الحوار السياسي المنشود .. وما ينتظر منه المواطن الموريتاني العادي / محمد يسلم يرب ابيهات

في الحياة السياسية لأي بلد، يعتبر الحوار ضرورة لا غني عنها، ومن تحدثه نفسه بطريقة أخري، غير الحوار، للتوصل إلي حلول، لكل ما يستجد من مشاكل وأزمات سياسية ،فهو واهم بالتأكيد. هذه بديهية سياسية، من المفيد التذكير بها، لما نسمعه من هنا وهناك، عن أقطاب سياسيين، وأحزاب تدعي العراقة 

في ممارسة السياسة، ومع ذلك ترفض الحوار، وتعتزم، مع شبه تعمد وإصرار مسبق، عدم الذهاب إليه، تحت ذرائع ومسوغات شتي، متجاهلة للأسف الشديد، هذه البديهة الأولي للممارسة السياسية ، وضاربة عرض الحائط،  للأسف الشديد كذلك، بمصالح الشعب والوطن. 
ثم لا تكتفي بإعلان مقاطعتها ''المبدئية'' لأي حوار، مهما كان نوعه، ومهما أعطيت من ضمانات، وطمأنة، لا تكتفي بهذا وحسب، بل تتجاوز كل الحدود، في وقاحة سياسية منقطعة النظير، حين تدعي ''أن الشعب الموريتاني يرفض الحوار مع النظام الحالي'' ، وهي تمنح بذلك لنفسها حق الحديث باسم الشعب الموريتاني ككل ...
ولا بأس من التذكير هنا أن أزمة المعارضة الموريتانية الكبرى هي أزمة مصداقية، وفعالية، وجدوائية، أزمة أسلوب ومناهج فاشلة، وخطط ومواقف محبطة، وقرارات عمياء، أزمة مسلكيات يومية وتعامل مع الأنظمة والشعب، غير موفق ولا سديد... فهي إذا أزمة ذات، وأزمة كيان وصيرورة...، هي أزمة المعارضة مع نفسها، لا مع النظام الحالي، ولا مع الذي قبله.. ولا الذي يأتي بعده...
يتجلي ذلك في مشوار حافل من العمى السياسي، هو عبارة عن تخبط وتلكؤ، وعجز عن التكييف الصحيح للأوضاع، وقصور قاتل في القراءة المتبصرة للمشهد السياسي، وفشل واضح في التعامل بفعالية مع المستجدات السياسية في البلد...، فما بالك علي المستوي الإقليمي والدولي... ناهيك عن استشراف المستقبل والتخطيط السياسي المحكم له...
فمنذ التبشير بــ ''حركة التصحيح''، ثم النكوص بعد ذلك بقليل، والنفي التام للموقف، مرورا بالمعارضة ''الناصحة'' حينا و'' الناطحة'' أحيانا، وصولا إلي حرف ''الباء'' التي تطير...!!!، بعد الفشل الذريع في انتخابات 2009،  ومرورا بمرض الرئيس و ''اليمين'' علي مستقبله ووضعيته الصحية، وانتهاء بالتشكيك والرفض ''المبيت'' لنتائج انتخابات 2014 ، ومرورا كذلك بكذبة ''الحرب بالوكالة''، خلال الأزمة ''المالية'' والحرب التي عقبتها... ومرورا كذلك بإثارة جميع أنواع ''الشبه'' و''التضليل'' والمحاولات بأسلوب ''الكادحين'' البائس، والذي عفا عليه الزمن، بغرض تبخيس المشروع الوطني العملاق لبطاقات الهوية البيومترية الراقية، ومحاولة تأليب مكون وطني ''معين'' علي هذا المشروع التاريخي، عبر إيهامه أنه مستهدف بالإقصاء...، ومرورا بالمراهنة علي ''الرحيل''... ومحاولة زرع البلبلة والقلاقل، بالنزول المتكرر والغير موفق ''للشارع'' ، ومرورا كذلك، بالترويج للحديث عن ''صفقة مشبوهة'' بين النظام و''خصوصيين'' والزعم أن المطار الدولي ''أم التونسي'' لن يري النور، و''التهكم'' علي تصدير موريتانيا للكهرباء إلي دولة السنغال المجاورة، وأخيرا، ''المراهنة'' علي ''معارضة'' رجل أعمال هاجر إلي المغرب، بعد استياءه من محاربة الفساد، وقد كان أحد سدنة النظام البائد؛ وصولا، في النهاية، إلي درك ''التشرذم'' بعد كل محاولات التنسيق للعمل السياسي المشترك بين أعضاء ما يسمي، بـ ''منتدى المعارضة الديمقراطية''...
إنه، وبجلاء، ووضوح ما بعده وضوح، مشوار تهافت مستمر، وعطاء سياسي هزيل... مشوار من السقوط المستمر إلي أسفل درك من الممارسة السياسية، لم يبق لممارسيه، إلا الهروب إلي الأمام، والمراهنة علي شعبية وهمية، أثبتت كل محاولات الحشد والنزول إلي الشارع أنها أوهام، وخيالات وضياع، ثم لم يبق للمتشبثين بهذا النهج كذلك، إلا الحقد والكراهية والضغينة، عبر ''الشخصنة'' السخيفة، الناتجة عن عقلية مأفونة؛ ''شخصنة'' الصراع السياسي مع نظام بأكمله، وتحويله إلي صراع بغيض مع شخص الرئيس نفسه... إنه السقوط السياسي في المواقف، والتصورات، والسلوك...
فأين هي مصلحة الشعب الموريتاني في هذا كله؟ والله إنها لمعدومة، ومضيعة، وغير منشودة أصلا، من طرف معارضة لا تتقن إلا التكالب علي السلطة... والحلم بالوصول إلي كرسي الرئاسة...
لكن علي المعارضة أن تتذكر، كما علي النظام أيضا أن يستحضر دائما، أن الشعب الموريتاني وحده هو الذي يمنح ثقته لشخص ينتخبه، عبر صناديق الاقتراع، أي بتصويت اختياري، حر وعادل، شفاف ونزيه، وهذه الصناديق هي وحدها الحكم والفيصل.
هذا، باختصار كبير عن أهمية الحوار وضرورته، مع التذكير أن كل المراحل السياسية التي مرت بها بلادنا منذ 2005، شهدت حوارات ونقاشات ساخنة، ومفاوضات شاقة، كتلك التي أجريت في ''داكار" ، والتي أعقبتها انتخابات، أشرفت عليها لجنة مستقلة، بل وأسفرت التفاهمات يومها، عن إسناد جميع الحقائب الوزارية الحساسة إلي المعارضة ''المتشددة'' اليوم، والتي خسرت تلك الانتخابات، ومثيلتها بعدها أيضا، مع شهادة الجميع بالمستوي المقبول من الشفافية خلال الاقتراعين لـ(2009 و 2014)...
أما عن طبيعة الحوار، فيجب بالتأكيد أن يكون علي مستوي عال من الجدية، وحسن النية، والاستعداد المبدئي للتفاهم، والأخذ والعطاء، والتنازل من جانب كل طرف. فهذا بالتأكيد موضوع يهم أول ما يهم المواطن الموريتاني العادي، الذي يتوق إلي أن يري حوارا سياسيا مسؤولا، جادا، صريحا، وحازما، يطبعه مستوي عال من روح الانفتاح والتسامح، ويتسم بروح عالية من الوطنية اليقظة، التي تضع المصالح العليا للوطن فوق الاعتبارات السياسية، وفوق الحسابات الحزبية الضيقة. فالنزول إلي ميدان الحوار بأفكار مسبقة عن رأس النظام، والإصرار علي ربط كل شيء بشخص الرئيس الحالي، هو خطأ فادح، مجاف للصواب، فالرئيس وإن كان دوره أساسيا في أي نظام رئاسي، إلا أنه ليس كل شيء. فالدولة، والحكومة، ومؤسسات الدولة، والدستور، والقوانين، والهيئات الشرعية، والقضاء، والمجلس الدستوري، والمجلس الإسلامي الأعلى، والأحزاب السياسية، والنقابات، وهيئات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية؛ كل هذه المنظومة، ومهما كان انتقادنا لمستوي فاعليتها، وحسن أدائها، واستقلاليتها، إلا أنها موجودة، ولا يمكن نكران الدور الذي يمكن أن تلعب... 
بل تجدر الإشارة إلي أن المستوي العالي من التعددية، الذي ننعم به الآن، وكثرة الخيارات المتاحة في شتي المجالات، مع حرية إعلامية يشهد بها القاصي والداني، وانعدام وجود سجناء رأي وراء القضبان، وعدم مضايقة الأحزاب المعارضة في أنشطتها، وحرية التجمع والتعبير، كل هذه العوامل مهمة، وهي بالفعل عوامل مساعدة علي خلق أجواء مناسبة لحوار سياسي جاد وحازم، متى صدقت الإرادة، وحسنت النيات...
فمتى حصلت النية الصادقة، وكان الاستعداد فعليا لدي جميع الأطراف، للمضي قدما في حوار سياسي، يساعد في استعادة مستوي مقبول من الثقة والاحترام المتبادل بين النظام الحالي و جميع أطياف المعارضة، وعلي وجه الخصوص ما يسمي بـ ''المنتدى الوطني للديمقراطية'' ؛ كان بالإمكان التوصل إلي نتائج وقرارات تخدم تعزيز السلم، والاستقرار السياسي في بلادنا، عبر التزام الجميع بالتناوب السلمي علي السلطة، عن طريق انتخابات شفافة، حرة، ونزيهة، يعترف الجميع بنتائجها، وتحظي باحترام الخاسرين فيها، قبل الفائزين؛ لأنها كلمة الشعب الموريتاني التي يعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع.
أما عن سقف الحوار المنشود، والذي بدأت مقدماته، وإرهاصاته الأولي، من خلال لقاءات تجري من حين لآخر بين النظام والمعارضة، فإن إعلان الرئيس عن الاستعداد من طرف حكومته وحزب أغلبيته، والأحزاب الداعمة، لنقاش أي مقترح يتم تقديمه، هي بادرة تشكل، بدون أدني شك، فرصة سانحة لكي تشحذ كل الأطراف مقترحاتها، لعرضها، وتبريرها، والدفاع عنها، بأسلوب مقنع، جاد، واقعي، ومنصف. كما أن إعلانه عن عزمه اقتراح الاستغناء عن غرفة مجلس الشيوخ، واستبدالها بمجالس جهوية للتنمية، وعرض كل ذلك علي الشعب الموريتاني، عبر تنظيم استفتاء دستوري قبل نهاية السنة الجارية، هو قرار غاية في الشرعية واحترام النصوص. أما أن نزايد علي هذا التصريح، ونشرع في تفسيره علي أنه إصرار علي التمهيد لمأمورية ثالثة، فذلك لعمري غاية التعسف والشطط، والإصرار علي تحميل خطاب النعمة - التاريخي رغم أنف الشانئين- ما لا يتحمل من الدلالات والإيحاءات. فما علي أحزاب المنتدى إلا أن تكون أكثر تبصرا، وحنكة سياسية، وتشارك مشاركة جادة في الحوار، بطرح ما تراه مناسبا من الاقتراحات، وطلب كل ما تراه مناسبا من الضمانات الواقعية، لكي تتمكن موريتانيا من المرور، بسلاسة، وسلمية تامة، إلي انتخابات شفافة ونزيهة بعد انتهاء المأمورية الحالية لرئيس الجمهورية- والتي أعلن، وبصراحة تقطع الشك باليقين، أنه ليس علي نية تجديدها مباشرة بثالثة، وفقا لما ينص عليه الدستور ؛ وقتها، لن يكون لأي طرف الحق في التشكيك بنتائج الانتخابات، وسيكون الرابح الأول هو الشعب الموريتاني، الذي سيضيف حينها نجاحا سياسيا ودستوريا، إلي ما تم إنجازه من نجاحات مختلفة، في شتي الميادين، في البنية التحتية للبلد، ومحاربة الفساد، علي وجه الخصوص.
ويقودنا كل هذا إلي القول أن سقف الحوار، وإن كان غير محدد، إلا أنه لا يخفي أهمية التأكيد علي أن مواضيع من قبيل ترتيبات الاستفتاء الدستوري المزمع تنظيمه، والتنقيح الضروري لللائحة الوطنية للناخبين، وإعادة تشكيل اللجنة الوطنية المستقلة للإشراف علي الانتخابات، والاستعداد الكامل، ماديا وبشريا ولوجستيا، للاستحقاقات القادمة، خصوصا الانتخابات الرئاسية، والدعم المؤسسي للأحزاب السياسية؛ كل هذه القضايا، لا يمكن إلا أن تكون من صميم المواضيع التي يلزم التطرق إليها خلال الحوار السياسي المنشود، وهي مواضيع تحظي باهتمام المواطن الموريتاني العادي وتمس في الصميم واقع ومستقبل الحياة السياسية لبلده. ومع كل ذلك، يبقي الانجاز الأكبر الذي يمكن أن تقدمه المعارضة، والموالاة، علي حد السواء، هو توطيد وتعزيز الاستقرار، والسلم، والأمن.
علي الحوار إذا أن يتم، وفي أسرع وقت ممكن، حتى يتمكن المواطن الموريتاني العادي من الحفاظ علي خط ونهج المكتسبات والانجازات العملاقة، التي أولها الأمن وتخصين بلادنا من مخاطر الإرهاب، ببناء جيش قوي ذي جاهزية عالية، والنمو، والتشييد، والعمران، ومحاربة الفساد، وترشيد موارد الدولة، والعناية بالفقراء والمساكين، واستعادة هيبة الدولة، وتبوئها مكانتها الدبلوماسية الدولية، والإفريقية، والعربية... وهي مكتسبات يتعين، بالتأكيد، علي الرئيس المقبل لموريتانيا، مهما كان انتماؤه السياسي، أن يحافظ عليها ويصونها. وهي بالتأكيد ما يأمل المواطن الموريتاني تعزيزه من خلال هذا الحوار، وما سيسفر عنه.

21. يونيو 2016 - 12:55

كتاب موريتانيا

ذات صلة