دور الدولة العربية القائد والمقاربة القطرية / محمد الحافظ ولد الغابد

محمد الحافظ ولد الغابدحاول الفكر السياسي العربي الحديث بناء نموذج للدولة العربية القائدة في العالم العربي الحديث. وقد استبعد قادة الفكر السياسي العرب أيَّ دور لدول «الهامش» وأقطار «الأطراف»، واستنبطوا مواصفات هذه الدولة وشروطها من جغرافيا الاجتماع السياسي العربي الحديث، وكان النموذج الماثل دائما

هو النموذج المصري أو السوري «بشروط» محددة في الوقت الذي استبعد فيه علم من أعلام الفكر السياسي الحديث -هو الدكتور حامد ربيع رحمه الله- أي دور آخر للعراق وسوريا منفردتين، مع قبوله بهما لاعبا محوريا لدور الدولة العربية القائد لكن بشرط الوحدة والاندماج الذي ظل خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين بعيد المنال بسبب استحكام الصراع بين البعثيْن: السوري (العلوي النصيري)، والعراقي (المستند لشوكة العرب السنة)، بينما رفض تماما أي دور لليبيا بسبب ما عبر عنه بالرخاوة الكامنة في الجغرافيا البشرية والسياسية في الوقت الذي قعدت الخلافات بين المغرب والجزائر بالاثنين عن النهوض بدور في هذا السياق.
ولكنه كان يصر على أن مصر وحدها المؤهلة لقيادة قطار الوحدة العربية بمؤهلاتها التاريخية والجغرافية والسياسية، خصوصا وقد انتصبت مصدر إلهام لحركة التحرر الوطني التي انبعثت من ركام ماضيها قائدة وموجهة لكافة حركات التحرر الوطني التي اتخذت من القاهرة ملاذا لإشعال الثورة وولوج عصر الاستقلال.
لكن مصر ذات التاريخ الطويل قعد بها فقرها عن مواصلة الدور القيادي، وقبلت في لحظة معينة فقدان البوصلة السياسية، ورضيت بسقف واطئ رسمه الخصم الإسرائيلي والأميركي من خلال اتفاقية «كامب ديفيد» لينزل بها ذلك المنحدر السياسي من قمرة القيادة إلى القبول بدور وظيفي هو دور «المقاول من الباطن» وهو أقرب لصالح السياسة الأميركية والمشروع الصهيوني في الشرق الأوسط مقابل مساعدات ظنها صناع القرار السياسي في القاهرة ستأمنهم من خوف أو تطعمهم من جوع.
أما الخليج فقد شغلته هموم التنمية والصراع الإقليمي ومجاملات القوى الدولية الكبرى الصديقة عن الطموح لدور على مستوى الشرق الأوسط ذي المشاكل المتعددة، وحاولت دول مثل السعودية اتخاذ وكلاء من المنطقة، مثل المرحوم رفيق الحريري، وأحيانا دعمت المبادرات التي تتقدم بها الجامعة العربية دون التفرد بصناعة دور مباشر، وإنما الاعتماد بشكل دائم على وكلاء آخرين.
لكن قطر أعادت الاعتبار للهوامش والأطراف. لقد عاشت دول الهامش العربي عقودا من التهميش والرضا بالصفوف الخلفية، واتجهت إلى الانشغال بالهموم المحلية على صعيد التنمية الاقتصادية، ومواجهة التحديات الإقليمية المنعكسة بقوة في الداخل، وذلك حال اليمن والعديد من دول الخليج، بينما انكفأت الدول «العربية الإفريقية» تلعق جراح الصراع الداخلي والانقسام، وتحديات الوحدة، وتصفية الإرث الإنساني، ولم يكن لديها وقت لمصاولة ومطاولة أي دور قيادي على مستوى العالم العربي.
ويمكن أن نعتبر أن القيادة القطرية الشابة قد خرجت على سياق تقوقع الأطراف والهوامش هذا، وحلقت بجناحين أحدهما بناؤها علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وصلت مداها مع قاعدة السيلية الأميركية وعززها التعاطي المتقبل لإسرائيل دون أن يصل إلى حد التطبيع الكامل بين الاثنين.
وثانيهما تمثل بصورة أكبر في الدور الكبير لقناة الجزيرة التي أدت أدوارا إعلامية وسياسية كبيرة لقطر التي كانت قبل فترة دولة عادية لا تطاول وتصاول في ساحة الصراعات الدولية والإقليمية.
وفي السنوات العشر الماضية خرجت قطر من تقوقعها ودخلت نسيج الحراك السياسي العربي بقوة، وُوجِهت في البداية بنظرة توجس من الأشقاء الكبار الذين غضب بعضهم وأزّم بعضهم الآخر العلاقات، ولكن الجميع جنح في النهاية إلى القبول بالفاعلية القطرية، خصوصا مصر والسعودية اللتين نهرتا شقيقتهما الصغرى، لا شفقة ولكن غيرة من أي دور ينافس أداءهما المتواضع على مستوى القيادة العربية.
وتحولت قطر إلى وسيط ناجح بين معسكري الممانعة والمقاومة في العالم العربي ومعسكر «المقاولة من الباطن» لصالح المشاريع الشرق أوسطية الصهيونية ومشاريع الهيمنة الأميركية. وقد مثلت الأول دول مثل سوريا وإيران ومثلت الثاني بجدارة مصر والسعودية اللتين ساقتا الثور الأميركي الهائج والفاقد للتوازن بعد صفعات الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى المستنقع العراقي، حيث وقع في استنزاف حرب استثمرت فيها إيران وسوريا انهيار النظام العراقي في ظل مؤشرات تؤكد أن الوجود الأميركي في العراق سيبقى محفوفا بالمخاطر، وحظوظ إيران فيه أقوى من أي حظ آخر.
ويكشف سياق النجاح القطري الأخير في الخروج بصيغة تفاهم بين الأطراف اللبنانية المتصارعة أو حتى المتحاربة أن قطر باتت تمارس دورا عربيا قياديا يقارب النمط الذي نظر له أساطين الفكر السياسي العربي الحديث، ولكنه أيضا يكشف من ناحية أخرى أن القيادة في وضع العالم العربي الحديث لا تحتمل الاختزال السياسي في دول العمق والثقل السكاني ذات الأبعاد التاريخية والحضارية، كما هو شأن مصر، وإنما القيادة بما هي فن ربما لا تحتاج لبلد أكثر من حاجتها لقادة، كما أن العالم العربي لم يعد يحتمل عقلية الاختزال هذه، فهو شخصية متكاملة كل جزء فيه يؤدي دورا مهما، ولم يخلق عبثا أو عبئا زائدا على الحياة بلا فائدة.
بل إن الشاعر العربي الأصيل أبا تمام عبّر عن هذه الحقيقة قائلا:
فاضمم أقاصيها إليك فإنه *** لا يزخر الوادي بغير شعاب
مع ذلك يبدو نجاح المقاربة القيادية القطرية هذه في انطلاقته متواضعا ومعترفا بحجمه دون غرور وصلف عرفته التجارب القيادية السابقة على المستوى العربي، وفي نفس الوقت صريحا في تحليل وفهم علل وأدواء الوضع العربي في عمقه وكذا أطرافه وهوامشه.
لا شك أن الكثيرين في العالم العربي يتمنون انبعاثا جديدا لتكامل أدوار الأمة المختلفة بأطرافها وهوامشها وعمقها الأصيل في مصر والشام لتتجاوز أمتنا عنق الزجاجة الذي يبدو أن الخروج منه قد يأخذ أزمانا مديدة.

27. يوليو 2008 - 0:00

كتاب موريتانيا

ذات صلة