النخيل.. لماذا لا يكون هو المستخدم في حماية المدن؟ / محمدو ولد البخاري عابدين

خلال نقل فعاليات وصور الزيارة الرئاسية الأخيرة لمدينة امبيكت لحواش، شدت انتباهي صورة لنخلة صغيرة على تلك الرمال وهي باسقة وثمار البلح تتدلى منها، " معبرة " بالخضرة النضرة لسعفها والثمار الدانية منها عن تمتعها بكافة الظروف المناسبة للنمو والإثمار، وصورة أخرى لشيخ مزارع يسند 

ظهره إلى جذع نخلة أخرى أكبر سنا، وذلك في تلك الفيافي التي ظلت قفارا إلى وقت قريب، فطرحت هذا السؤال: لماذا لا تكون أشجار النخيل هي المستخدمة في حماية المدن؟
ليست الحماية فقط، فكل الأهداف والمزايا التي ننشدها من وراء تشجير المدن، سواء في محيطها لحمايتها من زحف الرمال وتلطيف أجوائها، أو في تزيين شوارعها وساحاتها يمكننا تحقيقها بالاستخدام المكثف للنخيل، وذلك نظرا لتكيفه وكثافة نموه وجماله، وتفوقه على الكثير من أنواع الأشجار الأخرى التي لا عائد من وراء زراعتها سوى دورها الحمائي أو الجمالي، بعكس النخيل الذي، علاوة على تحقيقيه لنفس الهدفين، فإنه يتعدى ذلك بتوفير فاكهة التمر الذي عرفناه عندما كنا بدوا رحلا، فاعتقدنا أن الفواكه الأخرى التي عرفناها بعد التحضر تتفوق عليه في قيمتها، بينما الثابت أن كل العناصر الغذائية المفيدة التي تمدنا بها تلك الفواكه من فيتامينات ومعادن وسكريات وألياف، توجد في التمر الذي لا ينقصه أن يكون غذاء متكاملا سوى إضافة الحليب إليه، ونجد أنه رغم قساوة الظروف في أوساط الواحاتيين، فإن ما يدخرونه من تمور للاستهلاك اليومي يمثل لهم غذاء ووقاية من كثير من الأمراض، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ( يا عائشة بيت ليس فيه تمر جياع أهله ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
ذكرنا ما توفره أشجار النخيل من حماية وزينة، وما توفره ثمارها من وقاية وغذاء، لكن ذلك ليس كل شيء.. فبزراعة النخيل على نطاق واسع، فإن صفوفه تشكل حماية لبعضها البعض من عصف الرياح الحارة والمحملة بالأتربة، وتساعد تلك الصفوف في خلق مناخ ملائم (un microclimat  ) تحت النخيل لزراعة الكثير من أنواع الخضروات والمحاصيل التي لا تتحمل حرارة الصيف.
لقد وزعت القدرة الإلهية الأشجار والنباتات على مناطق الكرة الأرضية حسب درجات الحرارة والرطوبة وطبيعة التربة وعدد ساعات الضوء اليومية، فهناك نباتات المناطق الصحراوية، ونباتات المناطق الرطبة، ونباتات السواحل والسباخ، ونباتات المناطق الجبلية، ونباتات مناطق السفانا.. وهكذا كل مجموعة من هذه المجاميع النباتية استوطنت منطقة من هذه المناطق، لا اختياريا، وإنما لتوافر الظروف الملائمة لنموها وإثمارها وبقائها.. فعندما نأخذ نحن اليوم أحد نباتاتنا الصحراوية كالطلح أو " إيكنين " مثلا ونزرعها في سيبيريا أو على سواحل البحر المتوسط فإنها لن تنمو هناك بشكل طبيعي وبالأحرى لن تثمر، ونستنتج من ذلك أن أشجار تلك المناطق بدورها لن تنمو بشكل طبيعي في مناخنا ولن تثمر.. أقول ذلك لأنني رأيت ، ضمن نفس الصور في " امبيكت لحواش " صورا لأشجار فاكهة مناطق رطبة كالمانكو وغيره ستتم زراعتها هناك، وأشك كثيرا أنها ستنجح أو تكون لها مردودية في الصحراء، علما بأن الكثير من أنواع النباتات تمتلك مجالا واسعا من صفات التكيف تجعلها تنموا وتتكاثر في نطاقات مناخية ليست هي بيئتها أو مواطنها الأصلية، لكن القليل جدا من أنواع الأشجار المثمرة تمتلك تلك الصفات..


فلا يمكننا التدخل للطبيعة في أنظمتها وقوانينها إلا بشكل محدود، ولكننا لدينا مجال الاختيار، فعندنا المناطق الرطبة وشبه الاستوائية جنوبا على ضفة النهر يمكننا أن نزرع فيها ما نشاء من فواكه استوائية كالمانجو والموز والجوافة والجوز والباباظ.. أو فواكه أخرى تصلح هناك كالخوخ والمشمش والتين والرمان وبعض أنواع الحمضيات، لتشكل تلك المناطق قطبا تنمويا انطلاقا من خصائصها المناخية، مبتعدين عن هدر الموارد في زراعة فواكه يتطلب نمو براعمها واستعدادها للإزهار فترات صقيع لا تتوفر في مناخنا كالكمثرى والتفاح مثلا. أما الصحراء التي هي جل مساحة أراضينا فإن سيدة أشجار فاكهتها هي النخيل.
وتختلف مدننا ذات المناخ الصحراوي من حيث موقعها، فمنها المدن الواقعة في مناطق كثبان رملية كما هو حال مدينة " امبيكت لحواش " وهذه الرمال باستصلاحها واتباع نظم ري مناسب بها يمكن استغلالها لزراعة النخيل لنحقق كل الأهداف دفعة واحدة، نحمي هذه المدن ومنشآتها ونلطف أجواءها، ونزيد الإنتاج الوطني من التمور، ونوفر مساحات تحت النخيل مناسبة لزراعة الخضروات صيفا.
وهناك مدن أخرى تقع على سهول ينعدم فيها الغطاء النباتي وهي معرضة لزحف الرمال كما هو الحال في مدينتي الشامي وبنشاب الجديدتين، وفي مدينة الشامي تم وضع برنامج للحماية من الرياح وزحف الرمال باستخدام أشجار " البروزوبيس " لكنه تعثر بسبب الظروف المناخية الصعبة في هذه المنطقة، وطبيعة تربتها المتصفة بوجود الطبقات الصماء ( les couches  endocrine ) التي تتطلب حرثا عميقا للتربة لتكسير تلك الطبقات كي تتمكن جذور الأشجار من اختراقها، وهو ما لا أعتقد أن القيمين على ذلك الحزام انتبهوا له.
إن الثقافة الشائعة عندنا بأنه لا تمكن زراعة النخيل إلا في الأودية و" البطاح " هي مجرد فكرة مبنية على قلة الوسائل والاكتفاء بالقليل خلال العقود الماضية، أما الحقيقة فهي أنه أينما توفر الماء والتربة العميقة جيدة الصرف والظروف المناخية المتصفة بالحرارة المرتفعة والرطوبة الجوية المنخفضة تمكن زراعة النخيل بهدف الإنتاج، وتعتبر اليوم دولة الإمارات العربية المتحدة أكبر دولة رائدة في التوسع في زراعة النخيل كما تصنفها موسوعة " جينيس " ومنظمة " الفاو "، حيث توجد بها اليوم 40.7 مليون نخلة، بعد وضع برنامج لبلوغ ذلك الهدف قبل سنوات من طرف الراحل الشيخ زايد بن سلطان، حرصا منه على أصالة الدولة وانطلاقها في كل جوانب نهضتها من تلك الأصالة.. وقد وضع ذلك البرنامج وتحقق هذا الهدف لتوفر الموارد المالية طبعا، لكن أحيانا تكون الموارد متوفرة لكن تنقصها الرؤية الثاقبة والأفكار الخلاقة، وللأسف فإن الكثير من مسؤولينا جامدون.. يعيشون يومهم ولا يفكرون فيما هو أبعد من ذلك، لا تجدهم يبادرون أو يبتكرون!
يتردد اليوم أن رئيس الجمهورية يعتزم القيام بزيارة لدولة الإمارات، وكما زارها سابقا وحرص على الوقوف على تجربتها في تقنية تحسين سلالات الإبل وأنشأ مركزا وطنيا في هذا المجال، وحرص كذلك على الوقوف على منشآتها المتطورة في مجال الطاقة الشمسية واستفادت البلاد من تلك التقنيات في صورة محطات شمسية، فإنه يمكنه خلال هذه الزيارة الوقوف على تجربة هذا البلد التي مكنته من زراعة هذا العدد الضخم من أشجار النخيل، حتى تعدى الإنتاج من التمور تغطية الاستهلاك المحلي والتصدير والعون الغذائي الخارجي، إلى استخدام التمور كالأعلاف..! فلا شيء مستحيلا أمام قوة الإرادة والتصميم.
بالطبع، بلدنا هو أحد البلدان المعروفة بزراعة النخيل وإنتاج التمور، وقد يقول قائل أن لا حاجة بنا ل " تزويد الجبال بالحجارة " واستيراد التجارب من البلدان الأخرى في هذا المجال، لكن الأمر ليس كذلك، إذ لا زلنا نتبع الطرق التقليدية في زراعة النخيل بينما أصبحت هناك تقنيات متطورة في هذا المجال، فإكثار النخيل بواسطة تقنية زراعة الأنسجة ( tissue culture ) مكنت من كسب الوقت والحصول على آلاف، بل ملايين فسائل النخيل ( تنقل ) الجاهزة للزراعة دفعة واحدة، والحصول على نخيل متجانس وخال من الأمراض بدل الزراعة بالفسائل التقليدية، وكذلك استغلال موارد الطاقة الشمسية و تقنية الري بالتنقيط المناسبة لمناطقنا شحيحة المياه، و ومكافحة الآفات وتقنيات التسميد لتخصيب التربة الفقيرة في العناصر الغذائية، واستخدام أصناف جديدة من التمور قابلة للحفظ والتعليب والتصدير كلها تقنيات نحن بحاجة لإدخالها، بنفس حاجتنا لإدخال تقنيات تحسين مردودية الثروة الحيوانية التي نحن كذلك من البلدان الغنية بها، ومع ذلك ظهر أن لا مجال لتعظيم مردوديتها دون عصرنة طرق تربيتها. وإذا توفر الماء فإن منطقة " آمساكة " وأودية آدرار وتكانت، وسهول إينشيري وتيرس زمور كلها مناطق مثالية للتوسع في زراعة النخيل بالطرق والتقنيات الحديثة بهدف الإنتاج ومكافحة التصحر في آن واحد.
وسينجح هذا العمل أكثر إذا ما أسند تنفيذه لبرنامج خاص متحرر من روتين وزارة الزراعة ومهامها المتشعبة، برنامج يكون له طاقمه المؤهل والطموح ووسائله الكافية وخططه الواضحة الراسمة لأهداف وآفاق محددة، مع أهمية تشجيع وفتح المجال أمام الاستثمار المحلى والأجنبي. وأذكر أنه قبل سنتين من الآن ناقش مجلس الوزراء في أحد اجتماعاته ضرورة العناية بالنخيل وعصرنة طرق زراعته والرفع من انتاجيته، وأعطي رئيس الجمهورية تعليماته بهذا الخصوص، وسمعت وزير الزراعة حينها يتحدث في ولاية آدرار عن برنامج لإدخال تقنية الزراعة بالأنسجة للتوسع في زراعة النخيل وتحسين أصنافه، لكننا لم نسمع حديثا في هذا الموضوع بعد ذلك، فأين ذلك البرنامج وإلى أين وصل؟
 

19. مايو 2016 - 8:41

كتاب موريتانيا

ذات صلة