إلى الجزيرة.. حتى تكتمل الفرحة / أحمدو ولد الوديعة

 أحمدو ولد الوديعةعندما يكتب تاريخ الأمة خلال القرن القادم لن يجد كتابه صعوبة كبيرة في الجزم أن قناة الجزيرة كانت علامة فارقة في تاريخ الأمة، وسببا رئيسا فى خروجها من حال الذل والهوان الذى تردت فيه على مدى  قرون، فقد استطاعت هذه القناة التي تضم بين جنباتها خيرة من أبناء هذه الأمة أن تسهم بشكل مهني وفعال في مواجهة  معضلات الاحتلال والاستبداد، وهي تستحق لذلك أن تكون محل

إشادة دائمة خاصة في هذا الوقت الحرج الذى تقوم فيه القناة بعمل رائع فى تونس ومصر وفلسطين وتواجه من أجل ذلك الكثير من السهام ومحاولات التشويه والتشويش.

على مدى السنوات العشر الماضية لعبت القناة دورا أساسيا في تعريف الأمة بقضيتها المركزية قضية فلسطين، ومكنت قوى المقاومة في العراق وفلطسين وأفغانستان من إيصال صوتها إلى الأمة، ووصول صوت الأمة إليها  داعما ومتفاعلا فكانت القناة بذلك  مساهما رئيسا في انتصارات المقاومين في كل الأوطان الإسلامية التي تعرضت للغزو خلال العشرية الماضية، ودفعت القناة لأجل ذلك ثمنا غاليا من دماء مراسليها وحرياتهم، لكن ذلك  لم يزدها إلا تمسكا بخطها التحريري الذى يجمع ببراعة بين فضيلتي المهنية والالتزام بقضايا الأمة الأساسية.  

وفي غمرة التركيز على القضايا المركزية  كان نصيب القضايا الداخلية وما تعانيه الأمة من كبت ونهب  لثرواتها على يد العائلات" الطرابلسية" قليلا ومحدودا ،وكانت تلك  إحدى النقاط التي يأخذها البعض على القناة،وكنت من هؤلاء لكني كنت أسر الأمر في نفسي تقديرا للدور الرائع الذى تقوم به القناة في مواكبة ما يجرى فى العراق وفلسطين وأفغانستان،وفضح " الكرزيات والعباسات، والشلبات" فيها.

أما اليوم وقد بدأت القناة تركز أكثر على هذه القضايا فاعتقد أنها في طريقها لتسجل سطرا جديدا فى سفر المجد، كتبت أحرفه الأولى  في تونس الحرة المحررة، وهاهي أسطره الثانية تكتبت في مصر الكنانة وفلسطين المباركة، مواكبة لثورة المصريين وفضحا لعمالة فريق سلطة حكم الذات

لقد كانت الجزيرة بحق الفاعل الرئيس في ثورة تونس المباركة فقد منعت مواكبتها الرائعة للثورة التي فجرها البوعزيزي النظام التونسي من التغطية على الاحتجاجات كما فعل قبل سنوات مع ثورة الحوض المنجمي، فقد سمحت تغطية الجزيرة المبكرة والحثيثة لثورة البوعزيزي باتساع رقعة الاحتجاج و كانت بذلك تقنع يوما بعد يوم أفواجا جديدة من الشعب التونسي بضرورة تأكيد إرادتهم للحياة لكي يستحقوها، إلى أن " فهم الجنرال بن على متأخرا غضبة الشغب وفر تائها يبحث عن مأوى في مالطا وباريس وروما قبل أن يستقر به المقام فى بلاد لم تكن أحب البلاد إليه.

وما تزال الجزيرة تواكب هذه الثورة المباركة، وتمكن مقاومي سرقة الثورة من توصيل رسالتهم كما هي ، والاستمرار دون خوف أو ملل فى الصدع برفضهم بقاء رجال " الرئيس الفار"

إن تأثير الإعلام كله في الثورة التونسية كان أمرا محل اتفاق بين جميع متابعي الثورة التونسية، ولاشك أن الجزيرة والفيسبوك  احتلتا بامتياز الرقم الأول فى مصاف وسائل الإعلام الكثيرة والمتنوعة التى أسهمت هي الأخرى فى إيصال رسالة التونسيين الراغبين فى الحياة إلى جنرالهم العجوز وأركان حكمه المهترئ، والقوى الدولية والإقليمية التى كانت مصالحها متضافرة على بقاء النموذج التونسي نموذجا مشعا في المنطقة ودليلا ساطعا على  صحة النظرية القائلة إنه بمزيج من القبضة الأمنية والطفرة الاقتصادية يمكن الشطب على حرية المجتمعات الإسلامية وهويتها وتحويلها مع الوقت إلى مجتمعات " متحضرة" و" حداثية" بالمعني الإلحاقي للكلمتين لأن المعني الحقيقي للحداثة والتحضر هو ما تنشده الجماهير الثائرة وتسهم الجزيرة باقتدار في نشره والدفاع  في أجيال أمتنا الصاعدة.

ولأن الجزيرة بالنسبة لي ولكثيرين مثلي من مقاومي الاحتلال والاستبداد تعتبر معلما أساسيا على طريق الحرية والتحرير أرى من الواجب أن نسهم معها اليوم فى تثبيت ولوجها الميمون إلى ملفات الوجع التي تنهك جسم الأمة، خاصة أن ردة فعل القوى المنتفعة من الظلم والقمع لن تكون سهلة، وستحاول بكل ما أوتيت أن توقف هذا التوجه أو ان تجعله يتوقف عند حدوده الدنيا، لتؤخر مسار الأمة نحو الفكاك من الاستبداد وإنجاز الاستقلال الثاني ، لذا يبدو من الملح أن تمتلك القناة رؤية واضحة لإنجاز المهمة، وهو ما يتطلب من وجهة نظري المتواضعة

- التركيز على قضايا الفساد باعتبارها القضية الأكثر إيلاما للعائلات الحاكمة، والقضية الأكثر أهمية بالنسبة للشعوب المطحونة التى ترى منذ عشرات السنين ثروات بلدانها تتكدس بأيدي عائلات قليلة تمضي أغلب وقتها خارج الأوطان في حين تكابد الغالبية الساحقة من الشعوب من أجل ضمان  قطعة خبز.

- الاعتماد بشكل أكبر على الإعلام التفاعلي للوصول إلى الحقيقة ذلك أن عددا من المراسلين الميدانيين للقناة لن يكون بمقدورهم - وربما ليس من مصلحة بعضهم -  المساهمة فى إيصال صوت القوى الحية في الأمة الساعية للتغيير، وهنا لابد أن أفتح قوسا لأقول إنه كان من الأمور الأساسية التي مكنت الجزيرة من القيام بدورها كاملا فى مواكبة الثورة التونسية أنه لم يكن  لها مكتب معلوم ومراسلون معلومون، وهو ما أعطاها حرية تحرك أكبر ما كان لها أن تجدها لو كان في تونس مكتب معلوم ومقيد بالمكبلات السياسية والاجتماعية التي تحيط بها الكثير من الأنظمة العربية مكاتب القناة لتحولها من منبر لمن لامنبر له إلى منبر إضافي لمن يحتكر كل المنابر.

- ابتكار برامج تفاعلية على القناة تتيح تواصلا أكثر حيوية مع الجماهير المنتفضة على شكل البرامج التي كانت القناة تقوم بها أيام الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان وإبان الانتفاضة الفلسطينية المباركة والحرب الصهيونية على غزة.

إن المعركة الجارية اليوم بين الشعوب المريدة للحياة والحكام المتشبثين بالبطش والفساد لهي معركة لاتقل نبلا عن تلك المعارك التي خاضها المقاومون ضد الاحتلال ومن واجبنا كإعلاميين أن نسهم  من موقعنا في كسب هذه المعركة لصالح الحرية والديمقراطية واستعادة الكرامة، بل إنه ليس من المبالغة القول إن النضالات الثورية الجارية حاليا ضد أنظمة الفساد والقمع العربية هي في صميم معركة تحرير القدس فالأمة المسترقة من مجموعات من الجبناء لايمكنه أن تحلم بالتحرر، وسنكتشف في وقت غير بعيد كيف ستتغير معادلات الصراع مع المحتل الصهيوني يوم تدار الأمة بحكومات ديمقراطية تستمد شرعيتها من الشعب.

لقناة الجزيرة مكانة كبيرة في قلب كل  المؤمنين بالعدالة والحرية، وهي تستحق لذلك تكريمات مستمرة في أرجاء الوطن الإسلامي لكنها  تستحقق  تقديرا خاصا اليوم وهي  تساعد شعب مصر العظيم في أن يفهم العجوز حسني امبارك أن عليه أن يرحل ويترك أرض الكنانة تستعيد مكانتها.

إن تكريم الجزيرة في ذلك اليوم الذى نرى فيه مبارك يضع يده على صدره ويعلن "افهمتكم " لابد أن يكون تكريما كبيرا ومدويا بحجم الإنجاز المتوقع، يجب أن نحضر لذلك اليوم من الآن رافعين صور الجزيرة، ومتخذين شعارها رمزا للحرية والتحرير، إنه يوم قريب وإن ظنه البعض بعيدا.

جماهير الشعوب أما تراها... لقد ثار الجياع المتعبونا

ودكوا معقل الإجرام دكا... كذلك يفعل المستضعفونا

3. أبريل 2012 - 0:00

كتاب موريتانيا

ذات صلة