موريتانيا: وفاق الفرقاء ينهي الأزمة ويذكي الصراع / محمد الحافظ ولد الغابد

محمد الحافظ ولد الغابدأخيراً توصل الفرقاء الموريتانيون لاتفاق سياسي تعلَّق عليه آمال كبيرة بإنهاء الأزمة السياسية المتفاقمة منذ أكثر من سنة، وينظر العديد من المراقبين إلى الاتفاق الحالي باعتباره سيعيد الأمل من جديد للديمقراطية الموريتانية التي أجهزت عليها الصراعات البينية المفتقدة لصوت العقل والحوار الديمقراطي التعددي بوصفه 

أهم أسس الديمقراطية والفعل السياسي العقلاني الساعي للمشاركة النسبية لا الهيمنة والإلغاء التي كثيراً ما شكلت جزءاً أساسياً من الثقافة السياسية لأطراف الصراع الموريتاني بخلفياتهم القومية واليسارية والإسلامية بل وحتى القبلية والعشائرية المحددة لنمط سلوكهم السياسي المشبع بـ «الإلغائية» وشطب الآخر الشريك في الوطن والعملية السياسية.

نهاية مرحلة.. وبداية أخرى
سيشكل الاتفاق الحالي فرصة لإنهاء 9 أشهر من صراع الأجندات السياسية ووضع حدٍّ لحالة التأزيم السياسي التي اعتمدتها المعارضة لمنع إجراء انتخابات غير تعددية وتفتقد لمعايير الشفافية، ويبقى التحدي الجديد أمام المعارضة يتمثل في صناعة تحول جديد يجعل اللحظة الراهنة بما ستتيحه من انتقال ديمقراطي سلمي وشفاف لحظة فارقة في التاريخ الموريتاني بين مساعي الهيمنة والأحادية والتفرد في إدارة الشأن السياسي ومساعي ترسيخ المشاركة السياسية التعددية لمختلف الفاعلين السياسيين واعتبار الشراكة التعددية أساسا للفعل السياسي وليس وسيلة للسيطرة والهيمنة والتفرد، وعندها تكون موريتانيا قد خطت من خلال هذا الاتفاق خطوات جسورة إلى الأمام نحو مستقبل أفضل ينأى عن التأزيم ويؤسس لاتجاه سلطان الإرادة نحو المشكلات الفعلية المتعلقة بالانشغال بالتنمية ومواجهة مشكلات الفقر والنأي بالبلاد عن الآثار السلبية للصراعات العدمية والتدخلات الأجنبية السلبية.

نهاية الأزمة تشعل صراع التنافس
ستعيد الأسابيع المقبلة حتماً ترتيب أوراق الخريطة السياسية من جديد، فمن المتوقَّع أن يتقدم مرشحون جدد أكثر جدية وقادرون على خلق انقسامات جدية في الأغلبية البرلمانية الداعمة للجنرال ولد عبدالعزيز بوصفها أهم الفعاليات القادرة على كسب الرهان الانتخابي بسهولة، وقد بدأ العقيد علي ولد محمد فال الذي قاد المرحلة الانتقالية 2005-2007 تهيئة الرأي العام لولوجه التنافس الرئاسي ومن المتوقَّع أن يحظى بدعم حزب تجمع الشعب الذي يحظى بتأيد حوالي 7 نواب في البرلمان الموريتاني ولديه وزن انتخابي في الولايات الشرقية، ومن المتوقَّع أن يستقطب ولد محمد فال العديد من الجهات المصطفة حالياً في الموالاة والمعارضة معاً لدعمه إذا ما قرر المشاركة في المنازلة الانتخابية.
وتبقى حالة المعارضة جد صعبة، فهي لا تستطيع بحكم الخلافات المستحكمة الخروج للمنافسة الانتخابية بمرشح موحَّد إلا إذا استخلصت الدرس من واقعها الحالي وتجاربها الماضية واتجهت إلى الاتفاق على مرشح واحد ومن أبرز المشاهد المنتظرة في هذا الصدد:
- أن يرشح التكتل رئيسه ولد داداه وتدعمه أحزاب الجبهة المشكلة من إسلاميين ويساريين وحزب الأرقاء السابقين بقيادة رئيس مجلس النواب مسعود ولد بلخير وبقايا حزب الرئيس المخلوع ولد الشيخ عبدالله، ومن المؤكَّد أن هذا الكشكول إذا تجمع في وجه الجنرال محمد ولد عبدالعزيز مجمعاً على شخصية سياسية محورية وقابلة للتسويق الانتخابي فإن حظوظه في النجاح ستكون كبيرة، وتبقى الخلافات البينية المستحكمة بين أحزاب المعارضة هي التي تحول دون إحداث تحول جوهري يأتي بالمعارضة إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع وهو الحلم الذي يبدو دائما بعيد المنال بفعل عوامل الانقسام المستحكمة.
- أن تتناسى الأطراف المعارضة «التكتل» و «الجبهة» خلافاتها البينية وتقدم مرشحاً سياسياً جديداً ينحدر من المناطق الشرقية قادراً على الاستقطاب الانتخابي، خصوصاً أن الأرضية السياسية في المناطق الشرقية تهدمت تحت أقدام الجنرال ولد عبدالعزيز خلال الأشهر الماضية بفعل تناقض خطابه السياسي المتعجرف والذي لم يقرأ بذكاء الذهنية الموريتانية ذات الولاء المتقلب والذي لا يكاد يثبت في اتجاه محدد كما تفسره ظاهرة «الارتحال السياسي» من حزب لآخر المعروفة في الساحة الموريتانية.
- أن تدخل المعارضة مشتتة الجهود فيترشح زعماء الأحزاب وعندها ربما لا يصل أحد منهم للشوط الثاني وربما يصل ولكن فرص إجماعهم في الشوط الثاني ستكون أكثر صعوبة؛ لأن بورصة الإغراء السياسي ستكون مغرية وغالية، ما سيحول حتما دون الإجماع وهو ما سيفقد قوى المعارضة فرصة إحداث تغيير طالما شكَّل حلما للقوى المعارضة وربما يكون من حيث زخمه الدعائي إن حدث هو أفضل ما يرتق ما انفتق من إهاب الديمقراطية ويعيد المصداقية والثقة لصناديق الاقتراع والإرادة الشعبية الحرة بعدما أعادت نزوة شخص انقلابي الديمقراطية الموريتانية إلى نقطة الصفر.
وبالجملة فستظل حظوظ العسكريين الحاليين وداعميهم البرلمانيين قوية في كسب رهان الاستحقاقات المقبلة فقد فرض الجنرال ولد عبدالعزيز نفسه على الحالة السياسية باعتباره فاعلا رئيسا لا يمكن تجاوزه، فهو حتى الساعة يحوز على دعم أغلبية البرلمان وربما يحظى بدعم بعض أحزاب المعارضة أيضا إذا تفكك تحالفها السياسي وبعض المجموعات القبلية النافذة. كما أن صورة الجنرال المترشح للرئاسة ستتحسن نظراً للواقعية السياسية والمرونة الكبيرة التي أبداها بقبوله الاستقالة أصلاً على ما فيها من خطورة على مشروعه السياسي وكذا مستوى التنازلات التي قدمها لخصومه ومنافسيه السياسيين وهو ما سيساعده أكثر في البقاء واكتساب شرعية سياسية بصورة مكتملة.
فهل سيقود الصراع الانتخابي التنافسي موريتانيا لوضعية استقرار سياسي أم أنه سيؤجل الأزمة وينقلها من الزمن الراهن الحالي إلى حين؟

 

5. يونيو 2009 - 0:00

كتاب موريتانيا

ذات صلة