العدل والأمن بين شيوخ الوسطية وشيوخ مجلس الشيوخ ؟! / د.محمد المختار دية الشنقيطي

ظاهرتان في الفقه والسياسة في بلدي هما الأغرب في السياسة ولأدعى لتأمل والمناقشة والحوار لا أقول الحوار الشامل وإنما حوار الفقه والسياسة والفكر؟
الأولى: هي تلك الفتوى الفقهية لشيخ شيوخ مدعي الوسطية ونبذ الطرف عندنا بأن أمن واستقرار النظام مقدم على العدالة والتنمية والتنمية للمواطن، 

والثانية هي فتوى المفاجئة والمزلزلة لمجلس الشيوخ الغرفة الأعلى في البرلمان بإسقاط التعديلات الدستورية المقدمة من الأغلبية الحاكمة، وقد أسقطوها خدمة وطنية وولاء لأمن البلد واستقراره واحترام ثوابته؟
والفتوى الأولى جاءت في سياقات متأزمة مشحونة بتداعيات الحرب الكونية على أمة الإسلام لتعبر بوضوح وجلاء عن بؤس الفتوى وتيه تأويل الأحكام لرضي الحكام وجعل الدين خادما للسلطان وموطدا لأركان الطاغيان؟!
والثانية جاءت في سياقات وطنية مشحونة هي الأخرى بمهددات الوجود والبقاء للوطن ككيان موحد له هويته وخصوصيتها، التي يريد لها الحاكمون أن تحرق في عتمة صراع الوجود ومعركة البقاء التي يخوضها النظام، للتغطية على حجم المظالم والفساد والغبن والحيف والإقصاء والتهميش، المصائب التي عممت على كل أرجاء الوطن ومواطنيه باستثناء حاشية الحكم وأعوانه؟
حدثان مهمان في تصدر تدافع الحياة السياسية عندنا وفي مشاهدها الأخيرة، وما أظهرته من تأزم في الحياة السياسية، واستفحال الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وعلاقات تلك الفتاوى أو المواقف بتأزيمها، أو فتح نفق ولو ضيق لأدراك حجمها وبدئ التفكير في إيجاد أنجع السبل لحلها أو حل بعضها الأكثر حدة وتأثيرا في الحياة كالاستبداد والظلم، والتطرف والغلو، ومخالفات الإرث الإنساني وقضايا الوحدة الوطنية، وقضايا التنمية، وبقاء الدولة ووجود مؤسساتها فاعلة وخادمة للوطن والمواطن؟
والعدل المطلوب أصلا كطوق للنجاة هو: القصد في الأمور، أو عبارة عن الأمر المتوسط بين الإفراط و التفريط، ويقابلها الظلم و الجور سر البلاء وعين الداء. و مصطلح العدل يرمي إلى المساواة في إعطاء الحقوق و الإلتزام بالواجبات دون تفرقة لأي سبب من الأسباب سواء كان ذلك: دين أو جنس أو لون، أو خلاف أو موافقة، أو موالاة أو معارضة، أو تطرف أو إرهاب، أو اعتدال أو وسطية؟.
  وتعني العدالة الاجتماعية الغائبة والمغيبة إعطاء كل فرد ما يستحقه وتوزيع المنافع المادية في المجتمع، و توفير متساوي للاحتياجات الأساسية. كما أنها تعني المساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي، والرقي الاقتصادي والوظيفي، ودون أن يكون ذلك محكوم بالولاء للحاكم وسياسته؟.
والإسلام الذي هو أساس وجودنا ومنطلق نهضتنا وسر بقائنا يعلمنا في نصوصه المبرأة من الهوى والتزويرـ إننا أمة الحق والعدل، والخير والوسط، أمة أخرجت للناس، لتهديهم بالحق والذي به يعدلون، وعلى قسطاصه يتمسكون ويتواصون، ويتنافسون في ميادين الخير والبر، ويتسابقون إلى موجبات الرحمة والأجر؟
ونحن في الأصل أمة أمرها ربها ابتداء بإقامة العدل في كتابه أمراً محكماً وحتماً لازماً قال تعالى:{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعماً يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً}،النساء، الآية:58.
وقال:{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً}، النساء، الآية:135.
وشريعة الله قد بنيت أساسا على العدل الذي به يتحقق الأمن، قال تعالى:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ }، سورة الأنعام ، الآية: 82. والشريعة في حقيقتها والمصالح في أساس وجودها وغاياتها مبنية على المصالح الخالصة أو الراجحة، بعيدة عن أهواء الأمم وعوائد الضلال، لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بتقاليد الفساد، وبعيدا عن قراءة كهنة السياسة، وتأويلات فقهاء السلطان، وهي مصالح أسست وروعي فيها أن تكون للنوع البشري كله ليس لقبيلة أو بلد أو جنس أو نظام أو حاكم، وعلى هذه الأسس والمنطلقات جاء الأمر الإلهي، وفي سورة الشورى:{ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتب وأمرت لأعدل بينكم الله ربننا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير}، سورة الشورى، الآية :15.
وهذا هو الإسلام الذي تتنزل أحكامه صدقا، وخيرا وحكمة وعدلا، قال تعالى:{وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلمته وهو السميع العليم}، سورة، الأنعام، الآية : 115.
فلا سبيل يا سادتي لتحقيق الوحدة الوطنيةـ ومعالجة الإرث الإنساني، وحماية الوطن وصيانة مكتسباته، وخلق أسباب التنمية، ومحاربة الغلو وظاهرة التطرف ونشر الوسطية والاعتدال إلا بالعدل، عدل الإسلام الذي يسع الأصدقاء والأعداء، والأقرباء والغرباء، والأقوياء والضعفاء، والمرؤوسين والرؤساء.
عدل الإسلام{لا تظلمون ولا تظلمون}، والذي ينظم كل ميادين الحياة ومرافقها ودروبها وشؤونها. في الدولة والقضاء، والراعي والراعية، والأولاد والآهلين. عدل في حق الله. وعدل في حقوق العباد في الأبدان والأموال، والأقوال والأعمال.
عدل في العطاء والمنع، والأكل والشرب. يحق الحق ويمنع البغي في الأرض وفي البشر. «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العتق.
وفي الحديث الآخر: «ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبه الله في النار» أخرجه الحاكم، وقال صحيح الإسناد من حديث ابن يسار رضي الله عنه.
وإن من أولى ما يجب العدل فيه، قبل الأمن، من الحق حق الله سبحانه في توحيده وعبادته، وإخلاص الدين له كما أمر وشرع خضوعاً وتذللاً، ورضاً بحكمه وقدره، وإيمانا بأسمائه وصفاته.
وأظلم الظلم الشرك بالله عز وجل، ومن أعظمه الاعتداء على حاكمية الله، وخصوصيته في تشريع الأحكام أصالة، وأعظم الذنب أن تجعل لله نداً وهو خلقك، والند هو النظير المقابل، الذي يصرف له شيء مما يتعبد به لله عز وجل، بما في ذلك الولاء والطاعة والبغض والحب، قال تعلى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}سورة، البقرة الآية: 165
ثم يأتي العدل في حقوق العباد وذلك بأن تؤدى كاملة موفورة، مالية أو بدنية، قولية أو عملية. فكل من واله الله شيئا من أمر الأنة مطالب شرعا بأن يؤدي ما عليه مما تحت ولايته كانت كبرى أو الصغرى ثم وهو يقون لدور النواب والقضاة في القضاء والأعمال في كل ناحية أو مرفق.
وفي الحديث الصحيح: من حَدِيثِ زُهَيْرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا »، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، الحديث رقم: 1827، والنسائي، أدب القضاء، الحديث رقم:5379.
فالحكام، وهم كل من تولى مسؤولية من مسؤوليات شأن الأمة مهما كانت حق عليهم أن يقيموا العدل في الناس. وقد جاء في مأثور الحكم والسياسات: لا دولة إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل، ولا عدل إلا بإنصاف.
إن الحكم في الإسلام كله عدل ورحمة في خفض الجناح ولين الجانب، وقوة الحق، عدل ومساواة تكون فيه المسؤوليات والولايات والأعمال والمهمات تكليفاً قبل أن تكون تشريفاً، وتبعات لا شهوات، ومغارم لا مغانم، وجهاداً لا إخلادا، وتضحية لا تحلية، وميداناً لا ديواناً، وأعمالاً لا أقوالاً، وإيثارا لا استئثاراً، إنصافا للمظلوم، ونصرة للمهضوم، وقهر للغشوم، وردع للظلوم، رفع المظالم عن كواهل المقروحة أكبادهم، ورد الاعتبار لمن أذلهم البغي اللئيم، فالمسئول واجب عليه في الإسلام ألا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا تعويق واهم، وإن حداً يقام في الله خير من أن يمطروا أربعين صباحاً.
وفي مثل هذا صح الخبر عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال» روى مسلم، عن عياض بن حمار المجاشعي- رضي الله عنه الحدث رقن: 2865.
وفي مسلم والبخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي – صلى الله عليه وسلم قال:" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ يعبد الله، ورجل قلبه معلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق لصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه".
وما هو مطلوب في المقام الأول تأسيسا لمقومات الوحدة الوطنية ومحاربة آثار الإرث الإنساني والغلو والتطرف ونشر الوسطية والاعتدال، وصونا لبلدنا من التفكك، ومهددات الجود هو أنبسط فيه كله العدالة الاجتماعية والتي تعتبر من أهم مكونات و أساسيات العدل في الإسلام، وحماية الدول وصيانة مكتسباتها؟
يقول صاحب الظلال في تفسير القرآن بالقرآن سيد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام أن هناك ثلاثة ركائز تقوم عليها العدالة الاجتماعية في الإسلام. هذه الركائز هي التحرر الوجداني المطلق و المساواة الإنسانية الكاملة- ولعل وقفة الشيوخ اليوم هي نوع من تجسيد ذلك التحرر- و التكافل الاجتماعي الوثيق حيث أن كل عنصر مبني على الآخر.
و يعني بالتحرر الوجداني هو التحرر النفسي من الخضوع و عبادة غير الله لأن الله وحده هو القادر على نفع أو ضرر الإنسان. فهو وحده الذي يحييه و يرزقه و يميته دون وجود وسيط أو شفيع حتى لو كان نبي من الأنبياء.
فلقد قال الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم:-{ قل إني لا أملك لكم ضرا و لا رشدا} ،سورة الجن، الآية 21. فهل يا سادتي الشيوخ يملكه الرئيس أو الحرب؟
وقال:{ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}، سورة آل عمران،الآية: 64.
فالهدف من التحرر النفسي من الخضوع لغير الله هو التخلص من الخوف و التذلل لغير الله لنيل رزق أو مكانة أو أي نوع من أنواع النفع عن يقين أن الله وحده هو الرزاق.
و لكنه قد ينجح الإنسان نسبيا في أن يتحرر من عبودية كل ما هو سوى الله تعالى في حين أن هناك احتياجات طبيعية بشرية خلقها الله في الإنسان أهمها المأكل تعوق التحرر الكامل و الحقيقي.
و من أجل أن يحقق الإسلام هذا التحرر الوجداني بصورة فاعلية و واقعية، فلقد وضع الله من القوانين و التشريعات ما يضمن للإنسان احتياجاته الأساسية و بالتالي يساعده على تحقيق التحرر الوجداني الكامل.
و من أهم هذه القوانين هو وضع مبدأ المساواة كمبدأ أساسي من مبادئ الإسلام. فبعكس كل من أدعى أنه من نسل الآلهة و كل من تصور أن دمه دما أزرقا نبيلا أرقى من بقية الشعب، جاء الإسلام ليساوي بين جميع البشر في المنشأ و المصير.
فلقد قال الله تعالى:{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء}، سورة النساء، الآية 1.
و قال:{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم }، سورة الحجرات، الآية 13.
و قال:{ و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا }، سورة الإسراء، الآية 70.
فالكرامة مكفولة لكل إنسان و الفرق بين الناس عند الله هي درجة تقواهم و ليس جنسهم أو لونهم. أما القانون الثاني الذي وضعه الإسلام لضمان التحرر الوجداني الحقيقي فهو التكافل الاجتماعي. والتكافل الإجتماعى يقصد به إلتزام الأفراد بعضهم نحو بعض؛ فكل فرد عليه واجب رعاية المجتمع و مصالحه. و ليس المقصود بالتكافل الاجتماعي في الإسلام مجرد التعاطف المعنوى من شعور الحب و المودة، بل يتضمن العمل الفعلي الإيجابي الذي يصل إلى حد المساعدة المادية للمحتاج و تأمين حاجته بما يحقق له حد الكفاية. و ذلك يكون عن طريق دفع الزكاة، فإن لم تكفي فيؤخذ من الأغنياء ما يكفي للفقراء؟!.
 

19. مارس 2017 - 7:04

كتاب موريتانيا

ذات صلة