موسم النيل من حَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا.. من جديد! / محمدن ولد محمد غلام

altلست من أنصار "نظرية المؤامرة" الزاعمين أن العملية الشنعاء التي أقدم عليها برام ولد عبيدي - بإحراقه لنسخ من الكتب الفقهية العزيزة على قلوبنا، والمحترمة في شعائرنا والمعبّرة عن انتمائنا – أنها تمت بتخطيط أو توجيه أو استدراج من النظام الحاكم؛ لعدم وجود أدلة ملموسة على ذلك أولا، ثم لاستنكار أركان النظام للفعلة المشينة وصنيع أهلها.. مع أن علماء الجريمة يذكرون أن أول سؤال يجب أن يطرح بعد معاينة مسرح الجريمة؛ هو: "من المستفيد؟".

غير أنه – ورغم أن محرقة بيرام، قدمت للنظام القائم طوق نجاة في وقت ولا أحوج – فإن استنكار النظام لهذه الفعلة الوقحة وردة فعله السريعة تجاه المعتدين وعدم وجود أدلة دامغة على الموضوع، يجعل التعويل على هذه النظرية أمرا مستبعدا بالنسبة إلي..

غير أن الذي لا يمكن لممار أن يماري فيه، هو الاستغلال السياسي البشع لهذه الحادثة المدانة ومحاولة إلباس المسؤولية عنها للخصوم السياسيين. 

بين المسؤولية القانونية والمسؤولية الأخلاقية 
لقد سجلنا – بإعجاب – موقف الأحزاب السياسية والمؤسسات الفكرية المعارضة في موريتانيا – وعلى رأسها التجمع الوطني للتنمية والإصلاح "تواصل" - حين نأت بنفسها عن التوظيف السياسي لعملية إقدام نجل رئيس الجمهورية على إطلاق النار (من مسدس كاتم للصوت) على إحدى الفتيات الموريتانيات في ظروف غامضة وإصابتها إصابة بالغة.. ليضيف التعاطي الإعلامي والقضائي والصحي معها طرح أسئلة محرجة للنظام ومناصريه!

لم يكن بإمكان الجهات المعارضة حينها أن تلبس رئيس الجمهورية مسؤولية "قانونية" بسبب إطلاق نجله النار على فتاة موريتانية (ليست محرما له) في ساعة متأخرة من الليل، وفي بلد إسلامي – وليس علمانيا - يطبق الشريعة الإسلامية.. كما يقول رئيس الجمهورية. لكن كان بإمكانها أن تحمله المسؤولية الأخلاقية عن حسن التربية لأنجاله الكرام أولا، ثم عن عدم شفافية التعاطي الصحي مع الحادثة (وفرت لضحية نجل الرئيس طائرة خاصة وفريق حكومي رفيع وفي وقت قياسي, الشيء الذي لا يتوفر لجميع المرضى والضحايا الموريتانيين!) إضافة إلى عدم شفافية التعاطي القضائي ثانيا، حيث تم العمل على إنهاء الموضوع بسرعة قد لا تتوفر لأي من الشباب الطائشين من غير أنجال الرئيس لو أنه حمل مسدسا (كاتما للصوت) فقط! فكيف إذا أطلق النار، وعلى امرأة موريتانية وفي ظروف غامضة وأوقات وأماكن معتمة؟! وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المستند القانوني الذي أعلن عن تفكيك القضية قضائيا على أساسه غير مفهوم من الناحية القانونية؛ حيث اعتمد التخريج على أن أبا الفتاة الضحية (وهي بالغة سن الرشد ولا تزال على قيد الحياة) قد تنازل عن حقه في متابعة القضية، ليتكفل القاضي بالإجهاز على الحق العام مقابل خمسين ألف أوقية، والأمر (في الحق العام) راجع لتقدير القاضي وضميره، غير أن الإشكال هو أن والد الضحية ليس وليا للدم حتى الآن (الضحية لا تزال حية ترزق!) فأي تخريجة هذه التي تسقط الحق القانوني الشخصي للضحية بالتنازل من أبيها!
لا أريد أن أطيل في هذه النقطة - وقد أطلت – لكنني أقول إننا قد سجلنا بإعجاب وتقدير موقف المعارضة بعدم توظيف هذه المأساة واستغلالها للنيل من خصومها..
غير أن ما نشهده الآن من محاولة إعلامية وسياسية من قبل النظام لإلباس جرم المحرقة التي أقدم عليها بيرام - إلباسه للجهات المعارضة، وعلى وجه الخصوص لحزب التجمع الوطني للتنمية والإصلاح "تواصل" المعبّر عن حَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا أمر لا نستطيع النظر إليه إلا نظرة استهجان واستغراب..

إذا لم تستح فاصنع ماشئت
أتفهم موقف النظام وأنصفه، وأدرك أن أبواقه والمدافعين عنه، منزعجون من جدية ومصداقية حَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا، لدينا معشر الموريتانيين.. كما أقدر أن الحادثة "المدانة" قد جاءت في الوقت المناسب (أياما قبيل بداية حراك اجتماعي وسياسي محرج للنظام، كان "تواصل" رأس الحربة فيه) غير أن إلباس واقعة وقحة مثل هذه لحمَلَة المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا وللحزب المعبر عن توجههم السياسي "تواصل" أمر في غاية الإسفاف..
أولا؛ لأن حملَة المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا كانوا من أوائل المنددين بها والشاجبين لصنيع القائمين عليها..
وثانيا؛ لعدم وجود أية علاقة أيديلوجية أو فكرية أو سياسية تربط مرتكبي هذه الحماقة بحَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا، كما هو واضح من توجهات الفريقين وتصريحاتهم وتموقعاتهم.
وثالثا؛ لأن مجاهرة حَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا والهيئات النقابية والحقوقية والإعلامية المحسوبة عليهم، مجاهرتهم برفض الرق ومخلفاته بجميع أنواعها – كما تمليه عليهم خلفيتهم الإسلامية، ومسؤوليتهم الأخلاقية، وكما تكرسه النصوص الدستورية والقانونية في البلاد – أقول إن موقف حَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا الرافض للاسترقاق والساعي بصدق إلى التغلب على آثاره ومخلفاته، بالعمل الجاد والمخلص على ردم الفوارق بين فئات المجتمع الموريتاني المسلم، وعلى أساس الرؤية الإسلامية القائمة على الحرية والمساواة والتفاضل بالتقوى والقرب من الله والنفع للناس.. هذا الموقف المتوازن والصادق، وإن أغاظ خصوم المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا، فإنه لا يمكن أن ينهض دليلا أو يصلح مرتكزا لاتهام حَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا بالمسؤولية - ولو الإخلاقية - عن فعلة حركة "إيرا" الشنيعة.
ورابعا، لأن المزايدة على حَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا في الدفاع عن مقدسات الأمة وهويتها أو عن رفعة المواطن وعزة الوطن، أمر ليس في صالح المزايدين اليوم؛ لما تختزنه الذاكرة السياسية والفكرية والعلمية والاجتماعية الموريتانية من مواقف لجميع الفرقاء السياسيين والفاعلين في الحقل الديني والعلمي في البلاد! يوم كان للمواقف ثمن، تصدّر حَمَلَة المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا – ولا يزالون - لدفعه بكل شجاعة واقتدار، نصرة للحق ودفاعا عن مقدسات الأمة وحقوق أبنائها، بينما فضل المزايدون يومها – ولا يزالون – التعويل على مصالحهم الخاصة والمحافظة على مناصبهم والمزايا التي يقودهم بها النظائم القائم، أيا كان هذا النظام. 
فأين كان القائمون على تشويه حمَلة المشروع الإسلامي والتشكيك في مصداقية "تواصل" – ركوبا للموجة – أين كانوا أيام نضال التيار الإسلامي عن مقدسات الأمة وحرماتها؟ أين كانوا أيام استهداف المعاهد والمراكز الإسلامية في بداية هذه الألفية؟ أين كانوا من نضال حمَلة المشروع الإسلامي دفاعا عن المساجد أيام محاولة تحويلها إلى مخابز؟ أين هم من نضال حملة المشروع الإسلامي ضد العلاقات مع الكيان الصهيوني في البلاد؟ كأنني بقائل يقول إن النظام القائم هو من قطع هذه العلاقات المشينة - وهو أمر يذكر له فيشكر - لكني أتحدث عن أيام كانت البطولة فيها مكلفة، هل كنا مع الإسلاميين في نضالهم أم كنا حماة لظهر النظام يومها باستماتة وتفان؟؟
أين كان المزايدون من نضال حَمَلَةِ المشروع الإسلامي المعتدل في موريتانيا من محاولة إغلاق صرح علمي وديني مثل المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية؟؟ 
أين كان المزايدون على الإسلاميين اليوم، من نضال حمَلة المشروع الإسلامي في سبيل تحصين المجتمع الموريتاني المسلم؛ تعليما للخير وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر؟ بينما تشهد الإذاعة والتلفزة "الوطنيتان" وتشهد مهرجانات الحزب الجموري الحاكم يومها أين كان أولئك المزايدون! 
المشهد الأعرج..
إن المشهد الأعرج الذي عكسته تلفزتنا "الوطنية" بإيرادها لجميع التنديدات والاستنكارات لفعلة بيرام الشنيعة، باستثناء ما كان صادرا منها عن الجهات غير المحسوبة على النظام؛ أحزابا سياسية (كل الأحزاب الموريتانية شجبت ونددت موالاة ومعارضة) أو شخصيات علمية (كان أبرزها وأكثرها رصانة وبيانا، بيان مفخرة شنقيط العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو) لتعطي انطباعا بأن المحرقة كانت من تدبير أحزاب المعارضة، وخاصة حزب "تواصل" في تغطية من تغطياتها العرجاء، قد أفقدها "مصداقيتها" المفقودة وشكل دافعا قويا إلى التشكيك في كل ما يرد فيها من أنجازات للنظام قد تكون لها حظ من الصحة والوجاهة.
ومع اختلافنا مع هذا المنهج البعيد عن المهنية وللاستغلال والتوظيف السياسي الفج للمؤسسات "الوطنية" ضد الخصوم والمعارضين، من طرف النظام .. إلا أننا لا يمكن إلا إنصاف النظام، الذي وجد (لا أقول أوجد لعدم بينة أو برهان ساطع) فرصة ذهبية تلامس مشاعر المواطنين الصادقة في الدفاع عن مقدساتهم وهويتهم، لإشغال الرأي العام عن هموم المواطن المطحون في صحته وعيشه وكرامته وحريته، وجد فرصة للظهور بمظهر المخلّص والمطبق للشريعة الإسلامية والواقف ضد علمنة الجمهورية الإسلامية الموريتانية والضامن لحريات أبنائها دون سجن أو تضييق.. وهذه بالمناسبة مواقف يجب أن تحسب لهذا النظام ويجب أن تسجل عليه في حال عملت أجهزته على ما يناقضها (كما رأينا بشأن انفتاح الإعلام العمومي وفتح المعهد العالي أمام من يريد التسجيل فيه) غير أن ما يثير الشفقة - فعلا - هو ما يقوم به مجموعة من أنصاف الكتّاب وأشباه الساسة والمتاجرين بالمواقف ممن مردوا على ركوب الموجة (أيا كانت) والنيل ممن يعارض النظام الحاكم (أيا كان هذا النظام) و المسارعة في تدلية النظام بالغرور وإلقائه إلى التهلكة استعدادا للوقوف ضده لعنا وسبا وقذفا مع أول عثرة جدية يعثرها! ولله الامر من قبل ومن بعد.

2. مايو 2012 - 9:48

كتاب موريتانيا

ذات صلة