تأملات في ذكرى إجهاض التغيير بموريتانيا / محمد الحافظ ولد الغابد

محمد الحافظ ولد الغابدقبل أقل من أسبوعين خلدت موريتانيا بصمت القبور الذكرى الخامسة لسقوط رئيس الجمهورية السابق معاوية ولد سيد أحمد الطائع من الرئاسة. إنها ذكرى مفجعة للقليلين الذين استفادوا من بذخ الفساد السياسي, وهي ذكرى فرحة يصاحبها شعور بالحسرة على ضياع الحلم بالتغيير الذي أجهضته سيطرة الأقلية التي 

صنعها ولد الطائع على عينيه ورباها على الأساليب القذرة لإجهاض التحولات ولحظات الوعي وتصريفها في الوجهة الخطأ, من أجل إحكام السيطرة على مقاليد الأمور والبقاء لا بالفعالية وإنما فقط بالمناورة.
إنها استراتيجية البقاء وفقا لشرعية المناورة والخداع، لا شرعية الأداء والإنجاز، إنها الاستراتيجية التي عبر عنها منذ عام 1992 شعار: «موريتانيا دائما وأبداً معاوية ولد سيد أحمد الطائع» ويعبر عنها الآن شعار: «موريتانيا الجديدة.. موريتانيا الأعماق» الذي يصفه الكثيرون بالسخف أكثر من سابقه, لأنه يكرس في المسكوت عنه «موريتانيا دائما وأبدا محمد ولد عبدالعزيز». ومرورا بشعار آخر يأخذ مكانة سياقية دالة من خلال فصله «زمنيا» بين سابقيه وهو شعار: «الرئيس المؤتمن» الذي اتضح أنه مؤتمن فقط تحت الوصاية, وإلا لما حدثت العملية القيصرية في السادس من أغسطس 2008.

انفصل الرأس
قبل خمس سنوات من الآن بالتمام والكمال في الثالث من أغسطس 2005 انفصل الرأس عن الجسد, وبقيت الحياة تدب في جسم مثقل بالعفونة التي مصدرها الفساد السياسي، ويقول أهل الفنون الإدارية إن أول ما يتعفن من السمكة هو رأسها, والحالة المرضية بالنسبة لنا يُظهرها رفض الجسد الذي تركه ولد الطائع مترهلا مثخنا بالجراح للعديد من الرؤوس التي حاولت الهندسة السياسية تركيبها مكانه, ولكن الجسد لفظها بسرعة لأنها لم تكن من نمطه وطبعه, خصوصا الرأس الديمقراطي الذي حاولت الهندسة تثبيته باعتباره علامة انتقال جدي, فسقط في شراك الأحابيل اليسارية التي مكّن لها الرجل الراحل وتعودت على الهيمنة والاستفراد واللعب على غباء ساسة القصر الرمادي, غير أن الحسابات السياسية هذه المرة فجرت الصراعات الكامنة, وأدخلت البلاد في دوامة أزمات لن تهدأ قريبا.

ضياع البوصلة
ومع أن مناسبات عديدة مرت لمراجعة كل هذا المسار ومحطاته المختلفة إلا أن أياً من المواقف السياسية لكافة ألوان الطيف السياسي في موريتانيا لم تخبرنا من خلال تقويم دقيق أين أخطأت وأين أصابت؟ وكل ما حصل بعد رحيل الديكتاتور أن الجميع شارك وإن بنسب متفاوتة في منحه صيغا من الإجماع الوطني والشرعية السياسية التوافقية، فحين كانت لحظة الانقلابات العسكرية على الديمقراطية جاءت الواقعية السياسية لتضفي مشروعية أداتية على الانقلاب العسكري (المرحلة الانتقالية) الذي سيكون الوسيلة الأساسية للانتقال نحو الطموح الديمقراطي المأمول. وحين كانت الأزمة على أشدها غداة انقلاب السادس من أغسطس جاءت الواقعية السياسية باتفاق داكار الذي فار تنوره بنيران فرنسية في عاصمة الجار الجنوبي ليكرس انتقالنا الأداتي:
1- بالانتخابات و2- بالحوار كوسائل حضارية لفض النزاعات، وما هي إلا أسابيع معدودة حتى حسمت الانتخابات شرعية البقاء السلطوي لصالح الطرف الذي أمسك بعصا التأثير من الوسط مكرسا خياره ظاهرا بأدوات الديمقراطية وباطنا بــ «مناورة» أداتها السلطة وما يمنحه صولجانها من خيارات لا تترك الخيار نزيها بما فيه الكفاية ليساعدنا على الجزم بأنه لا يزال للديمقراطية في اللعبة أثر.
وكشفت تجربة التحولات من جانب آخر ضعف الثقافة الديمقراطية لدى مكونات المنتظم السياسي بشقيه الحاكم والمحكوم به والمعارضة بأصنافها المختلفة أحزاب الشخصيات كتكتل القوى الديمقراطية أو الأحزاب الحركية التقدمية, سواء كانت يسارية أو قومية, حيث تركز هذه القوى جميعا على تقديم أطروحاتها لإحكام السيطرة على السلطة جزئياً أو كلياً, وهذا ما يفسر سلوك التخندق السياسي لدى هذه الأطراف جميعها والذي ارتبط بصورة كبيرة بمعايير متعلقة بحراسة المصالح والامتيازات بالسلطة أكثر من تجسيد السلوك والممارسة بصورة تجريدية في برامج ومبادئ أخلاقية, وربما يكون هذا العامل من أهم عوامل احتراق هذه الحركات لدى الشارع الموريتاني الذي استوعب اللعبة وبدأ يمارسها مع من تتجسد فيه السلطة بصورة مباشرة ودون وسيط, سواء كان حزبا أو حركة سياسية, وظهرت المجموعات السياسية فاقدة للوجهة السياسية وكأنما وصلت مرحلة الشيخوخة وضاعت منها بوصلة التأثير على الفعل السياسي.

أزمة متجددة
حسمت الانتخابات في مسألة الشرعية شكلاً, وأججت نار الخصومة السياسية بشكل غير مسبوق, ولاحظنا جميعا حملات التنابذ الحُطيئيّة بين النظام والمعارضة طيلة السنوات الخمس الماضية حتى خلال فترة حكم ولد الشيخ عبدالله وفترة الربيع الديمقراطي الذي حاول تسييره بهدوئه المعهود.
وظل عامل ضعف الشرعية لدى نظام ولد عبدالعزيز ورفضه المستمر للحوار أهم المرتكزات التي اعتمدها معارضوه إضافة لاستصحابهم ذهنية الأزمة السياسية ومخلفاتها النفسية باستمرار، أما من جانب النظام فقد اعتمد في خطابه على ما يسميه محاربة الفساد وبناء موريتانيا الجديدة, بينما هو في الواقع اتجه لمحاربة خصومه السياسيين وأذرعهم الاقتصادية والمالية ليُمكن لمُقربيه ومناصريه حسب ما يرى العديد من المراقبين، وقد لاحظ الجميع أنه في الوقت الذي كان فيه ولد عبدالعزيز يعتقل ثلاثة من رجال الأعمال المهمين في البلاد كان يمنح وسام فارس في نظام الاستحقاق الوطني لرجل الأعمال المقرب منه تقديراً لجهوده في دعم نظامه خلال أزمة انقلاب السادس من أغسطس, مما يذكرنا بالسلوك السياسي الانتقائي الذي اتبعه ولد الطائع لمساعدة داعميه.

حوار اتفاقية داكار
ورغم أن اتفاقية داكار شكلت مرتكزا للانتقال الديمقراطي فإنها ورغم كونها نصت على الحوار آليةً لتجاوز التفاصيل الخلافية وفض كل النزعات الوطنية العالقة بما فيها الشراكة في تدبير الشأن العام فإن النظام اتخذ من موقف المعارضة الرافض للانتخابات فرصة للتملص من الحوار, وفعلاً ظل الموقف من الحوار واتفاقيته محل رفض متبادل من جميع الأطراف, النظام والمعارضة.

ما الذي تغير؟
يمكن أن نقول: إن أهم إنجاز حققته موريتانيا من كل هذه التحولات يتلخص في النجاح في هزيمة الديكتاتورية التي أقامها نظام ولد الطائع, وإعطاء قيمة أكبر لقيم النضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان, حيث انتصرت في الصراع إرادة الحرية والتعددية وفتحت الملفات المغلقة للإرث الإنساني, وجرى النقاش واحتدم بشأن مخلفات الرق, وقطعت العلاقات مع إسرائيل, وقوضت أحابيل اليسار الطامحة للحضور المهيمن والموجه للسياسة الموريتانية, وأخذت الدبلوماسية الموريتانية نفسا عميقا بعد انحباس طويل وعادت موريتانيا لعلاقاتها مع العالم العربي والإسلامي, وانتمت لمحور المقاومة دون أن تخسر مواقفها لجانب محور الاعتدال. غير أن الغائب الأكبر حتى الساعة هو الإنجاز «المُسكت» والذي لا مراء فيه, والمتعلق بالبنية التحتية والقضاء على الفساد والمحسوبية, إضافة إلى اغتيال حلم الثراء النفطي وتفاقم المخلفات المحزنة لآثار استغلال الثروات على البيئة الوطنية, والذي يهدد بتهجير مدينة أكجوجت بالشمال, ويشابهه هذا المشهد المحزن ضعف التصدي للكوارث الطبيعية لدى أجهزة الدولة, وتبقى وضعية مدن الطينطان وروصو خير شاهد, خصوصا في ظل التغيرات المناخية التي يعرفها العالم, وبالجملة لا تزال البلاد تراوح مكانها الذي تركها فيه الدكتاتور الأشهر في تاريخها المعاصر. فهل فعلا كان الانقلاب على ولد الطائع من أخلص مقربيه حركة التفافية من أجل إجهاض التغيير الحق. ذلك ما يرجحه كثيرون. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
 

13. أغسطس 2010 - 0:00

كتاب موريتانيا

ذات صلة