عن تكريم "أردغان" وقناة "الجزيرة" / أحمد ولد محمد المصطفى

altلم أتفاجأ بملاحظات سيد محمد ولد ابه على تكريم الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني لرئيس الوزراء التركي وقناة الجزيرة الفضائية، لأني –ببساطة- أدرك أن للتكريم عند هؤلاء معايير أخرى لا تتوفر قطعا في رجب طيب أردوغان ولا في قناة الجزيرة. 

لهؤلاء معايير تقوم على السباحة ضد التيار، ومصادمة الواقع، وإطلاق قنابل صوتية، وإقامة صروح من الأوهام... تسبح في "عالم ثالث" غير عالمنا، إنهم يفكرون ويعيشون في "عالم" يوجد في ذهن أبي منيار قذاف الدم القحصي القذافي. لذا لا يستغرب إطلاقا إن وجدوا في تكريم أردغان أو الجزيرة خروجا عما كانوا يتوقعون، أو إن تساءلوا عن الجمهور الذي اختارهم للتكريم، وكذا عن طريقة الاستفتاء، فهو لم يتم عن طريق "المؤتمرات الشعبية" والدكتاتورية المباشرة. كان على أردوغان إذا أراد التكريم –وفق منطق هؤلاء وفقههم الأعرج على حد تعبير الكاتب محمد سالم ولد محمدو- أن يكون وصل إلى الحكم عن طريق انقلاب، ثم يعلن عن كتب حمراء أو صفراء، ويتحدث عن ديمقراطية –مباشرة- مؤداها بقاؤه في الحكم لأربعين سنة، وتبديده لأموال الشعب المسكين، في تغطية نزواته ونزوات أبنائه "الميامين". كان عليه أن يستهدف طائرة مدنية في مكان ما، ويفجر ملهى ليليا في مكان آخر... ليدفع تعويضات ذلك من قوت الشعب المغلوب على أمره، عليه إذا أراد التكريم –وفق منطق هؤلاء- أن يجمع قبائل أوربا أو قبائل آسيا –لا يهم- ليقيم لهم كرنفالات لا ينتهي أحدها إلا ليبدأ الآخر... كان عليه أن يعلن الجهاد على اليونان أو فرنسا أو أي دولة تتصرف تصرفا لا يروق له... لتنعم –بعد التهديد- بطول سلامة... كان عليه أن يطلق قنابل من اللغو لتتفجر في سماء الغرور، أن يصنع لنفسه عالما حالما... ويدعي عظمة لا وجود لها في الخارج... للنهر والأرض والشعب والقومية أحرى الزعيم... كان عليه أن يفسر الأحداث وفقا لرؤيته الخاصة، فالحلول المقترحة لحل الأزمة العالمية سرقةُُ من تحت الطاولة للأفكار التي عبر عنها قبل ثلاثة عقود في الفصل الثاني من الكتاب الأخضر بعنوان "حل المشكلة الاقتصادية– الاشتراكية 1978" وانتخاب باراك أوباما، تحققُُ لتنظيره قبل نحو ثلاثة عقود في الفصل الثالث من الكتاب الأخضر بعنوان "الركن الاجتماعي للنظرية العالمية الثالثة 1979"، حيث قال فيه (إن الأفارقة سيحكمون العالم ذات يوم). كان على أردغان أن يقترح دولة اسمها "تركنان" لحل المشكلة القبرصية، وأن ينصب نفسه ملك ملوك أوربا أو آسيا، وأن يصنع عدوا خياليا، وينفق الملايير في حربه، ثم يعود ليقبل يده ويقدم له أسلحته، في غلاف من الخوف، ويفرح بأي زيارة أو لفتة يحصل عليها منه. أما وأن رجب طيب أردغان عاش عالمه كما هو، واتضح له الفرق جليا بين النظرية والواقع، ونظر إلى القضايا والأحداث نظرة ترى كل الألوان، وليس الأبيض والأسود، أو "الأخضر وحده"، وأحب شعبه واحترم إرادته، وأعاد تركيا إلى حضنها الحقيقي، وبوأها مكانها المناسب، فأصبحت في مقدمة الأمة الإسلامية، تدافع عنها وتُسمع صوتها، وتمثلها أحسن تمثيل، بالأفعال لا بالأقوال، وبمنجزات واقعية لا بأحلام يقظة. لأول مرة في تاريخ الكيان الصهيوني يرى نفسه في موقف ذل، أول اعتذار قدمه الكيان الصهيوني في تاريخه، كان لحكومة أردغان، لأن اليهود أدركوا أن من يتعامل معهم هذه المرة، يختلف عمن تعامل معهم في المرات السابقة، يدركون أن شعبه يقف وراءه، وأن الأجل الذي ضرب لهم لن يمدده. كان أردوغان واقعيا في تعالمه مع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وهي واقع وجده أمامه، كما كان واقيعا وحكيما في تعالمه مع الواقع التركي ذاته، بعيدا عن العنتريات التي لا تؤدي إلا "إلى دفع الغرامات من قوت الشعب، مع ذلة وضعة، وخضوع بالقول والفعل". أردغان يستحق التكريم لأنه أعاد للأمة الإسلامية عزها، لأنه قال ما عجز عنه كل القادة العرب والمسلمين، لأنه حضر في الوقت المناسب وتكلم في الوقت المناسب وانسحب في الوقت المناسب، شارك في المؤتمر فلم يؤذ الحاضرين بدخانه، حدثهم وأسمع صوته وصوت الأمة من خلفه دون أن "يلعن شنب محدثه" بل أسمعه وأسمع الحاضرين والمشاهدين والمنصفين في العالم كلمته، كلمة الحق والإنصاف، والدفاع عن الأهل والأرض والعرض. أما موقفه من العدوان على العراق فكان مشرفا، حيث فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في إدخال طائرة واحدة لسماء تركيا طيلة العدوان على العراق. وقد استغربت حديثك عن دوره في هذا العدوان، مع أن موقفه حينها كان مشهودا، أو لعلك كنت حينها خارج عالمنا، ولتذكيرك –أو لعلمك- فقد صوت البرلمان التركي (الذي يمتلك العدالة والتنمية أغلبية فيه) ضد الترخيص للطيران الأمريكي بدخول الأراضي التركية، ولم تنجح الضغوط الأمريكية في ثني عزم الأتراك، ولا في دفعهم للمشاركة في عدوان كانت نتائجه كارثية، مع أن دولا عربية شاركت في العدوان، وأعطت أرضها وسماءها وماءها للأمريكيين، كما أن دولا أخرى بعيدة كل البعد عن العراق، دفعها العدوان –على ما يبدو- لتسليم أسلحتها، والانقلاب على خطابها، والتزلف المقزز للأمريكيين والبريطانيين. أما قناة الجزيرة فقد اعترف لها ولد ابه بدورها الكبير في إنارة الرأي العام العربي، لكنه أخذ عليها أنها "أول قناة تخترق الجدار النفسي القوي بين المشاهد العربي والصهاينة"، والملاحظة التي ترد هنا، أنه لو كان الجدار قويا لما خاف من كلمات متعثرة، بلغة ركيكة، تنبعث من فِي مجند بسيط في "جيش دولة إسراطين". لقد استبشرت بحديثه عن الصهاينة، وذكره "لجدار نفسي يحول بينه وبينهم- وسبب استبشاري عائد إلى أنه مريدو أبي منيار عودونا على افتراضهم لأمور لا وجود لها، ثم التعامل مع الافتراضات كواقع، وعليه يكون الموجود الآن –عندهم- هو "إسراطين" لأنها الحل الوحيد الممكن في العالم الثالث الذي يعيش فيه هؤلاء؛ إن لم يكونوا تجاوزوه. ثم إن "الجدار النفسي" –بالمناسبة- يواجه خطورة أخرى، لعلها أخطر من حديث مجند مرتبك- ربما يكون نجل القذافي سيف الإسلام والمواطنة الإسراطينية أورلي فاينرمان أدرى بها، وهي التي تزور الجماهيرية بانتظام، في انتظام في مهمة قد لا تكون مقدسة. وعموما جاء تكريم أردغان والجزيرة –كما ذكرت في مقالك- بعد استفتاء، شاركت فيه نخب وأطر وصحافة وطلبة، إضافة لناس بسطاء، أداهم تفكيرهم الحر، -أو تفكير بعضهم- إلى اختيار أردوغان من قائمة شملت إلى جانبه شخصايات وطنية ودولية، من بينها رئيس البرلمان الموريتاني مسعود ولد بلخير، والرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، وقد اختار هؤلاء في تصويتهم رجب طيب أردغان، وقناة الجزيرة، معللين اختيارهم بدور الأول في نصرة القضية الفلسطينية، ودور القناة في كشف الحقائق على الأرض، وفضح الممارسرات الصهيونية اللا إنسانية. قد لا يكون الاستفتاء تم بطريقة "الديمقراطية المباشرة"، أو على الأصح "الدكتاتورية المباشرة"، كما أنه لم ينل قطعا تزكية اللجان الشعبية، ولم يبصم عليه أبو منيار قذاف الدم القحصي القذافي. وعليه لن تفهموه ولن تستسيغوه، لأنكم تعيشون في عالم آخر... عالم النهر العظيم والزعيم العظيم وقبائل الصحراء العظيمة وإفريقيا العظيمة... وربما غدا –إن لم يكن اليوم عند سيف الإسلام- "إسراطين العظيمة".

9. مايو 2010 - 10:12

كتاب موريتانيا

ذات صلة