الأزمة الموريتانية.. هل إلى الخروج من سبيل؟ / محمد الحافظ ولد الغابد

محمد الحافظ ولد الغابدموريتانيا الدولة العربية الإفريقية جنوب الصحراء، عرفت خلال السنوات الأخيرة العديد من المحاولات الانقلابية الفاشلة، تُوِّجت في العام 2005 بانقلاب عسكري ناجح، تمخضت عنه مرحلة انتقالية قادت إلى انتخابات على المستوى المحلي والتشريعي والرئاسي، ونالت إعجاب العالم، ولقيت تسويقا

واسعا على المستوى الإعلامي.. وراحت العديد من الأطراف في الداخل والخارج تنظم قصائد الشعر في مديح الديمقراطية الموريتانية.
ولم تنشغل الطبقة السياسية الموريتانية خلال الأيام التشاورية 2005 ببلورة ضمانات حقيقية للشفافية، كما تغاضت عن العديد من الخروقات المؤكدة لدعم العسكر لبعض المرشحين -كما حدث لسيدي ولد الشيخ عبدالله مع الجنرالين عزيز وغزواني، وأحمد ولد داداه مع أعلي ولد محمد فال وولد العالم وولد بوبكر وغيرهم- كما لم تطرح الطبقة السياسية رؤى جادة للحياة الدستورية، إذ كانت التعديلات التي أجريت على الدستور 2006 طفيفة وشكلية. وأرجع العمل بدستور يؤسس للدكتاتورية والهيمنة الفردية، إذ إن مؤسسة الرئاسة في هذا الدستور تهيمن على جميع المؤسسات التي تدور في فلكها بصورة تحكمية تنافي ما يتطلع إليه الشعب الموريتاني من تطور، وما يعرفه من تحولات سريعة تتجه لمراكمة خبرة ديمقراطية راسخة، ولم تستجب النخب المنشغلة بالصراعات السياسية على العوائد والفوائد بالعمل على تأسيس ما ينفع الناس ويمكث في الأرض. وظل النظام الفردي الاستبدادي كامنا في النظام السياسي الموريتاني، مسنودا بثقافة سياسية تعتمد أساليب احتواء الحكام وتوجيههم بما يخدم مصالح اللوبيات الحركية الضيقة المتعددة في موريتانيا -ذات المنازع القبلية والجهوية- وبدأ السباق الخفي بين هذه المجموعات التي تدرك بصورة جيدة التعددية التي يعرفها رأس السلطة منذ انتخابات مارس 2007، فاتجه بعضها للتحالف الاستراتيجي مع سيدي ولد الشيخ عبدالله، لاعتبارات أيديولوجية وقبلية وجهوية وحتى طرقية، بينما اتجهت العديد من المجموعات القومية المهزومة في الانتخابات الماضية، وكذا قوى يمين اليسار، إلى الجنرالات وبدأت تغريهم بالحليف الذي دعمه الجميع ولكنه لا يستجيب للنصائح السياسية. وبدأت روائح الفساد تفوح من العديد من تعيينات الرئيس المنتخب العائلية والجهوية من جهة.. وامتعض الموريتانيون من جهة أخرى من النفوذ المتعاظم لحرم الرئيس التي بدأت تتصرف كما لو كانت هي الرئيس المنتخب!
هذه العوامل مجتمعة قادت خلال الأشهر الأخيرة إلى أزمة سياسية كان ينبغي أن تحسم بالطرق الديمقراطية بالحوار والنقاش، لكن ولد الرئيس المنتخب دفع دفعا من طرف حلفائه اليساريين لحلها بطريقة استفزازية من خلال الإقالة الجماعية لقادة الجيش والأمن الذين أوصلوه للسلطة، حيث قادت هذه الخطوة غير المحسوبة لأخطر أزمة سياسية تعرفها البلاد حاليا.
ومن المؤكَّد أن موريتانيا ستعرف مزيدا من تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة، خصوصا إذا أصرت الأطراف الداخلية على تشكيل رافعة قوية للتدخل الخارجي، وبدأت الإجراءات المتعلقة بتنفيذ تهديدات المنظمات الدولية التي لوحت بحصار لا تتحمله موريتانيا ذات الوضعية المعيشية الصعبة من جهة، والتركيبة الاثنية الهشة، حيث لا تزال ندوب الجروح الغائرة في جسد الوحدة الوطنية من جرَّاء خياطة الجروح العرقية والاثنية لعقود على القيح والدم، من جهة أخرى.
سبل الخروج من الأزمة
يمضي الوقت وتتجه موريتانيا إلى وضعية صعبة جدا تتطلب حنكة ومرونة سياسية لا يبدو أن الجنرال محمد ولد عبدالعزيز، الحاكم العسكري الجديد في موريتانيا، يملكها، وهو الذي أدخل البلاد أزمة سياسية كبيرة من خلال ما سماه ردة الفعل: «الانقلاب» على عجز الرئيس المخلوع وسياساته غير الحكيمة التي كادت تؤدي إلى كارثة، على حد وصفه. لكن ولد عبدالعزيز ربما لا ينظر لشهر من ممارساته السياسية بنفس الروح النقدية التي كان ينظر بها إلى سياسات الرئيس «الذي حصلت عليه موريتانيا عبر المسار الانتخابي»، واعتبر من طرف الجنرال ولد عبدالعزيز نفسه رئيسا من النوعية غير الجديدة إن لم نقل الرديئة، والكلام دائما للجنرال.
الأزمة السياسية الحالية خطيرة، ومن أبرز مخاطرها أنها ستفتح باب الانقلابات العسكرية على مصراعيه، إضافة إلى الانقسام الداخلي الباعث على تكريس الصراعات التي تستهوي كل طرف إلى الاستقواء بالخارج، والخاسر الأكبر هو موريتانيا وسيادتها التي ستذهب ضحية للصراعات البيزنطية بين الساسة الأغبياء الساعين للاستفراد بالمجد، واستعادة الشرعية بالارتهان للفرنسي والأميركي!
يصر القادة العسكريون في نواكشوط على رفض تحديد جدول زمني لتسليم السلطة للمدنيين بصورة فورية، مع أنهم أطلقوا وعدا بتنظيم أيام تشاورية بعد شهر رمضان مباشرة، وأكدوا سعيهم لعودة الشرعية في أقرب الآجال على لسان الجنرال محمد ولد عبدالعزيز -عدة مرات- مع تأكيده رفضه التام لعودة الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله. بينما يصر الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا -المستعمر السابق لموريتانيا- على عودة الشرعية الدستورية مجسدة في الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبدالله وهو الاتجاه نفسه الذي سار فيه الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية بصورة أقل.
ويمكن أن نوجز السيناريوهات المستقبلية للخروج من الأزمة الحالية في الآتي:
1- أن يتراجع الجميع عن خطوات الأربعاء السادس من أغسطس (مرسوم الاستقالة ويتراجع الجنرالات عن الانقلاب)، ويعاد الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبدالله بشروط، من أبرزها: تشكيل مجلس للرئاسة يكون فيه ممثلون عن المجلس العسكري والقوى السياسية وبعض الحكماء. ويمارس هذا المجلس صلاحيات الرئيس الدستورية ويتخذ قراراته بالإجماع. ويشرف مجلس الرئاسة هذا على انتخابات رئاسية مبكرة في أقل من ستة أشهر، مع خروج سيدي والجنرال محمد ولد عبدالعزيز معا من الرئاسة مع الاحتفاظ بالبرلمان من دون حل.
2- أن يرفض العسكريون أي تجاوب مع المطالب الداخلية والخارجية وتشتد حالة التخندق والاصطفاف السياسي.. وهو ما سيدفع باتجاه فرض عقوبات وحصار اقتصادي وسياسي ربما يفضي لحدوث العديد من الانقلابات العسكرية والتدخل الأجنبي، خصوصا أن الدول الغربية بحاجة لمقر للقواعد العسكرية والتواجد في هذه المنطقة الحيوية، حيث سيشكل انعدام الاستقرار مدخلا مناسبا للتدخل الأجنبي الأمني والعسكري.
3- أن ينجح العسكريون في إقناع الأوروبيين والشركاء الأجانب بالاعتراف بهم مع طول الفترة، خصوصا في ظل هدوء الأوضاع -في ظل قبضتهم وتجبيرهم للتأييد الشعبي- مع إجراء انتخابات شكلية يتم من خلالها انتخاب الجنرال ولد عبدالعزيز رئيسا شرعيا! خصوصا إذا نجحوا في تحصيل بعض التقدم على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، والمضي قدما في بسط الحريات ومعالجة بعض الملفات العالقة كملف اللاجئين.
4- البحث عن حل وسط يقضي باستقالة سيدي ولد الشيخ عبدالله وتنحي ولد عبدالعزيز طواعية عن السلطة وإسناد الرئاسة للعقيد ولد أعلي ولد محمد فال الذي اكتسب مصداقية من خلال الإدارة الناجحة للمرحلة الانتقالية خلال الفترة (2005/2007).
وتبقى الأزمة الموريتانية مفتوحة على كل الاحتمالات، مع أن العديد من المخاطر تبقى تهدد موريتانيا بصورة فعلية، من أبرزها انعدام الاستقرار في ظل استمرار وضعية استثنائية تكرس انقساما سياسيا مستجلبا للأدوار الأجنبية.

14. سبتمبر 2008 - 0:00

كتاب موريتانيا

ذات صلة