عن الوسطية والعربية... رد على ردود / محمد سالم ولد محمدو

altشغل الناس هذه الأيام الضجيج المتصاعد حول لغة القرآن من جهة والاصطفاف الكبير حول "أزمتها"، ثم الضجيج المفتعل حول مؤتمر الوسطية الأخير الذي نظمته جمعية المستقبل. وتناول الناس الموضوعين في كتابات فيها السمين وأكثرها الغث،ومنها القوى وجلها الخائر الضعيف.

تشع من بعضها ومضات الصدق والتحليل المنطقي والموضوعي، وتفور من أغلبها رياح الزيف والتزييف والمبالغة والتهويل، لتصدق بذلك أن أزمتنا الكبيرة اليوم هي "هجمة الحروف الكسيرة، والأقلام المتعالمة، والأسطر الرجزاء المرتبكة" التي تصنع مدنا من الفقاعات، وسيوفا من الورق، ثم تذهب تطعن كل مطعن. وإذا ما خلال "الشجاع" بأرض ** طلب الطعن وحده والنزالا **** كتب بعضهم في مقال غير جميل وأحرف غير منصورة ردا على جميل بن منصور، ونسي أن من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم " فليقل خيرا أو ليصمت"، ولكن ابن خيري يهرف بما لايعرف. ثم نجم قرن ثالث فاستعار اسما قد لا يعيده سريعا، ضمن ما يستعير ثم لا يعيد، وأرعد دكتور آخر وأبرق، ثم كتب بتساقط وتآكل عن "مسلسل الهروب"، فتتالت كلمات "مقالته" عجفاء خائرة تنبئ عن قلم معتوه، وفكر مشوه. عن المخاض والعنوان الذي اتخذ منه الكاتب حبلا تأرجح عليه إلى أن سقط في نهاية مقاله ورأسه يكاد يطير "هل حرية الرأي تقزم الأفكار؟" عنوان عجيب غريب وأظنه مما "تفتح له الكتب" فلا يوجد لها فيه تفسير ولا تعليل فهو من قبيل "الخنفشار". وبمدخل ليس مدخل الحمراء، تحدث بن خيري بضمير المعظم نفسه، العارض على الناس زيف فهمه وتحليله للأمور، مستفسرا ومرشدا، وعاطفا بواوات لم تدر في خدود الملاح، ليصل إلى عبارة "تمخضت الحركة الإسلامية فولدت حزب تواصل". وأنت إذ تقرأ لابن خيري وهو يتحدث عن المخاض، لتحس أن الرجل يعيشه بالفعل وأن "صرخات الطلق تتردد بين شدقيه" فلا تظفر بأكثر من صراخ متطاير الشظايا وزيف متناثر الفتات. ولو وقفنا عند رمزية هذه "المخاضية" لعددنا من "المخاض" الذين عجزوا عن مجرد "ولادة فأر" هذا المقال الأعجف للكاتب والمسار السياسي لمن يقدمه ويتباهى. ذلك أن فقها وسياسة وعلما ووطنية ينتهي ببيعة خارج الحدود وتزلف على الموائد الدسمات يدفع إلى الخوف على "تطبيق الشريعة، والخوف على الوطنية والخوف على العربية" أليس القوم قد بايعوا ونظموا أنفسهم في سلك المريدين؟ "والمريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله" وما يرغب هذا الميت في أكثر من نضح ورش، ليجلو غبار أيامه النحسات. ويقف الرجل متسائلا عن السر عن تسمية تواصل بالحزب ذي الخلفية الإسلامية، والجواب في ذلك سهل ميسور فتواصل حزب مدني موريتاني هو جزء من إسلامية المجتمع الموريتاني عامة، لا يتميز بها عن غيره، ولا يتاجر بها متاجرة البعض بها، ولا يتركها أن تركها البعض أو ازوروا عنها ازورارا، فهي إسلامية محوطة "بتقوى سياسي" تحتضن الهدف ولا تتخذه وسيلة، والحق أن الناس اليوم ما بين ذي "خلفية إسلامية" إليها يستند، وعليها يعتمد، فهي "منطلقه ومساره" ومنهم من يحمل "رأسية إسلامية"، تخفي وراءها إسلامية قريبة من تلك التي عبر عنها الإمام الزاهد مالك بن دينار رحمه لله في موعظته السائرة. حيث يقول "مثل قراء هذا الزمان، كمثل رجل نصب فخا ونصب فيه برة فجاء عصفور فقال: ما غيبك في التراب ؟ قال التواضع، قال: لأي شيء انحنيت ؟ قال من طول العبادة، قال فما هذه البُرَّة –المنصوبة فيك ؟ قال: أعددتها للصائمين، فقال: نعم الجار أنت، فلما كان عند المغرب دنا العصفور ليأخذها، فخنقه الفخ، فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العباد اليوم". الأمر يا سيدي واضح، هي إسلامية شرف وانتماء وإسلامية تأصيل واقتداء، وإسلامية قول وفعل، وليست إسلاما يباع ويشتري، يكون تارة سبحة ومشيخة ووزارة تارة وحزبا وتارة سفينة. يتحدث الكاتب عن الهرولة والتساقط في شباك السلطة وهي خلة ليست "فضيلة" على كل حال، لكن الحديث عن "هرولة تواصل" إلى السلطة والتحالف مع الأغلبية تارة، ومع المعارضة غالبا، حديث مسموم لدى الكثيرين، ممن اختطوا لتواصل مكانا لا يبرحه وأفقا إلى السماء لا يتجاوزه، وأكثر هؤلاء مهرولون يمنة ويسرة، والحق أن تغيير المواقع وربما المواقف والجلود لم يعد علامة فارقة في موريتانيا، أما سمعت أن مرشحا للرئاسيات في بعض بلاد الله الواسعة ترشح ذات يوم للرئاسة ثم انسحب قبل السباق مقابل سفارة حصل عليها، فهل هرول المترشح حينئذ أو مشى الهوينى كما يمشي الوني الوجل، وآخر ذهب يفاوض عن حزبه في بعض بلاد الملثمين لدخول الحكومة فلما لم يجد غير وزارة واحدة قال "اكتبوني فيها" على طريقة "أول ما إسبك المجنب راص"، وآخر قيل له قد منح الرئيس حزبك وزارة واختار لها فلانا نائبك، فقال ما علمت لكم من وزير غيري. والخلاصة في "مشكل الهرولة" – ولست في وارد رد التهمة عن تواصل ولا درأ الشبهة - أن اتخاذ حزب سياسي أو جماعة سياسية موقفا سياسيا أو تموضعا حزبيا، يجب النظر إليه دائما بمستوى من الإنصاف الذي هو من خلق الإشراف، ما لم يظهر خلاف ذلك، كأن يلي خيار الناس وعظماؤهم بعض الولايات العامة فيوسعوها فسادا وإفسادا ويتركوها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا تردد بعدهم قولة العصفور "إن كان القراء يخنقون خنقك فلا خير في قراء اليوم". وثق أيها الفاضل أن الإسلاميين من أبناء تواصل يعرفون في تحالفاتهم ومواقفهم كيف يخدمون الإسلام بالسياسة كما يعرف غيرهم كيف يخدم السياسة بالإسلام،ويمتهن الفقه للمناصب. عن الزعامات الزعامة منصب يطمح الجميع إليه، وربما ولد بعض الناس "وفي فمه ملعقة من ذهب" وأيدي المريدين تدغدغ جسمه البض ومشاعره، فترفعه إلى علالي السماء، ثم يهبطه الواقع إلى الأرض، فيعيش حالة مرضية عجيبة كتلك التي عبر عنها محمد المويلحي في مسرحيته الشهيرة "عودة الباشا" حيث يعيش بعض الناس "إمارة في رأسه" ويظل "التصفيق" يرن في أذنيه أبد الآبدين. ومن هذا المنطلق تتشكل زعامات "ورموز غبارية" يعود بعضها بعد سنين من الفتور والانسحاب السلبي من الحياة العامة، فينادي "أنا ربكم الأعلى" فيرد عليه الواقع "تبر وافشك ذاك" فليست الزعامة دعوى يرددها كل ناعق. إن الزعامة والطريق مخوفة ** غير الزعامة والطريق أمان تلك هي حقيقة ما يرمز إليه بن خيري من زعامات، وما يشير إليه من رموز، وإلا فإن العمل الإسلامي في موريتانيا بمختلف توجهاته وجهاته، متناغم متكامل يجمع علم الشيخ الددو وموسوعيته إلى اجتماعية الشيخ محمد ولد سيدي يحيى وفاعليته الجماهيرية إلى تزكية الشيخ النحوي، وفقه العلامة اباه ولد عبد الله، إلى صدق التبليغيين، ونصح الشيخ الإمام أحمدو ولد لمرابط. هو فضاء عام من الزعامات الإسلامية الحقيقية التي تبني وتعمر وتتكامل وتتناغم، وكل منها على ثغر من ثغور الإسلام، ولن يؤتى الإسلام من قبله، أحرى أن يكون ثغرة من ثغرات الإسلام. عن الوسطية كتب عن الوسطية كتاب متعددون، وأسخف الكثير منهم في مقالاته ومن ذلك الفقرات التي خصصها البشير ولد خيري في مقاله المتقزم، ومنها مقالة عريضة لأحد الذين يتترسون بالأسماء المستعارة وشان بها نضار موقع التيسير الذي كان الأولى أن يأخذ من سمت وربانية الشيخ محمد الحسن ولد أحمد الخديم حفظه الله ما يضيئ له المسيرة ويهدي له البوصلة، فيكون منارة وسطية ولسان صدق لا ميدان سباب ومحطة تزييف. وبالجملة فالحديث الجافي عن الوسطية اليوم حديث مجاف للحقيقة، مخالف للواقع، ومن يعتبر الوسطية صناعة غربية يتميز بخاصيتين أولاهما: جهل خصائص الإسلام العامة وفلسفته الضابطة، والثانية: جهل الأدبيات الإسلامية المعاصرة جهلا مركبا. الوسطية ضمن فضاء الخصائص العامة للإسلام تمثل "الحمض النووي" للإسلام، والالتفاف اليوم حولها في وجه فعاليات التطرف السياسي والديني والاجتماعي، يجب أن يكون محور الجميع، وراية الجميع التي يهفو إليها، وتخفق في فؤاده. غير أن مؤتمر الوسطية الأخير الذي نظمته جمعية المستقبل ترك لذعة ميسم قوية على قلوب البعض ونفوسهم، لأنه بالفعل كان مؤتمرا مميزا حجما وحضورا وفعاليات ونوعية قرارت ونتائج. ودل على فاعلية الوسطيين وقدرتهم على التكامل مع الجميع، وعلى رفع أعمدة "الخيمة الجامعة" لكل الإسلاميين، ولم الشمل تحت "بيعة للمنهج السوي، وعهد على خدمة الإسلام" والناس مختلفون "في قصد الخيام، وفي البيعات" ولله في خلقه شؤون. ليست الوسطية مقياسا ميكانيكيا، ولا مسافة زمنية، وليست كل موقف بين موقفين، ولكنها كما عرفها المؤتمر وخلص إليها أدب الخلاف وفقه الحوار وهي فوق ذلك نظم تعكس تكامل العمل الإسلامي وتقدمه في ثوب يقنع الناس به ويحببه إليهم، فيدخل القلوب ويعمرها، ويأخذ بمجامع النفوس ويزكيها، ويهديها سواء السبيل، لا أن يستمر فورة غضب وجدال وصراع منه يعيش بعض الذين يعيشون من ظلال المشيخة. نعلم أن دعاية قوية تستفيد منها قوى سياسية وجذوع اجتماعية خاوية هي التي تقف اليوم وراء الدعاية حول مؤتمر الوسطية، والوسطية بشكل عام، فأهل التفريط والإفراط لا يرغبون في شفاء مرض، وإن تصبكم حسنة تسؤهم. مفهوم ومقدر في سياقه ذلك "الرغاء المتواصل" من بعض الذين أظهر مؤتمر الوسطية أنهم بالفعل أقزام في الساحة، ضعاف الوجود وأن أصواتهم مبحوحة لا تتجاوز آذانهم، وأن مكانتهم التي يتحدثون عنها ليست أبعد من أنوفهم التي يزكمها الأريج وتتلذذ بالسباب. يأخذ "صاحب التطبيل" على الندوة أن أشادت بشنقيط وبجمعية المستقبل وبالعلامة الددو، وهل يعرف الكاتب المسكين أي عيب يعاب به الثلاثة؟ ولكنه الحسد الذي يختمر في النفوس والنكيثة التي تستولي على الشغاف فتحول المرأ كذابا أشرا عندما يجزم أن الثناء على "الثلاثة الأخيار" حول الندوة عن هدفها الكامل وهو بحث الوسطية فكرة ومنهاجا. ويجزم الكاتب أن المتحدثين عن الوسطية اليوم ما بين راغب في المال ساع إليه أو راهب لملف إرهابي، والحق أن طلب المال والبحث ليس سبة لدى كثير ممن يملأون الساحة ضجيجا وصراخا. فالمال مغر بالهوى ميال كل له في طبعه أحوال يجمع بالنذور والهدايا ............الخ ثم يهرف الكاتب ويراكم التزييف، عندما يستعرض النصوص الشرعية في الحديث عن الوسطية، ويتساءل أين الوسطية؟ ألم يدع مؤتمر الوسطية إلى تطبيق الشريعة بين عباد الله، ألم يدع إلى فقه سواء يدافع عن الثوابت ويرسخها، ويزيد لحمة التعايش والتماسك بين المسلمين قوة وتآلفا، ألم يدع إلى ترسيخ قيم الوسطية في نظم التعليم التي خلت منذ سنين من أي شيء يربط الطالب بحضارته وانتمائه الإسلامي. أم أن كل هذا جريمة نكراء، كان ينبغي أن يصدر المؤتمرون فتوى بإعلان "حرب مقدسة" ضد الأخضر واليابس، وضد الحي والميت، كما يفعل بعض. أي مداهنة وأي تساقط في شد أزر المجاهد الصادق، ونصرة المظلوم وتبصير الجاهل، وإرشاد الضال كما دعا إلى ذلك المؤتمر ونص عليه علماؤه، وأثبتوه فتاوي وبحوثا وبيانا خاتما. ألا يحق التساؤل عن أي بديل يقدمه "خصوم الوسطية" غير التطرف بوجهه الشائن، وأظافره الحديدية؟ أي عائد مادي أو معنوي سيحصل عليه المتصايحون يمنة ويسرة إذا ما استمر التطرف وتتوالت فورة الدم الحرام؟ أم أن أرواح العشرات من أبناء البلاد الذين سقطوا على يد الإرهاب وبفتاني الإرهاب لا تستحق الحراك الفاعل من أجل بلورة فضاء ثقافي يشمل الجميع، ينتزع الحقد والغل والجهل والتطرف من النفوس ويبني لها مكانها حصونا للسلام وفضاءات للتعايش؟ أهو بقاء حال الزيف على ما كان عليه، والفوضى في الفقه والفتوى على ما هي عليه، وتسليح كل منحرف بلسان حديد، وقلم وسلاح فيقتل من السنن والمعارف والمقاصد الإسلامية ما شاء، ويهدم من منارات التقوى ما أراد، ويرهن الناس لزيف الخرافة وسراب الدجل، أو يفجر الأرض وينسف خضراءها؟ أما المقترح الأخير عن "ندوة حول التفريط" فهو مقترح منسجم مع ذات صاحبه، وكل إناء بالذي فيه يرشح، فبعض يرشح عطرا، وبعضا يرشح بما يليق به. وأعتقد أن لأهل المستقبل ما يشغلهم عن التفريط والإفراط، خصوصا أن لدى الكاتب وفضائه ما يمكنه من "تنفيذ" ندوة التفريط ومدها بما تشاء من أفكار غير نيرة وضيوف غير متنورين. فاشتغل في التفريط أيها السيد الكريم، فذلك تخصصك وتلك قدراتك، وتلك أيضا مقترحاتك، ودعوا أهل المستقبل يضعون معالم الوسطية ويرفعون منارات الاعتدال. واتجه نحو "صحراء الإفراط والتفريط" فهي لك ولأخيك وللذيب. دكتور الهروب الدكتور إسحاق الكنتي، الذي كتب قبل فترة عن الشيخ محمد الحسن كلمات غاية في السقوط والترهل، يخرج من سكرته من جديد في حديث خائر عن إخوان موريتانيا... ومسلسل الهروب. ويأخذ على الإخوان الموريتانيين ما يعتبره ... هروبا من الإسلامية، ونفورا من اللغة العربية، ويقتطع في مقاله على طريقه الحشو والقص واللصق، مقتطفات من مقال الأستاذ محمد جميل ولد منصور وحواراته السابقة. وباختصار يمكن الوصول إلى ما يلي. - أن إسلامية تواصل ليست سوقا للمزايدة والمغالطة، كما يعتمد بعض إسلاميي البيعة، ولكنها ضابط للتوجه وهاد للسبيل، وهذه حقيقة تعشى الذين لا يريدون أن يروا غير ما تريهم نظاراتهم العازلة. - زيف وتزييف أن التواصليين يرهبون انتماءهم الإسلامي، لكنهم لا يتخذونه وسيلة ابتزاز ،وليس بالنسبة لهم اكتشافا جديدامن مكتشفات 2010 ينحصر في بيعة وجهاد غير محدد الوجهة ولا الهدف ولا السبيل. - أن تطبيق الشريعة ورفع القوانين إلى مستوى التطابق التام مع مقاصد الإسلام في قطعياته، والاستمداد في مساحات عفوه واجتهاده يصطدم اليوم بأسوار متعددة من المغالطات أبرزها الفهم السقيم للشريعة بين من يجعلها غولا مخوفا، وبين من يجعل من الدعوة إلى تطبيقها مقصلة لتكفير الناس وجز أعناقهم. أليس من الشريعة الحكم بالسوية والعدل بين الرعية والأمانة في تولي أمانات الناس وأداء حقوقهم إليهم؟ - أي غموض – يا دكتور الهروب – في المطالبة بانسجام القوانين مع الشريعة، وأي غموض في المطالبة بدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، في وجه الدعاوى الشاذة إلى دول ثيوقراطية يتخذ فيها الحاكم وأعوانه من الشريعة فضاء لتبرير المزالق ويتخذون من الواقع شريعة، ومن الرغبة والآمال دينا به يدينون وبه يتحاكمون وبه يحكمون. - مدنية الدولة الإسلامية هي فهم وتطبيق لوظائف الحكم السياسي للمسلمين في إطار مقاصد الشريعة وتحقيق كلياتها، وليس سلطة دينية كتلك التي ترفع اليوم شعار الجهاد وتطبيق الشريعة الإسلامية على أكتاف المضطهدين ومن زنازين السجون، وتستبدل سياط الدكتاتورية بسيوف موشاة بالطرر والأزهايج المتأسلمة. - الدعوة إلى تعريب الإدارة وخلع رداء الفرنكفونية المتخرق ليس مزايدة سياسية، وليس عائدا ماديا تتربح منه النخب المتهالكة من دعاة القومية العروبية والزنجية، وليس بهذه السهولة مجرد تفعيل للدستور ولا عودة للهوية، فقد أهوى المتطرفون والمزايدون بخناجرهم منذ عقود على الهوية فخرقوها بدعاوى العنصرية حتى جعلوا منها شظايا هويات مفخخة. والعودة إلى هوية إسلامية جامعة لسانها اللغة العربية ليس مجرد مقولة سياسية ولا قرارا يتخذه حاكم في ساعة مرابحة أو متاجرة. وكما أن اللغة العربية ليست لغة فئة ولا قبيلة، ولا تيار يلفظ أنفاسه ويحاول تحويل الثوابت إلى قمصان حمراء تناسبه شكلا ومضمونا فإن الفرنسية لم تعد مجرد لغة المستعمر، فهي اليوم لغة قطاع كبير من الموريتانيين الذين فرضت عليهم أنظمة القمع أن يتفرنسوا، ثم هي اليوم لغة إفريقيا المسلمة وللأسف الشديد. فهل من الغريب أن يدعى إلى حل واقعي عملي يزيل بؤر التوتر ويقضي على الأجسام الغريبة العالقة بجسم العربية ويسكت نعيب الغربان المتترسة خلف بقاء الفرنسية؟ يدعو التواصليون إلى تعريب الإدارة، وليس إلى قومجة البلاد، وتحويلها إلى ساحة صراع بين ثوري القومية العربية والزنجية، فلم يعد في قدرة البلد تحمل صراع الثورين الهائجين. أنصح الدكتور الذي لم يبتلع لحد الآن ضعفه أمام " الشيخ بيرق لا بيدق" أن يقف على قدميه وقفة سليمة، وأن يصحح وضعية نظارتيه حتى يرى العالم بعينين غير عين الرضا المطلق وعين السخط التام، فليس ذلك من أخلاق الدكاتير.

15. أبريل 2010 - 12:56

كتاب موريتانيا

ذات صلة