الرئيس القادم: الشخصية لا الشخص! / المهندس خالد ولد الداه

كثر التساؤل مؤخرا عمن سيقود موريتانيا في المرحلة القادمة، استنزفت الأقلام واشتقت العناوين، وزج بأسماء كثيرة فيما يشبه القرعة. هكذا هي اللعبة الديمقراطية شخص يتمنى وآخر يتوقع، فلولا حتمية الاحتكام للصناديق الشفافة، لما رأينا قاعدة عريضة من المهتمين تنسج على هذا المنوال. 

ومساهمة في تناول الشأن العمومي الذي هو اهتمام ومسؤولية، تحضرنا أسئلة عن: من ينبغي لنا تكليفه؟ عن خبرته، تاريخه، خلفيته الثقافية، درايته بخطة الحكم والتدبير، مدى فهمه للنظام العالمي، عن نظرته للثقافات والحضارات وطريقته في قراءة المجتمعات، عن الجمهور الذي يخطب وده؟ أسئلة تنهمر لا تقف عند: حضوره، قبوله، قدرته على التواصل، مدنيته. لكنها لا تصل إلى من هو بل الشخصية التي وهب إياها.
الشعب الموريتاني اليوم كبقية شعوب العالم ازداد وعيه و بالتالي اهتمامه بالشأن السياسي، و أصبح يستهلك بعض ما يقدم له من النخبة، و يلفظ ما لم يرقه دون مجاملة. و لا أظن آذان المتابعين صمت عما يتداول الشباب من مصطلحات في الشارع و الأماكن العامة و الجلسات الودية العفوية غالبا، في البراح الذي توفره المقاهي و شبكات التواصل الاجتماعي. مصطلحات سياسية تنموية و ثقافية، تنم عن صحوة و ارتفاع في سقف الطموحات، تشكل تحديد احتياجات. ساعد على ذلك وفرة في الوقت، و بطبيعة الحال هامش الحرية.
تلك إذا هي الفئة الغالبة في المشهد السياسي التراجيدي، و إليها ترجع الكلمة الفصل، التي سوف تفصح عنها صناديق الاقتراع، لسان حال الشعب الموريتاني، المتحدثة باسمه. فئة الشباب التي فرضت خيارها كغالبية في بلدان شبه المنطقة، و التي سوف تكون مانحة جواز العبور نحو قصر الرئاسة، محاسبة كل من يرى في نفسه الأهلية لتسيير شأنها، و لن تجد عناء في قراءة تاريخه و تقييم ماضيه و إصدار الأحكام على : أمانته، صدقه، وطنيته، إخلاصه، قدرته، و تفانيه. هي بالتأكيد ليست في سعة من أمرها لتجريب المجرب و تقويم المعوج.
من غير الحكمة النظر للمجتمع اليوم وغدا من زاوية موالاة و معارضة، توجد كتلة ثالثة هي السائدة ليست إلى هؤلاء و لا أولئك تتطلع لأجوبة مقنعة، و من أراد الدقة عليه أخذ المعطيات صحيحة لا كما يريد هو. الشعب يطلب من يتصدى لأسئلة جوهرية محددة من قبيل : العيش بكرامة، الرفاهية، العدالة، الرعاية الصحية، التعليم، و بشكل عام الخدمات الأساسية، يريد من ينظر إليه كشعب واحد ينشد له الوحدة أكثر.
من يتطلع لرئاسة الدول في أيامنا هذه، لابد له من : الفهم السليم لمجريات الأمور، و متطلبات مسايرة البشرية، و الإيمان بحتمية التعايش، و تقبل الآخر. من يتزعم لا مناص له من : الإلمام و الخبرة الكافية بالملفات الإقليمية، القارية، و الدولية زيادة على المحلية. و تعد معرفة القائد الجيدة : بثقافات و حضارات الأمم الأخرى، و قراءته الممعنة للمجتمعات، بشرى : نجاح، و اعتدال، طوق نجاة من العزلة الدولية التي كانت وبالا على شعوب لسنا بوارد ذكرها، شعوب تعطشت للمدنية و التقدم، نادت بالعدالة و الحرية، ترجت الديمقراطية و التناوب على السلطة، فلم يقدم لها قادتها غير : معاداة البشرية، و الطرد من المنظومة الدولية. الرئيس المطلوب : واجهة البلاد المرجوة، سفير الشعب الذي يقدمه في المحافل، بالنظر إليه تستخلص المعلومات المتعلقة بالثقافة التي أفرزه. لفته الأنظار، تقبل الناس له، قدرته على التواصل معهم بلغاتهم و عبر وسائطهم، عوامل أساسية لاستمراره في تأدية مأموريته.
إن الدفع بشخصيات تفتقر للخبرة، كفيل بإعطاء نتائج سلبية، سواء على مستوى عملية الاقتراع التي لن تفرزهم بسهولة، أو بافتراض تجاوز شخصية من تلك الشاكلة مرحلة الاستحقاقات، لأنها سوف تجد نفسها على محك صعوبات تصريف الشؤون، و سرعان ما تجرفها سيول المطالب الشعبية التي لا ترحم، كما جرفت قبلها رؤساء كمرسي و المرزوقي وغيرهما من خريجي مدارس القفز على المراتب، و فرسان حلبات البرامج التلفزيونية، التي تصنع حاليا سياسيي الوطن العربي و تقدمهم في حلة المناضلين و بعمائم القادة، و هم في الحقيقة على عكس ذلك.
إن اختيار الطبقة السياسية لزعامات قبلية أو عرقية لن يتناسب و النضج السياسي الذي تظهره فئات الشعب، و هو توجه شكل سيناريوهات درامية مؤسفة لبلدان كانت سباقة إليه، فبالنظر إلى ما جرى و يجري من مآسي في منطقة البحيرات العظمى و اقتتال بين الهوتو و التوتسي، تتجلى مغبة الرهان على الأعراق. و من تابع ويتابع كيف فعلت الحصص الطائفية فعلها ببلدان شقيقة كالعراق و لبنان، لن يقبل أبدا استنساخ تجربتها على أرضه.
السياسة الناجعة، تلك المبنية على الأفكار و البرامج المنحازة لهموم المواطن، الرامية إلى تحقيق تطلعاته، و بالتالي المقنعة بالنسبة له. بالفعل تقدم المشاريع السياسية للشعب من نوافذ كالأحزاب و التشكيلات، رغم ذلك يدلل التأرجح المستمر في شعبية أحزاب ببلدان ذات ديمقراطيات عريقة، و ما تظهره الاستطلاعات و الاستحقاقات من صعود و هبوط على أهمية الشخصية في المشهد لا بل محوريتها. فكثيرا ما عاقب الناخبون قوى سياسية، فقط لأنها ألقت إليهم بالغث من أطرها. إن تقديم أسماء مشمولة بملفات أو محل شبهة تتعلق باختلاس المال العمومي، سوف يكلف أحزابها غاليا و ربما يقصيها من معترك التناوب على السلطة، إن لم يكن نهائيا فلعقود قادمة.
الشباب يستشرف المستقبل تحت ظل رئاسة قادرة على فهم و تطبيق المذاهب : التنموية، التعليمية، و الإنسانية. المذاهب التي تلخص عصارة التفكير البشري و النضج الاجتماعي. رئاسة تستوعب جيدا : ماهية، مبادئ، و آليات الحكم الرشيد. الشباب يريد رئيسا لا يقف عاجزا أمام معطيات مقاربة الكفاية، التي هي ضمان تلاؤم مخرجات التعليم مع متطلبات السوق. موريتانيا تنتظر قائدا يستنبط و يسقط ما نصت عليه الشريعة الإسلامية من حقوق للإنسان على ما ورد في الميثاق العالمي بداية بالإعلان مرورا بالعهود و البروتوكولات ... وصولا إلى ما يتناسب و عقيدتنا.
إن الديمقراطية بقدر ما تبنى على النصوص و المؤسسات، سواء تعلق الأمر بفصل للسلطات أو هيئات ... فإنها كذلك أعراف و تعفف و نتيجة تراكمات. الديمقراطية فعل مدني، رغم ذلك لا ننكر حق المتقاعد من فئة العسكر في خوض الاستحقاقات، لكن الديمقراطيات اليافعة تمتاز بضعف المناعة، لذا ننتظر من نخبتنا سواء في الموالاة أو المعارضة ترشيح شخصيات ذات خلفيات مدنية، سدا للذرائع في مرحلة الطفولة الصغرى التي تقدر بخمسة أعوام.

4. مارس 2017 - 11:30

كتاب موريتانيا

ذات صلة