للوطن أيهما الأفضل مثقفون مزورون منافقون أو سياسيون عاجزون.. / د.محمد المختار دية الشنقيطي

للوطن أيهما الأفضل مثقفون مزورون منافقون أو سياسيون عاجزون طامعون حالمون؟!...
في الذاكرة والوعي والتاريخ أن كل ما يبقى إنجازا من العمل الوطني الرائد هو الذي نقيس به الخطى، ونرسم علامات الطريق للمستقبل، ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن تظل أفكارنا أسيرة للماضي، مهما كان إشراقه،

 ولا مترددين في رسم خطى المستقبل مهما كان سلطان وسطوة المعوقات التي تحول دونه، ولا يمكن أن يُخلق كائن يمشي ويعمل بتجميع أربعة أطراف وجذع رأس يجلب من المشرحة، كما يظن دجالوا وسماسرة التنظير لحكم العسكر وقديما قال الزعيمهم الروحي والمؤسس والمنظر للفكر الماركسي ماركس: إن الفلاسفة حتى الآن فسروا العالم، أما نحن فنريد تحويله ؟!
وهي مقولة من فكر السياسة تصلح للإسقاط على واقعنا وجدله السياسي، بما في ذلك ما سمي بالحوار الشامل وبمخرجاته التعديلات الدستورية التي تحددت ونضجت وأعلنت في خطاب النعمة، والذي لا حظ فيه الحاضرون والمراقبون قوة وحدة الانفصال فيه بين الواقع والتنظير والسياسة، الأمر الذي منع من وجود ثقافة حوار مثمر وإصلاح جاد عبر المناقشات الحية، وذلك هو ما خلق فينا ولنا ذلك القدر الكبير من انعدام الثقة، والفجوة المتسعة بين المواطن العادي ورجل السياسة وما يقرره سواء في الموالاة أو التشكيلات المعارضة ؟
ولقد كان صديقي وزميلي الدكتور محمد إسحاق الكنتي مصيبا لنصف الحقيقة حين قال بأن الفكر الاشتراكي أو الماركسي له السطوة والحضور ولو من باب ردة الفعل والتأثير على التفكير والعقل السياسي في عالمنا، وجانبه الصواب وحالفه الخطأ حين أسقط ذلك، وفي عملية تعسف مدفوعة بالعداوة والكراهية على شخصيات الإخوان المسلمين وزعامات الصحوة أللإسلامية ؟!
والصحيح أن تلك السطوة والحظوة حاضرة مشاهدة وبقوة في تفكير وتنظير السياسيين ومنهج التخطيط والتدبير عند أساتذة العسكر المنتمين للتيارات الوطنية" الكادحين والقومين"، وهم العقول التي تنظر، والأدوات التي بها تنفذ المؤسسة العسكرية الحاكمة في البلد منذ 1978م، وهي التي استقى الرئيس محمد ولد عبد العزيز من مخرجات تفكيرها مفردات خطاب النعمة كما هو الحال بالنسبة للعقيد معاوية والد طائع والمقدم محمد خونه ولد هيداله والعقيد المرحوم المصطفى ولد محمد السالك؟
فالقوم هم القوم والأفكار هي الأفكار والمشرب واحد، وإن اختلفت الشعارات من إحلال السلام ونشر الديمقراطية، وتهذيب الجماهير، ومحو الأمية، ورئاسة الفقراء ومحاربة الفساد وإعادة كتابة تاريخ موريتانيا والجمهورية الثالثة، وأظنها على شاكلة الجنس الثالث ؟!
ولئن كانت الماركسية التي هي المشرب الفكري لمنظري الحكام الجدد وأدوات تنفيذهم، قد ورثت من المنهج الهيجلي آليات الجدلية الرائعة فإن المنظرين الماركسيين الجدد قد فشلوا في تلقين أسلوب تلك الجدلية لقادتهم الجدد من العسكريين، وخاصة أن الماركسية في الأصل هي ساعة مستقبل فلسفي لعالم ما؟!
والحقيقة المنطقية الماثلة للعيان في الحياة أن هناك في الواقع علاقة جدلية بين الأفكار والأحداث الاجتماعية والسياسية في كافة مراحل التاريخ عندنا وعند غيرنا ؟
والحقيقة الثانية أنه لا توجد في فلسفة الحكم العسكري ولا في ممارساته فوارق تذكر بين مخرجات الانقلاب الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع، فالرؤية واحدة والأفكار والمؤثرات ذاتها، والأشخاص المدنين الأيديولوجيين الحركيين هم نفس الأشخاص، ومؤسسات المجتمع والدولة نفسها هي التي أضحت حقلا لبعض المسئولين الذين يعتقدون أنهم يمارسون السياسة كمهنة بدلا من أن يعيشوها كنضال له تكاليفه وواجباته؟
فكانت النتيجة وكما يقول الأستاذ المحامي محمدن ولد إشدو"أن حلت الجزمة الخشنة السوداء محل الياقة البيضاء، والقوة محل الحق، والجشع محل القناعة، والتأول محل الورع. واختفت مفاهيم المصلحة الوطنية، والدولة، والفصل بين السلطة والمال. لتترك مكانها كرها للمصلحة الفردية، وروح العترة، والجهة، والعنصر، والفئة الاجتماعية."
وفي ظل هذا الواقع الجديد والمعسكر ما عادت السياسة تبحث عن الفكرة الفعالة، وإنما تحولت إلى شكل من أشكال أدب النوادر الذي لا يحتاج فيه الراوي إلى فكرة أو إلى حقيقة تتضمنها، أو إلى وسيلة عمل فعالة تحملها إلى الناس ؟.
والثابت تاريخيا أنه منذ لا مست مسامعنا سنة 1978م كلمات بيان الهزيمة في حرب الصحراء الأول، لم تعد أفكارنا وواقعنا يصنعهما الفكر والسياسة، ويطبعهما الرشد، وإنما تصنعهما الشلة الحر بائية الحركية المعسكرة من أبناء الاشتراكية الشرعيين الكادحين أو السفاح القوميين الذين يُدْخِلون إلى دورة الحياة قاطعا منهجيا، فيدسون الأفكار الخاطئة، والتي لا علاقة لها بواقع الناس، ولا بمشاعر ولا بمتاعب الشعب المغلوب والمقهور، ولا حتى بتوطيد وترسيخ العلاقة بين النظام العسكري والمواطن العادي؟
فشكلوا بذلك ستائر حائل بن الأفكار والأحداث الاجتماعية، خصوصا في الإطار السياسي، وهم بذلك يشكلون فواصل جُهزت بأيد خبيرة ما كرة خبيثة، لتقطع كل لأواصل والاتصال، وتجعل من غير الممكن الحوار بين رجل السياسة ورجل الفكر، ومن ثم المواطن العادي؟.
وما ينبغي والحالة هذه أن يعرفه المواطن العادي الضحية المسكين أن مناورات المخططين للحاكم العسكري الجاهل الساذج للانتقاص من قيمنا وأفكارنا، وأعنى افتقادها فعاليتها في البناء الاجتماعي والسياسي، هي الأكثر خداعا، وعلينا أن نعترف في الوقت نفسه بأنه لا يوجد في واقعنا أية وقاية تمنع هذه المناورات من النجاح، بل العكس هو الصحيح .
وما التعديلات الدستورية الأخيرة إلا حلقة رديئة من حلقات ذلك المسلسل العبثي الذي بدأ مع النظام العسكري والذي طال القيم والأخلاق والأفكار والمبادئ والتعليم والموارد وتشكيلات ومؤسسات المجتمع وأشخاصه الرموز، وخدمات الدولة وكينونتها، والتي أصبحت في ظل هذا النظام العسكري مصدر بؤس وأداة شقاء للكثير من المواطنين الذين سلطت عليهم لحرمانهم من حقوقهم في الخدمات والوظائف بل ومطاردتهم في وطنيتهم واختياراتهم السياسية ؟!
إن انقلاب الهزيمة في حرب الصحراء العسكري لم يطح كما قلنا بالسلطة المدنية الوطنية الشرعية فحسب؛ وإنما أطاح كذلك بالدولة بمفهومها ومؤسساتها، والقيم والأخلاق والثقافة والنخبة والاستقلال الوطني ومفهوم المواطنة والوطنية التي عملت الدولة ونخبة الاستقلال على صياغتها وإنشائها، وأطاح بالثقافة الوطنية وبآمال الديمقراطية التي كانت تؤسس لها الدولة ونخب الاستقلال، وأفرز لنا نخبة أخرى، من شاكلة النوع الثالث وهي التي تعمل اليوم بتعديلاتها لتأسيس وإخراج جمهورية عزيز الثالثة؟!
سادتي المأجورين من الكتاب والدكاترة للدفاع عن النظام العسكري، وتسويق سياساته، إن مجرد كلمة صغيرة تحمل أهمية وطنية كبيرة، وإن نقدنا لذاتنا لا يبدأ ضرورة بوعي الآخر بل بوعي الذات، وليس علينا أن نطلب من الآخر تحمل مسؤوليات وطننا، بل إن ذلك من مسؤولياتنا نحن، والأجنبي مهما كانت قوته لا يستطيع أن يفعل الضرر في بيوتنا إلا إذا وجد فيهم من يحابيه ويتآمر معه، والعدو الخارجي هنا في حقيقته ليس سوى طفل برئ نحمله نحن ونحمل عليه بخبث، وهذا من باب فضيلة الاعتراف بالذب، وذلك في عالم السياسة هو ما يتكفل به الزمن، فالزمن وحده سيتكفل بحمل الساسة عندنا على الاعتراف بالذب؟!
وقبل ذلك وبعده فإن كل تعديل أو تخطيط أو سياسة تنموية اقتصادية لا تعمل على إطعام كل الأفواه وتشغيل كل السواعد، وتعلم كل جاهل، وتدرب كل متعلم، وتداوى كل مريض وتضيء الدروب، كل الدروب لكل سالك، هي سياسة ضياع وتضيع وبيع للأوهام وخيانة للوطن والمواطن؟
 

16. مارس 2017 - 9:50

كتاب موريتانيا

ذات صلة