الحراطين .. أضعناهم وأي فتى أضعنا!! / محمد الامين ولد سيدي مولود

altفجرت إذاعة القرآن الكريمالتابعة للنظام في موريتانيا الأسبوع الماضي قنبلة حقوقية وسياسية واجتماعية وفقهية، وذلك عندما قال الفقيه السعودي صالح بن عواد بن صالح المغامسي، أثناء محاضرة على الهواء،إن بإمكان الذين يريدون كفارة العتق شراء العبيد من موريتانيا ب 10 آلاف ريال (حوالي 800 ألف أوقية)...!!!

وصبت تصريحات الغامسي الزيت على النار في ملف ساخن أصلا وأنكأت جرحا لم يندمل، لتفرض فتح ملف العبودية من زوايا حادة ومن رؤى جديدة انطلاقا من الظرف والسياق الذي جاءت فيه تصريحات المغامسي.
لم يغلق ملف العبودية أصلا في موريتانيا رغم حسم الملف قانونا لصالح الأرقاء والأرقاء السابقين،منذ فجر الاستقلال وخاصة بعد تشريعات ولد هيدالة في الثمانينات، وإضافات ولد الشيخ عبد اللهخلال رئاسته الوجيزة،وذلك بسبب الانفصام الجلي والهوة السحيقة بين النصوص القانونية المجرمة للممارسات العبودية وبين الممارسات اليومية في الأوساط الإقطاعية على مرأى ومسمع من السلطات وأحيانا تحت حمايتها أو التواطئ معها.
غير أن ملف العبودية لا يقتصر على جانب واحد قانوني أو حقوقي بل يتجاوز ذلك إلى جوانب أخرى، آن الأوان ـ بل تجاوزـ لأن تسلط عليها الأضواء بكل جدية وصرامة وإنصاف:
الجانب الفقهي 
بما أن الطعنة هذه المرة جاءت من الخلف من الفقهاء، ومن منبر يفترض أنه مخصص للشريعة المتمحضة بدون شوائب سياسية أو أهواء أو آراء تحليلية، فإن البداية يجب أن تكون بإثارة الإشكالية الفقهية في العبودية في موريتانيا...
هنا أبدأ بتساؤل بسيط على عمقه عميق على بساطته، طرحه أبوبكر ولد مسعود رئيس منظمة نجدة العبيد في ندوة قبل سنوات ملخصه: " إذا كان العلماء والفقهاء في موريتانيا يرون أننا عبيد مملوكون لأسيادنا إلى الآن فلم لا يجدون الجراءة الكافية لتوضيح ذلك لنا، ونحن كمسلمين ملزمون بالطاعة في حدود الشرع، وإذا كان هؤلاء العلماء يرون أننا أحرار شرعا سواء انطلاقا من أصل عبوديتنا أو من ظروف أخرى فلماذا لا يوضحون الحق وينصرون المظلوم..؟!!"
وأضيف لما ذا نجد علماء مستعدون للإفتاء تحت الطلب بكل جسارة وشجاعة، ونجد فتاوى مبدعة في التطبيع، وطاعة المتغلب والولاء للقصر بغض النظر عن ساكنيه، والزواج في اسرائيل، والربويات، والموسيقى، وفقه الثورة والفتنة، والغلو والإرهاب، والديموقراطية والوسطية، والدجاج المستورد وطلاق الثلاث وزواج المسيار الخـ على ضرورة أن يتطرق الفقه لكل مناحي الحياة ـ ولا نجد علماء يفتون اليوم بشكل مستقل وواضح وصريح في ملف بهذه الأهمية والخطورة؟!!
لماذا أفتى علماء وفقهاء بإيجابية في هذا الملف عندما طلب ولد هيدالة ذلك؟ ولماذا لا يطلب النظام الحالي ـ المنشغل هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى بتأميم الفتاوى و"ترسيم" القطاع الديني والعلماء ـ من علمائه توضيح أصول العبودية وجذورها وموقف الشرع منها الآن سلبا أو إيجابا؟
هل يؤمن أغلب أو كل علمائنا بشرعية ملك العبيد وتأبيد واقعهم المزري في كل جوانبه ويرفضون الإفصاح عما يؤمنون به نتيجة لهذا الظرف أو ذاك؟ أم هل يعتقدون عدم شرعية ملك العبيد أصلا، أو بطلانها إن كانت شرعية بسبب الظلم الممارس عليهم والذي مورس عليهم خلال التاريخ قريبه وبعيده، ضربا واغتصابا وتجهيلا وتفقيرا واحتقارا، ومع ذلك يهابون نصرة المظلوم الى هذه الدرجة بغض النظر عن النتائج؟
الجانب الاجتماعي
هنا سأتكلم عن هذه الجانب بوصفي جزء منه، لا كمراقب عن بعد كحالتي مع الجانب الفقهي لعدم زادي في ذلك المجال.
إن المجتمع الموريتاني بشقيه (البيظاني والزنجي) مطالب اليوم بالتكفير عنما اقترفه ويقترفه إلى هذه اللحظة في حق الأرقاء.
شخصيا أشعر بالخجل حتى أتصبب عرقا لأنني مقصر في حق نصرة هؤلاء المظلومين بدون سبب. أشعر بالخجل للانتماء لمجتمع يستكثر اسما (مجرد اسم علم) على بشر من لحم ودم مهما كان أحرى أخ في الدين في الوطن في السراء في الضراء......
إن "اسلم عربيها" و"انبارك اعلين" و"بلااسم" و"اسلم مولاه" ما هي إلا مؤشرات منحطة على مدى "لا انسانية" الإقطاعية في حق ضحاياها، فمن يضن عليك باسم فهل عساه يمنحك حقا أو انصافا؟ لا أتكلم عن الإحترام ولا التقدير ولا المساواة، تلك قيم فاضلة نتركها للخيال ولمدن الفلاسفة الافتراضية!!
لا يمكن لأي مكابر أن يتجاهل الواقع المزري للأرقاء أو الأرقاء السابقين أو الحراطين أو "بلا اسم" سميهم ما شئت. وهنا لا أتكلم عن شخصيات تم تأميمها فغرقت في الفساد المالي والإداري وتسلقت أعلى سلم الوظائف في الدولة تنفيذيا وتشريعيا، كما لا أتكلم عن أفراد يعدون على أصابع اليد امتطوا حقوق العبيد لتحقيق مآرب شخصية، إنما أتكلم عن أكثر من أربعة أخماس لحراطين ممن يعنون الجهل والفقر والاحتقار.
أتكلم عن فتيات في ربيع أعمارهن، تغدو زميلاتهم إلى المدارس ويذهبن هن لخدمة أسر لا ترحم مقابل دريهمات زهيدة (معدل إيجار الخادمة في البيوت في موريتانيا أقل من عشرة آلاف أوقية، أقل من 35 دولارا شهريا)، أتكلم عن فتيات مسلمات ولدن على الفطرة ويتشبثن بالدين يتعرضن للإغتصاب سواء من طرف من تعلم من الإهمال والنظرة الدونية اتجاهه أنه غير معني حتى بشرع الله (الذي ساوى بيننا في صف الصلاة، ولا نتساو في الحياة الأخرى .. كما تساءل ول ابنو في روايته) أو من طرف أسياد استباحوا أعراضهن انطلاقا من فوقية شهوانية.
أتكلم عن فتيان وصبية متشردين في قارعة الطريق ومكب النفايات، وأحسنهم ظروفا من يعيش على عربة لا يمكلها ذووه يبيع المياه لم يعرف إلى المدارس ولا إلى التعليم سبيلا..
أتكلم عن موتى لا يُسمح لهم بالدفن في مقابر الأسياد (حالة أرقاء الزنوج إلى وقت قريب).
أتكلم عن أجيال تربت بلقب "فلان بن فلانة" كمسعود ول عيشه، وانبارك ول يمه، ويب ول العافيه لم يعرفوا اسم أب ولم ينتسبوا له، ببساطة لأن السيد المحتكر للدين لم يعلمهم أنهم معنيون بالدين أيام كانوا يطيعون حركة بنانه، أيام كان يفاخر بتكاثرهم خارج الإطار الشرعي كما يفاخر بتناسل تليد دواجنه إن لم يشارك في الفعل هو نفسه...
أتكلم عن شيوخ مسنين تشهد لهم المجتمعات التي تربوا فيها بخدمة الصغير والكبير، والقناعة وحسن الأخلاق، والطاعة والصبر، ومع ذلك لا يجرؤ الواحد منهم على الجلوس على فراش يجلس عليه شباب في سن أحفاده، لأنه رضع القهر والتهميش مع لبان أمه.
أتلكم عن طبقة محتقرة من أغلبية الطبقات الأخرى، طبقة متشبثة بالوطن، بالانتاجية، بالبساطة، بالكد، بالعرق. تتجلى ظواهر ذلك الاحتقار في تفاصيل الحياة العامة المملة. مثلا يسرق لص ليلي قنينة غاز وفي الصباح أسمع بعض أخواتي وجاراتهن وزميلاتهن وبعض رجال الحي يسبون ويشتمون "لحراطين" .. "السارق سيكون حرطاني". ربما لأنهم يدركون أن سرقة المليارات من الميزانيات العامة محتكرة على طبقة بعينها وإن تجاوزتها فإلى أفراد محدودين. كما أن الجرائم الكبرى محتكرة على طبقات بعينها: فمن يتبنى الإرهاب؟ من يبيع المخدرات بالميارات؟ من يقوم بالانقلابات؟ من المسؤول عن تبييض الأموال؟
ثم ما الذي ننتظره من من يعاني الفقر والجهل؟ قد يجيب البعض أن الطبقات الأخرى يعاني جلها من الفقر والجهل. هو كلام صحيح، لكن من المسؤول عن فقرهم وجهلهم؟ إنها الدولة والطبقة الفاسدة المفسدة من جميع الفئات والأعراق. غير أن واقع الحراطين ميراث أجيال وليس وليد الدولة، إنه مسؤولية المجتمع قبل الدولة، مسؤولية الأسياد الذين ملكوا وما عدلوا، وقدروا وما حلموا.
الجانب السياسي
ملف العبودية اليوم وواقع الأرقاء (لحراطين) ورقة سياسية رابحة نظريا، فالكل يتغنى بها بما في ذلك اقطاعيون لا يزالون يمارسون التمييز والعنصرية الى الآن في بيوتهم وسلوكهم بل ويعلمونه أبناءهم، وبما في ذلك سلطة لم تقم الى الآن بجهد جدي للتمييز الإيجابي بما يقلص الهامش الكبير بين لحراطين وطبقات المجتمع الأخرى تعليميا ومعيشيا وحتى نفسيا.
حتى بعض السياسيين الذين لم يكلفوا أنفسهم يوما بأي جهد في هذا الملف الشائك ، يقدمون أنفسهم اليوم كدعاة مساواة وحرية، إنها اجراءات موسمية ما تلبث تخفت.
وأسوأ ما في الجانب السياسي من هذا الملف هو أولئك الذين حملوا لواء الدفاع عن العبودية ثم تخلوا عنها مقابل امتيازات (حدث ذلك منذ أيام ولد الطايع ويحدث اليوم).
وأهم ملاحظة جدية تدون فيها الجانب هي أنه "ما حك جلدك مثل ظفرك"، فرغم أن أسوأ شيء يحمله صاحب المبادئ هي الدعوات ذات الطابع الخاص، سواء كان عنصريا أم جهويا أم شخصيا، فإن لحراطين اليوم لن يكون بإمكانهم استرداد حقوقهم وتحسين مستواهم إلا إذا قادوا حراكا جماهيريا كبيرا (لا أقصد المفهوم المجرد للحراك: مظاهرات أو ثورة فتلك إجراءات، إنما أقصد أداء سياسيا ناضجا ومستمرا وعلى جميع الأصعدة لا يراهن على أحد بقدر ما يراهن على شرعية الهدف وشرف الوسيلة) يرغم الآخرين على التنازل من برجهم العاجي والإصغاء لمطالب أغلبية مضطهدة، وتغيير واقعها عاجلا لا آجلا.
نخاسة العصر 
اليوم وبعد أن لم يوفق النظام في استيراد الفتاوى ـ رغم حساسية الأنظمة عندنا من العلم المستورد أصلا وكأننا مهبط الوحي ـ كما لم يوفق في مؤتمرات أخرى سلفت، استطاع أن يحدد للأسياد والاقطاعيين ثمن عبيدهم (وهو ثمن بخس رغم ذلك) من خلال ضيوفه الكرام. كما استطاع أن يعيد إلى الأذهان ثنائية عطاء وبذل العبد حتى وهو يباع، وجشع ووحشية السيد حتى وهو يُخدَم. ثنائية صورها الحريري على لسان غلام وسيده ساعة عرضه في سوق النخاسة حيث قال السيد فيما قال: 
منيشتَريمنيغُلاماًصنَـعـا * * * فيخَلْقِهِوخُلْقِـهِقـدبـرَعـا
وإنتُصاحِبهُولوْيومـاًرَعـى * * * وإنْتُقَنّعْهُبظِـلْـفٍقَـنِـعـا
فرد الغلام مذكرا بسجاياه ومستعطفا:
أمَاجرّبْتَنيفخَـبَـرْتَمـنـي * * * نصائِحَلمْيُمـازِجْـهـاخِـداعُ
ونُطْتَبيَالمصاعِبَفاسْتَقـادَتْ * * * مُطاوِعَةًوكانَبهاامـتِـنـاعُ
ولِمْسمَحَتْقَرونُكَبامْتِهـانـي * * * وأنْأُشْرىكمايُشْرىالمتـاعُ
علىأنيسأُنشِدُعنـدَبـيْعـي * * * أضاعونيوأيَّفتًىأضـاعـوا
ما الحل ؟
سؤال سهل لكن الجواب يستدعي جهدا على قدر المأساة وعمقها، وطول تاريخها وتشعب تجلياتها، ولعل أهم ملامح الحل في الآتي:
ـ ليس هذا النظام بكل تأكيد هو صاحب الحل الجذري لأنه لا يحمل رسالة اصلاحية ولا سياسية ولا اجتماعية حتى بل إنه ليس نظاما، إنه انقلاب في أقل من ساعة تحولت ردة فعل إلى قيادة دولة. لذلك وجب البحث عن البديل.
ـ من البديهي أن تحالف أغلبية الحراطين الساعين إلى نيل حقوقهم بطرق شرعية ومبررة مهما تعددت أصواتهم وتشنجت أطروحات بعضهم (القليل) مع تلك الثلة من الطوائف الأخرى ـ وإن قَلتْ ـ هو السبيل الأمثل من أجل إحداث تغيير جذري في العقلية وفي النمط السياسي وحتى في الموازين الاقتصادية. طبعا يتم ذلك من خلال الوسائل الشرعية المشروعة السلمية.
ـ رهان المستضعفين يجب أن يكون على أنفسهم ، لأن ذلك هو الضمان الوحيد لعدم الخذلان في لحظات الجد، وعدم التخلي عن المطالب المشروعة مقابل امتيازات ومكاسب مادية أو سياسية.
ـ نشر وعي الحقوق المسلوبة والواقع المر، وكلما تمدد الرسالة لتشمل آخرين كلما كانت أكثر مصداقية وإن كان الحق حق حتى وإن تعصب الآخرون ضده ولم يحمله سوى أهله.
ـ رهان العلم رهان رابح، ورغم الامكانيات المحدودة جدا والواقع الاقتصادي السيء للبلد عموما ولطبقة لحراطين خصوصا، إلا أنها يجب أن تركز أكثر على التعليم بكافة أنواعه وأن لا تنتظر أكثر فقط عانت بما فيه الكفاية.
إن الظلم لا يدوم مهما استكان المظلوم، وهذه المعاناة سيغيرها الجميع أو ستغير الجميع تغييرا مفتوحا على كل الاحتمالات.

16. أبريل 2012 - 12:04

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة