنطقاً أن الحاضرون المخاطبون من مثلي ومنهم في عصري لم يعرفوا عملياً ولم يمارسوا واقعياً عملية الاسترقاق وتعبيد البشر، وكما أن الغالبية العظمى من العصبة أصحاب المال والثراء في حياتنا اليوم ولا أدافع عنهم لم يكسبوا مالهم وثراءهم من ممارسة الاسترقاق والعبودية المعروفة تقليديا، ولا ربحوا في أعمالهم وتجارتهم، والتي أثرى أغلبهم منها، بسبب انتمائهم الأسري والعائلي، فغالبية التجار من أصحاب المال والأعمال، وأصحاب سحت المال من خونة الأمانة والمسئولية من عمال الدولة لا ينتمون في الغالب للعائلات التي كانت تملك العبيد وتمارس عمليات الاسترقاق، التقليدي، ووارد أن جداً أن يتهم الجميع  ويدان بممارسة الاستعباد الحديث واستغلال النفوذ المالي والوظيفي الذي مارسوه  ويمارسوه في حق الشعب وعلى مؤسسات الدولة الحديثة للسيطرة والسطو ونهب خيرات وأرزاق العباد والبلاد في البلد !؟
ظاهرة الرق ومظاهر مخلفات الاسترقاق قضايا ظاهرة ومكشوفة ولم تعد تحتاج إلى توصيف أو تحليل لقوة حضورها وكثرة ما كتب عنها من بحوث ودراسات وجمعيات وأشخاص يتبارون في استغلالها وتبنيها ورفع راياتها في المجامع المحلية والمحافل الإقليمية والدولية، وباسم الحرية حيناً والإنسانية حيناً آخر والتجارة والسياسة في أحايين أكثر حضوراً وأظهر وقعاً على الضحايا والبرامج ووسائل المعالجات ؟
ومعالجة ظاهرة الرق ومخلفاته هي من أعظم مسؤولية الدولة ومؤسساتها وباعتبارها البديل لمؤسسات المجتمع والوكيل عنه بكافة مسمياته ومؤسساته وأفراده وهو المسؤول مسؤولية جماعية عن تبعات الرق ومظاهره، والمطالب بدفع الظلم ومعالجة المظالم ومخلفات الاسترقاق، والدولة لم تقدم فيما مضى من تاريخها للضحايا معالجات فعلية وحلول فاعلة للرق ومخلفاته، وإنما قدمت وظائف وامتيازات شخصية لقادة يستحقونها أصالة لأنهم مواطنون، أما على مستوى الضحايا العادين وهم المعنيون أصالة فإنها لم تقدم لهم إلا الاستفزاز والانتهازية والاستغلال لحاجتهم وعواطفهم ومشاعرهم ؟!
لا شك ولا نقاش في أن مشاكل الظلم الناتج عن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية وما يتبع ذلك من فشو للفقر والحيف والغبن ليعتبر من أكبر التحديات وأعظم الصعوبات التي تواجه أغلب البشرية في شتى أنحاء العالم وخاصة في بلادنا المنكوبة بالرق ومخلفاته وذلك لما ينجم عنه من مصائب وكوارث، وما يترتب عليه من بؤس وشقاء وتشرد وجريمة وانقسام وخلل ظاهر في مجتمعنا وهو ما يهدد ليس فقط الطبقات الفقيرة بل المجتمع كله، وللأسف الشديد فإن كل الفئات التي تعاني من الفقر هي  فئات رحم في النسب والدين والوطن!!
وهي كوارث ناتجة عن عدة عوامل منها ما هو اقتصادي ومنها ما هو ناتج عن الحروب والكوارث الطبيعية ومنها ما هو ناتج عن زيادة معدلات الاستهلاك والانفجار السكاني وقلة المشروعات التنموية الموجهة والمدعومة بما يلزم لتنمية فاعلة خلاقة ومستدامة ؟..
والدراسات العلمية والتجارب الميدانية في العالم تؤكد أنه لا يمكن حل مشاكل الفوارق الاجتماعية والظلم واستئصال الفقر إلا بالمعالجة الجذرية لمسبباته، وحجر الأساس لمعالجة الفقر هو تمكين المجتمعات الفقيرة من الاعتماد على نفسها وإعطائها الوسائل والفرص للمشاركة في التخطيط للتنمية التي تخدمها وتناسبها!!.

فمثلا في العام 2000م التزمت البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة وعددها 189 بتحقيق الأهداف  الثمانية الإنمائية 2000_2915 م والتي من بينها أهداف تتعلق بمكافحة الفقر والتهميش إلى جانب أهداف أخرى ذات علاقة، منها: تقليص نسبة الفقراء الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، ويعانون من الجوع، لتصل إلى نصف ما كانت عليه في 1990؛ وإكمال الأولاد والبنات على حد سواء لتعليمهم الابتدائي؛ والقضاء على التفرقة بين الجنسين على جميع المستويات؛ وخفض معدل وفيات الأطفال الأقل من خمس سنوات بنسبة الثلثين عن المستوى المسجل في 1990؛ وخفض معدل وفيات الأمهات بنسبة ثلاثة أرباع عن المعدل المسجل في 1990؛ والعمل على الحد من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية "مرض الإيدز"؛ وضمان قدرة البيئة على الاستمرار؛ وتأسيس شراكة عالمية من أجل التنمية؟.

ومن رؤيتنا الحضارية ومنظورنا العقدي نعلم أن الفقر والغنى وتقسيم الخيرات والطاقات والمنافع كل ذلك يعتبر قضاء و قدرا، وهو من طبيعة الأشياء، والرزق على الله، يعطيه من يشاء، متى شاء، وعلينا نحن بذل الأسباب وتحصيل الموجبات؟.

ولذلك لا أحد يستغرب أو يستطيع القضاء النهائي على وجود الفقر في مجتمعنا وهو موجود في كل مجتمعات الدنيا، مهما كان تمدنها وعيناها، إلا أن الفرق يبقى في درجة الفقر ونسبة الفقراء في المجتمع والأسباب الحقيقية للفقر.

ومن هذه الزاوية وفي إطار البحث عن الحلول والمعالجات الجادة يمكن أن تتبين ونبين بعض الأسباب الداخلية والأخرى الخارجية، فتبرز لنا من الأسباب الداخلية مثلاً: والمقصود بها تلك طبيعة:

أولاً:النظام السياسي والاقتصادي السائد عندنا، فالنظام الجائر لا يشعر فيه المواطن بالأمن والاطمئنان إلى عدالة تحميه من الظلم والتعسف، في التنمية وقسمة الموارد، وفرص الشغل والعيش الكريم.

ويستفحل الأمر إذا تضاعف العامل السياسي بالعامل الاقتصادي ويتمثل في انفراد الحكم بالثروة بالطرق غير المشروعة نتيجة استشراء الفساد والمحسوبية، فيتعاضد الاستبداد السياسي بالاستبداد الاقتصادي والاجتماعي؟!

وفي حالتنا وأوضاعنا فهي الحالات التي تسببت في اتساع رقعة الفقر وبالرغم من أن  البلد زاخر بالثروات الطبيعية والموارد الاقتصادية .

هذا فضلا عن الصراعات المحلية والحروب الإقليمية وحتى في بعض الحالات الأهلية والاضطرابات الأمنية، ولأسباب داخلية وخارجية وهي الأخطر على التنمية والأعقد على الوحدة الوطنية؟!!

  ولعل من الأمثلة الحية على ذلك حرب الصحراء وأحداث1989م وهي أقرب الأمثلة الصارخة لاسيما وأن كلاً منهما جاءت في الزمان بعد أزمات حصار داخلي وخارجي مما عقد مشكلات الفقر لأكبر شرائح المجتمع  رغم ثرواته الحديدية والسمكية والحيوانية الهائلة ؟.

وما زاد الأمر تعقيدا هو ما نتج عن تلك الأزمات من التدمير المتواصل للبنية التحتية والموارد الاقتصادي، يضاف لذلك عدد من الأسباب غير الظاهرة للعيان كنقص المساعدات الدولية أو سوء تدبيرها  وتوزيعها  بسبب الفساد المتفشي في المؤسسات وحتى الوسطاء الدوليين وفي مؤسسات الحكم المحلي .

والفقر يعتبر اليوم هوأهم تحد أخلاقي في عالم اليوم، وهو تحد يستحث همم الحكام والمثقفين والسياسيين وعالم الأعمال وأعضاء المنظمات غير الحكومية من نقابات ومنظمات حقوق إنسان، فضلا عن سائر المواطنين المهتمين بقضايا المجتمع وتنميته ، ذلك أنه لا يمكن من الناحية العلمية الحديث عن تنمية مستدامة من دون القضاء على الاستعباد ومخلفاته والفقر ومظاهره، ولذلك كثر الحديث خلال العقود الأخيرة عن الفقر والفقراء في كل برامج وأدبيات الأمم المتحدة وذلك بسبب تأثره وتوسع دوائره ومظاهره ومخاطره الاجتماعية وتوسعها في المجتمع الواحد.

وهكذا كثرت البرامج وتوسع الاهتمام بظاهرة الاستعباد والفقر وما يسببه ذلك من تأثير في المجال الاقتصادي والاجتماعي في أغلب مجتمعات الدنيا، وعلى مستوى العلاقات الدولية، ومن ثم كثرت البحوث والدراسات والتجارب حوله، ولعل من أميزها وأقربها للاقتداء والإتساء بالنسبة لنا هي  التجربة الماليزية  لمكافحة الفقر وذلك كذلك لما حققته من نجاح على مستوى العالم الإسلامي والذي يعيش أكثر من 37 في المئة من سكانه تحت خط الفقر، فقد استطاعت ماليزيا خلال ثلاثة عقود "1970 - 2000" تخفيض معدل الفقر من 52,4 في المئة إلى 5,5 في المئة؛ وهو ما يعني أن عدد الأسر الفقيرة تناقص بنهاية عقد التسعينات إلى أكثر من ثلاثة أضعاف عما كان عليه الحال في عقد السبعينات .

واللافت للانتباه والداعي للإعجاب  في تجربة ماليزيا أن الحكومة فيها وجهت برامج تقليل الفقر التي تم تنفيذها لتقوية الوحدة الوطنية بين الأعراق المختلفة المكونة الشعبية، واستخدمت تلك البرامج كوسيلة سلمية لاقتسام ثمار النمو الاقتصادي، إذ كان التفاوت الكبير في الدخول، وعدم العدالة في توزيع الثروة سببا في وقوع الاشتباكات الدامية بين الملاويين الذين يشكلون الغالبية 55 في المئة، والصينيين الذين يشكلون الأقلية 25 في المئة، وبذلك ساهمت جهود تقليل الفقر بجدارة في تقليل التوترات العرقية وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي صار عنوانا لماليزيا في العالم؟ .

ولعل سر النجاح ومصدر الإعجاب في تطبيق التجربة الماليزية أنها انطلقت وتبنت أفضل السبل والمناهج لحل مشكلة الفقر وآثار الاسترقاق، إذ قامت التجربة الماليزية على: فكرة أن "النمو الاقتصادي يقود إلى المساواة في الدخل"، وعليه فإن مكاسب التطور الاقتصادي يجب أن تنعكس إيجابيا على المواطنين في تحسين نوعية حياتهم بما يشمل توفير الضروريات من الغذاء والعلاج والتعليم والأمن، وأن يكون أول المستفيدين من ذلك النمو الاقتصادي هم الفقراء والعاطلون عن العمل والمرضى والمجموعات الفئوية والعرقية الأكثر فقرا في المجتمع والأقاليم الأشد تخلفا والأقل نموا في البلاد .

والثابت علمياً أنه حين تجسد فلسفة التنمية في السياسات الاقتصادية التي  تضعها المجالس المختصة المحلية والخبراء الوطنيين والحكومة ولمدة محددة تحدد فيها،  الأهداف المحلية والاستراتجيات المركزية مثل:

أولا: تقليل الفقر، والثاني إعادة هيكلة المجتمع، وتترجم هذه الأهداف والسياسات في استراتيجيات علمية وعملية معينة لتقليل الفقر، مثل زيادة امتلاك الضحايا والفقراء للأراضي ورأس المال المادي ورفع مستويات تدريب العمالة وزيادة الرفاهية العامة، ويتم التركيز على تحسين الزيادة النوعية والكمية في عوامل الإنتاج المتاحة للضحايا والفقراء، ويكون التركيز والعناية بالخصوص على  المجموعات السكانية من الفقراء في الريف أولاً والحضر ثانياً والتركيز على تلك الأشد فقرا.

ثانياً: اعتماد استراتيجيات علمية وعملية بعيدة عن الإيديولوجيات والديماغوجيات والسياسات الخرقاء لتوزيع المنافع والدخول في كل السياسات والخطط التنموية المشار إليها، ويكون هدفها المرحلي والاستراتجي مكافحة الفقر المدقع وإعادة هيكلة المجتمع والعمالة فيه وزيادة تنمية الأعمال التجارية والصناعية للغالبية الفقيرة من السكان في الريف أولاً والحضر ثانياً،الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى نتائج الإستراتجية كانخفاض معدلات الفقر وتناقص فوارق الدخول بين المجموعات السكانية  من مختلف الفئات والطبقات ؟!

ثالثا: اعتماد سياسة وطنية ضريبية اجتماعيا يستفيد منها الفقراء، بحيث تكون الضريبة ذات نمط تصاعدي في ضريبة الدخل، بحيث يبلغ الحد الأدنى من الدخل الخاضع للضريبة قدرا يراعى متوسط الدخل في الشهر، وتؤخذ الضريبة بعد خصم مستحقات التأمين الصحي، ونسبة عدد الأطفال، ونفقات التعليم . ثالثا: تأسيس وإطلاق وتبني الدولة لمؤسسة لجمع وتدبير الزكاة وفي مؤسسة وطنية تتبع لرئاسة الجمهورية، وذلك لتوفير الموارد والتمويل اللازم للمشاريع الصالحة والنافعة الخادمة للضحايا والفقراء، والزكاة في هذه الحالة ستوفر لتلك المشاريع أكثر من 150 مليار أوقية سنوياً لا تنقص وقابلة للزيادة، وللدولة أن تشجع المزكين بحوافز عديدة منها  على سبيل المثال أن الزكاة واجب شرعي وحق للفقراء ومن مسؤوليات الحاكم جباتها، وكذلك للدولة أن تخفيض الضرائب بنسب معينة تحددها هي ؟

رابعا: تبني واعتماد البرامج التنمية للأسر الأشد فقرا في الريف والحضر، وذلك بإيجاد الفرص الجديدة والجيدة للعمل والجديدة والمجدية في للضحايا والفقراء في القضاء على الفقر، وليست طبعاً وظائف لقادة النضال أوحوانيت الأمل أو بيع الماء أو عربات ثلاث عجلات!!؟ ..

خامسا: توفير الخدمات المجدية الموجهة للمناطق الفقيرة ذات الأولوية في الإستراتجية بهدف تحسين نوعية الحياة، وإنشاء المساكن للفقراء وابتكار وتطوير المساكن القائمة في الريف وتحسين بنائها وظروف السكن فيها وذلك بتوفير خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وبرنامج تؤسس وتوفير مؤسسات مالية للقرض والادخار لتقديم القروض للسكان من دون فوائد وبفترات سماح تصل على الأقل إلى أربع سنوات، ويمكن للضحايا والفقراء أن يستثمروا بعضا من تلك القروض في المشاركة في المؤسسات الاستثمارية .

خامسا: تشجيع وإنشاء وإيجاد المنظمات الأهلية الوطنية التي تعمل من أجل تقليل الفقر المدقع عن طريق زيادة دخول الأسر الأشد فقرا، وتقديم قروض من دون فوائد للفقراء، وتقديم الدعم الحكومي لها لتمويل المشروعات للفقراء في المجالات الزراعة والحرفية والأعمال الصغيرة، وحتى المشاريع الكبيرة، وتقديم الإعانات المالية للفقراء أفرادا وأسرا كالرواتب الشهرية للمعاقين والعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة .

خامساً: تقديم القروض من دون فوائد لشراء المساكن القليلة الكلفة للفقراء في المناطق الحضرية، توفير مرافق البنية الأساسية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق النائية الفقيرة، وبما في ذلك مرافق النقل والاتصالات السلكية واللاسلكية والمدارس والخدمات الصحية والكهرباء، وتوسيع قاعدة الخدمات الأساسية في المناطق السكنية الفقيرة بالحضر وذلك بتوفير ودعم الأدوية التي يستهلكها الفقراء والأدوية المنقذة للحياة، وإتاحة الفرصة للقطاع الأهلي والإنساني الخاص لفتح المراكز الصحية والعيادات الخاصة وتشجيع وجودها في الريف والمناطق النائية، لتقدم أفضل الخدمات المجانية والرعاية الصحية للحوامل والأطفال، وابتكار مختلف الخدمات والأنشطة التي يستفيد منها أغلب السكان الفقراء من مثل المدارس والمراكز والمعاهد التي تسهم في دعم قاعدة خدمات التعليم وتشجيع التلاميذ الفقراء على البقاء في الدراسة.

والمؤشرات الواقعية والإحصاءات العملية كلها تقول أن 94% من الضحايا والفقراء  يتاح لأطفالهم تعليم مجاني تنشأ له الدولة والمنظمات الخيرية الداخلية والاعاشات طيلة مراحل الدراسة وأن نسبة 80%، لا يحصلون على خدمات الكهرباءو90%، لا يحصلون على المياه الصالحة للشرب، وهذه النسب جميعها تشير إلى فشل السياسات والبرامج التي تزعم الدولة ومن ورائها تجار القضية والمبادئ من المرتزقة السياسيين والانتهازيين من دعاة تحرير الأرقاء ومكافحة آثار الاسترقاق ومظاهر التخلف والفقر والتي يزعمون أنها قد بذلت لصالح الضحايا الفقراء !!؟

سادساً: إنشاء شبكة عمل من المؤسسات والمنظمات العاملة في كافة مناطق الوطن المهتمة بالقضايا التنموية والإنسانية ومكافحة الفقر وربطها مع الوكالات الحكومية المعنية بالتنمية والتطوير الريفي؛ وتنسيق الجهود وفتح المجال أمام أهالي كل قرية للتعلم من تجارب الآخرين وتطوير قدراتهم ومهاراتهم إلى جانب تقوية شعورهم بأهمية العمل الجماعي في مواجهة مشكلة بقايا الاسترقاق ومخلفاته وقضايا الفقر المنتشرة في أكثر من ثلثي السكان، و التركيز على التحول إلى الأنشطة الزراعية والتجارية التي تلبي حاجة الأسواق المحلية من خلال إدخال تقنية إنتاجية جديدة للخضروات والفواكه وزيادة إنتاجية المشروعات الزراعية التقليدية والمنشآت التجارية، لتشجيع المزارعين على المشاركة في أنشطة الاتحادات الزراعية في كل منطقة من أجل حشد الموارد المحلية، وتعبئتها لخدمة سكان المنطقة، وتهيئة إطار تنظيمي وتعاوني بين المنمين والمزارعين يهتم بقضاياهم في المنطقة، وإقامة حلقة عمل لمجموعة الأسر الأشد فقرا ليتم فيها مناقشة البرنامج واختيار الأسرة التي تبدي رغبة في الاستفادة من البرنامج وإتباع الخطوات المرسومة علمياً وعالمياً لتنفيذ ذلك.

حين تنجز تلكم القضايا وتقام تلك المشاريع الحقوقية المعيشية والتعليمية والإسكانية والصحية والتشغيلية لضحايا الاسترقاق وفقراء الفساد عندها يمكن أن نتحدث عن إنجازات في الحقوق والمواطنة وعن النضال وإنجازاته وعن الدولة والمواطنة والديمقراطية والتنمية، وقبل تحقيق كل ذلك تبقى المهددات الوطنية والمهلكات الشعبية هي سيدة الموقف وأبرز الانجازات العملية للدولة والسياسيين المتاجرين بالحقوق والنضال، وتبقى كذلك مآسي الشعب كله الناتجة عن البغي والظلم و بقيا الاستعباد ومخلفاته والفقر ومآسيه هي التحدي الأكبر والمهدد الأخطر والأغلال والقيود التي لا فكاك من تحطيمها وتكسيرها إن أردنا السلم والأمن والاستقرار والبقاء لنا ولشعبنا ووطننا ؟!

6. مايو 2016 - 0:39

كتاب موريتانيا

ذات صلة