في ذكرى الاستقلال الوطني / د.محمد ولد محفوظ

 أُعْلِن قيامُ الجمهورية الإسلامية الموريتانية في هذا "المنكب البرزخي" يوم الثامن والعشرين نوفمبر عام 1960، ولئن كانت الولادة قيصرية لدولة ناشئة تخرج من فجاج الريح بين ألسنة الرمال السمراء وعلى دروب قوافل الملح الصحراوية، دولةٍ تخرج من بين مضارب الأعراب من "بني حرب" 

و"تغلب"، وأكواخ الزنوج المترامية على أطراف هذا الساحل الإفريقي البلقع، ولدت دولة لا كالدول، حيث لا ميناء ولا مطار ولا مدن ولا شوارع ولا مدارس ولا مستشفيات... لكنّها ولدت على أية حال، ولدت ولادة يفترض أنّها تنهي زمن الاستعمار، وتوقف عهد السيبة وتحيي ما دفن من الآمال في صدور ساكنة هذه الصحراء بعهد جديد من الحرية والعدل والإيخاء والبناء.
   في تلك الظروف الاستثنائية القاهرة كان طبيعيا أن يقع الارتجال على نحو ما حصل مع التسمية والعاصمة والنشيد والعلم، وربّما الأخطاء كتجربة الحزب الواحد والدخول باكرا في حرب عبثية مع الأشقاء الصحراويين، ممّا فتح المجال لعهد بائس من الانقلابات العسكرية، ولا عجب في كلّ ذلك، فالناس خارجون لتوّهم من حياة البادية، ولا عهد لهم بالدولة وأساليبها، وهم في معركة البداية يواجهون إكراهات الوجود وتحديات البقاء مرغمون على الاندفاع إلى الأمام مهما كانت الخطوات ليست محسوبة على النحو الذي ينبغي، ولذلك أخفق الكيان الوليد في وضع الأسس الجوهرية لتحقيق دولة المواطنة، وفي التوزيع العادل للثروة، ولم يلعب أي مجهود في مجال تفكيك البنيات الاجتماعية التقليدية العنيدة التي تمثّل خطرا حقيقيا على كيان الدولة المركزي.
   اليوم ونحن على بعد أيّام قليلة من تخليد الذكرى السابعة والخمسين لعيد الاستقلال الوطني، يحقّ لنا أن نقف وقفة تأمّل ومكاشفة، لنثمّن ما تحقّق وهو الأقل، ونتساءل عمّا لم يتحقّق وهو الأكثر. وبما أنّ مسؤولية الدولة تقتضي حفظ الأمن والنظام، وقيام حكم عادل ومحايد بين تشكيلات المجتمع المتنافسة على النفوذ والمنافع، ليجسّد الخير العام والمصالح المشتركة للجميع، ولأنّ على الدولة أيضا أن تتدخّل على نطاق واسع في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لتعزيز النمو وضمان التشغيل وتخفيض معدّلات البطالة والفقر، وتأمين توزيع أكثر عدالة للقيم والموارد في المجتمع، هذا بالإضافة إلى ما لها من وظائف خدمية كثيرة كالتعليم والرعاية الصحية والمواصلات والاتصالات، والمياه والكهرباء والصرف الصحي، وإنشاء الموانئ والمطارات.  
    من هذه المنطلقات وغيرها، يكون من المفترض ـ مبدئيا ـ أنّ تكون الدولة، أيّ دولة ناجحة، قادرة بقوّتها المادية وهيبتها المعنوية على إحداث التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي المنشود، فالقرار السياسي المسؤول، والجهاز الاقتصادي الفعّال، والمشاريع التنموية الإيجابية، والخبراء والمهندسون والعلماء المخلصون، هي وسائل الدولة الناجحة لوضع استراتيجيات تنموية شاملة، ومتابعتها حتّى تحقّق الأهداف التنموية المرجوة.
  وممّا لا شكّ فيه أنّ أيّ نظرة موضوعية تَطَّرِحُ المهاترات السياسية وتُقِيمُ الميزان القسط لا بدّ أن تسجّل بإيجابية الخطوات المهمّة التي قطعتها الدولة الموريتانية حتى الآن على صعيد تحقيق تلك المبادئ والأهداف التي قامت من أجلها، فلا شكّ أنّ توفّر نعمة الأمن، رغم ما يُسجَّل من جرائم وانتهاكات متلاحقة، ووجود حياة ديموقراطية ـ ولو أنّها شكلية ـ تتمثّل في ظهور الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام مع أنّ الكثير من هذه الأشياء إنّما أنشئ لأجل تتفيه الشأن العام، وذرّ الرماد في العيون. وكذلك تغيّر النظام الاقتصادي بإنشاء البنوك والشركات ولو أنّها مملوكة من طرف واحد، وشقّ الطرق وإنشاء الموانئ والمطارات، مع أنّها قليلة وقد لا يستجيب معظمها للمعايير الدولية، ثمّ التحول الاجتماعي من خلال إقامة المدارس والمعاهد والمستشفيات والملاعب، ولو أنّ النواقص في هذا المجال بادية وكثيرة، فهذه الجهود وغيرها تتطلّب الإشادة من كلّ منصف، لكنّها لا تحول دون الحديث عن الاختلالات ومكمن الفشل، مما كان له  تأثيره السلبي والواضح على تطوّر الدولة  الوطنية والإسهام الكبير في تخلّفها، وهو ما يحتّم اليوم عملا جادا وسريعا لتلافي النواقص الكثيرة التي يمكن رصدها على واجهات كبرى وهي:
  أولا في المجال التربوي: نظرا لأهمية هذا المجال، وكونه حجر الزاوية في أي مشروع حقيقي لبناء الدولة الحديثة فسأضرب صفحا عنه هنا إلى أن أفرد له حلقة خاصة في وقت لاحق بحول الله.
   ثانيا في المجال السياسي لم تكن السياسات العامة التي رسمتها الدولة منذ الاستقلال بالمتوازنة، ولم تفلح في خلق المواطن المتشبّث بروح المواطنة والمؤمن بالولاء للدولة كبديل عن الأطر التقليدية، وتم تهميش قطاعات اجتماعية واسعة من الوظيفة التوزيعية للدولة، بحيث غابت تماما عن الوجود بأيّ شكل في مجال حركة المال والأعمال وعن المشاركة السياسية، كما عجزت الدولة عن صهر الولاءات العشائرية والإثنية والشرائحية في بوتقها الموحّدة، هذا مع تفشّي بعض الأمراض الفتّاكة كالزبونية والوساطة والمحسوبية.
   ولتلافي هذا الخلل، على الدولة أن توسّع نطاق الحكم الديمقراطى اللامركزى من خلال إنشاء المجالس المحلية وتوسيع سياسة التمييز الإيجابي، والمشاركة الشعبية الفعالة وإشراك أبناء الفئات الهشّة وأصحاب الرأي فيها في رسم السياسات التي ترمي إلى مكافحة الفقر ومعالجة الفوارق الاجتماعية والنهوض بالطبقات المهمّشة من خلال المجالس المختصة كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي مثلا. ثمّ إنّه عن طريق وزاراتها المختلفة ووكالاتها المعنية تستطيع الدولة محاربة الفقر والتهميش وتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، بما يضمن الحدّ من الفوارق الاجتماعية الحاصلة بفعل المكانة الموروثة والنفوذ السياسي والاجتماعي، وإلا فالدولة كما يرى بعض منظّريها السياسيين لا تعدو أن تكون جهازا قمعيا أضيفت إليه الصبغة القانونية كي يخدم مصالح الأطراف الأكثر تمتّعا بالمزايا والقوة والثراء.
    هذه الحقائق تفرض على الدولة أن تدشّن سريعا حربا لا هوادة فيها في سبيل القضاء على أمراضها المعيقة كالمحسوبية والوساطة والزبونية، وأن تعمل على تحجيم سيطرة الولاءات الضيّقة ونفوذ البنيات التقليدية لصالح كيانها المركزي. وفي هذا السياق يجب دعم الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني كي تصبح بدائل حقيقية للأطر والهيئات التقليدية كالقبائل والشرائح والأعراق. ولا مانع من مراجعة النشيد الوطني وشكل العلم، بل وحتى تسمية الدولة وموقع العاصمة وغيرها من القضايا المهمّة لتخدم نهضة المشروع الوطني الشامل، ولكنّ بشرط أن يكون ذلك في جوّ من المصالحة الوطنية العامة، وأن ينعقد الإجماع الوطني على تغييرها. فتلك شروط جوهرية لقيام التنمية واستمرارها بوجه عام، ومنطلقات حاسمة لحل مشكلات التخلّف والبطالة والفقر والمزاجية والارتجال والتشرذم الاجتماعي.
   ثالثا في المجال الاقتصادي يعتمد الدور الأهمّ للدولة على إقامة تنمية إنسانية، إذ عليها مسؤولية قاطعة في توفير مكوّنات رأس المال المحوري عن طريق التعليم والصحة للجميع، وخصوصا في القرى والأرياف، ثم رأس المال الطبيعي، وخاصة الأرض والمياه بالنسبة للمجموعات العاملة في مجال الزراعة. كما أنّ عليها أن توفّر العمل للشباب باعتباره الطاقة الحيّة في المجتمع، فالشباب رأس مال بشري بالغ الأهمية، وهو أحد العناصر الفعّالة في تحقيق أي مشروع تنموي ناجع، ويجب أن يوفّر له العمل ولو في مشروعات الأشغال العامة عند الفشل في استقطابه من قبل الوظيفة العمومية، أو خلق بيئة مؤسسية أخرى تتيح له فرصة العمل داخلها.
    ومن المهمّ أن توسّع الدولة وتعزّز ميزانية تمويل وكالة مكافحة الفقر وآثار الاسترقاق. وأن تعمل على مراجعة الإصلاح العقاري بما يضمن ولوج اليد العاملة والمزارعين التقليديين كملاّك للأرض لضمان نهضة زراعية حقيقية.
   وفي هذا السياق أيضا يجب أن تسعى الدولة لخلق طبقة رجال أعمال من الفئات الهشّة التي عانت النبذ الاجتماعي تاريخيا، حتّى يترسّخ في الأذهان أنّ التغيير الاقتصادي قادم لا ريب فيه، وأن تشجّع الأنشطة المدرّة للدخل وتدعم قطاع التعاونيات في مجال الزراعة والصيد ورابطات النساء وكذا أن تفتح قروضا للإنتاج الفني والمسرحي والسينمائي وأخرى للصناعة التقليدية على غرار القرض الزراعي.
وفي جانب متّصل يجب أن تشرف الدولة على تنظيم مهرجانات للفنون الموسيقية التقليدية، ومعارض للصناعة التقليدية، وتشجّع حركة المسرح والسينما كلّ ذلك في الداخل والخارج معا، حتّى تتعزّز الحركة الفنية والثقافية في البلد بما يضمن انتشار الوعي كمنطلق للرقي الحضاري والعلمي، وبما يسهم في التعريف أيضا بالبلد وتراثه وتعزيز دبلوماسيته على المستوى الخارجي.
    رابعا في المجال الاجتماعي: إن من مسؤولية الدولة أن تجنّد وسائلها المختلفة لمحاربة أثار الاسترقاق وكل أشكال النبذ الاجتماعي، وتصحيح الصور النمطية السلبية التي تشكّلت في المخيال الشعبي عن الفئات المظلومة مثل لمعلمين وإيكاون وآزناكة، وعليها أن تستغلّ في هذا المجال المنابر الإعلامية والدينية لتصحيح المفاهيم الاجتماعية الخاطئة والتصورات الخرافية، وأن تدرج معالجة هذه القضايا الاجتماعية في المناهج التربوية وفي أي حوار سياسي أو اجتماعي جاد، هذا إن لم تقم منتدى وطنيا خاصا للحوار الاجتماعي حول هذه الأمور هدفه دمج كلّ الفئات المحرومة لأجل مسايرتها للحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي في البلد.
  ومن مسؤوليات الدولة على هذا الصعيد تقريب الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والإسكان والتأمينات الشعبية ورسم سياسة اقتصادية/اجتماعية ترمي إلى التقسيم العادل للثروة ، وسدّ الفجوة بين هذه الفئات الهشّة وبقية مكوّنات المجتمع، فتتدخّل مؤسّسات الدولة المختلفة لتعويض هؤلاء عن الضعف والهزيمة والدونية. وهنا يجب تبنّي المبادرات الهادفة إلى زيادة النقاش والحوار حول ضرورة الاندماج بين مكوّنات المجتمع، بل وتشجيعها معنويا وماديا كأن تعلن الدولة مثلا عن إنشاء ولاية أو مقاطعة باسم "موريتانيا الجديدة" أو أية تسمية أخرى تصبّ في هذا الاتجاه. هدف هذه الولاية أو المقاطعة أن تستقطب الأسر الموريتانية المجسدة للاندماج الاجتماعي من خلال الزواج المختلط بين الفئات والأعراق، وتتكفّل الدولة فيها بتحملّ بمسؤوليات عديدة كتوفير السكن وخدمة الماء والكهرباء ودعم مالي سنوي، حتّى تتكرّس هذه الروح من أجل انطلاقة فعلية لتأسيس قاعدة صلبة تحقّق اللحمة الاجتماعية المطلوبة.

 

20. نوفمبر 2016 - 16:37

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة