هل تفعل المعارضة الثقافية في موريتانيا ما عجزت عنه المعارضة السياسية؟ / سعدبوه ولد الشيخ محمد

يؤكد التاريخ أن جميع رؤساء موريتانيا وصلوا إلى السلطة،أو غادروها عبر انقلاب عسكري، تقوم به القوات المسلحة، وقوات الأمن، بمن فيهم الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، وينحصر دور المدنيين عادة في دعم الانقلاب بعد حصوله، والتمكين للحكم الجديد، ومع تغير المعطيات، ورفض الانقلابات، يبدو أن معارضي ولد عبد العزيز يتجهون لمحاولة الإطاحة به عن طريق القوة الناعمة هذه المرة.

وتتركز خطة المعارضين للنظام على محورين اثنين، الأول الاحتجاج الجماهيري( والمظاهرات، والمسيرات، والمهرجانات، والاعتصامات)، وقد جرب المعارضون هذا الأسلوب على مدى السنوات الماضية، ولم يحدث كبير أثر على نظام ولد عبد العزيز الذي يبدو أنه فهم كيف يتعامل مع هذا الأسلوب، مـُحولا حراك المعارضين في الشارع إلى فعل روتيني عبثي لا يقدم، ولا يؤخر، لذلك ظل يمنحهم حرية التظاهر دون قيد، أو شرط، لكن المحور الثاني من مخطط الانقلاب عبر القوة الناعمة قد يكون أبلغ تأثيرا، وهو "المعارضة الثقافية" التي ينحني فيها السياسيون قليلا، ليتركوا الصدارة للشعراء، والفنانين، والمثقفين، والقانونيين، وقد شهد البلد مؤخرا تصاعد وتيرة الأنشطة الثقافية، والفنية المعارضة للنظام، والهادفة لتسفيه خياراته، وتشويه صورته لدى الشعب، والخارج، فبتنا نتابع كل أسبوع – تقريبا- أغنية معارضة للنظام، وأصبح الفنانون يتسللون واحدا تلو الآخر إلى صف المعارضة، ومنهم من يهاجر إلى الخارج بدعم من رجال أعمال معارضين للنظام وجدوا في هؤلاء الفنانين ضالتهم، فاحتضنوهم، ومولوهم، وكان الفنانون بحاجة لذلك الدعم، بعد أن عاشوا سنين عجافا من الركود، والبوار لتجارتهم، حيث ظل الرئيس ولد عبد العزيز يعتبرهم رمزا للفساد، وتبديد المال العام، والتزلف للأنظمة الفاسدة.
كما ساهم الشعراء بقوة في هذا الحراك المعارض لولد عبد العزيز، وجاء المؤتمر الصحفي الأخير للرئيس ليشكل القطرة التي أفاضت كأس العلاقة بين النظام، والشعراء، بعد أن قلل الرئيس من شأنهم، واعتبر الاهتمام بالشعر، والأدب مبالغا فيه، داعيا للتركيز على العلوم التجريبية، وقد شحذت تصريحات ولد عبد العزيز هذه قرائح الشعراء، فراحوا ينظمون – فرادى، وجماعات- القصائد العصماء في انتقاد النظام، والتعريض بالرئيس، وبات الموضوع مادة دسمة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي هي من أقوى أسلحة القوة الناعمة التي يعول عليها معارضو ولد عبد العزيز  في إسقاط نظامه.
واليوم تلتحم المعارضة الثقافية، بالسياسية في أبهى تجلياتها، بعد إعلان الفنانة، وعضو مجلس الشيوخ المعلومه بنت الميداح عزمها تنظيم أمسية فنية سياسية كبيرة للترويج لرفض التعديلات الدستورية، من داخل الأغلبية، وبمشاركة المعارضة، وعندما يجلس قادة منتدى المعارضة، مع الرؤساء السابقين (اعل ولد محمد فال، محمد خونه هيداله، سيدي ولد الشيخ عبد الله) إلى جانب أعضاء من مجلس الشيوخ من الحزب الحاكم على خشبة واحدة، ويتسامرون على أنغام الشيخة، والفنانة المعلومه رفضا للتعديلات الدستورية تكون المعارضة الثقافية للنظام قد دخلت منعطفا حاسما، خاصة وأن وسائل الإعلام الوطنية، والأجنبية –عبر مراسليها في انواكشوط- ستمنح هذا الحدث تغطية واسعة، بالنظر للمكانة الفنية، والسياسية للمعلومة بنت الميداح، وهي معروفة على نطاق واسع في العالم العربي، والغربي، وهنا لا بد أن نشير إلى دور فرقة "أولاد لبلاد" التي يردد أغانيها الأطفال في الشوارع، ويحفظونها عن ظهر قلب، وهي أغان طبعا تنتقد النظام، وتشوه صورته، هذا فضلا عن الرسوم الكاريكاتورية التي تعري سياسة النظام، كما يفعل أبرز رسام كاريكاتوري في البلد خالد ولد مولاي ادريس، وهو بالمناسبة أعلن ترشحه لرئاسيات 2019 لخلافة ولد عبد العزيز.
وإزاء هذا كله يبدو ولد عبد العزيز غير مكترث بهذه الظاهرة، وكأنها لا تستحق الاهتمام، والمجابهة، وهو أمر خطير قد يرقى للخطيئة السياسية، إن لم نقل الغباء السياسي، فالمجتمعات في النهاية تتأثر أكثر ما تتأثر بشعرائها، ومثقفيها في طبقة النخبة، وتتأثر بالفنانين، ومغني الراب في طبقات الشباب، والنساء، ولا أظن أن أي نظام، أو رئيس يفرط في دعم هذه الطبقات يمكنه أن يستمر في الحكم، أو يروج لسياساته لدى الشعب.
إن على نظام ولد عبد العزيز أن يبادر للتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ويفتح صفحة جديدة مع أهل الأدب، والفن، فاستعداؤهم لا يجدي نفعا، وعلى النظام ألا يترك الصورة النمطية السائدة لدى الناس عنه باعتباره نظاما يقف ضد الشعراء، والفنانين تترسخ في الأذهان، وعليه التصالح معهم، فهو في أمس الحاجة إليهم، وعلى الرئيس أن يفهم أن السياسة فن الدعاية، والإقناع، ويمكن لأغنية فنية، أو قصيدة شعرية أن تستميل من الجمهور، وتقنع من الناس ما يعجز آلاف السياسيين عن إقناعه، لو أنفقوا ما في الأرض جميعا، أحرى وهم لا يوزعون على المواطن سوى الوعود الكاذبة، وحتى الأموال التي كانت تـُـضخ في المواسم السياسية، ويستفيد منها الجميع لم تعد موجودة، وباتت المواسم السياسية جافة، مرهقة، ومتعبة، وخالية من أي دسم،.. سيدي الرئيس هذا هو الواقع، ومن يقول لكم غير ذلك صنفوا كلامه في خانة المعارضة الثقافية.

20. أبريل 2017 - 13:37

كتاب موريتانيا

ذات صلة