إلجام العوام عن الكلام / محمد سالم ولد محمدو

altليغفر لي الشيخ أبو حامد الغزالي، عدواني على عنوان كتابه الرائع الماتع "إلجام العوام عن علم الكلام" فلقد بت معه على سنن واحد وسعي إلى إلجام العوام ليس عن علم الكلام فقط، وإنما عن الكلام كله، فلعل في ذلك خيرا للعامة والخاصة على حد سواء.

فنحن العوام -ونعم القوم نحن بحمد الله تعالى-، يستهوينا الحديث العام ونكثر الجدل، ونحب الحوار، ونحن العامة أيضا نجيد الحديث بالعموميات في العموميات، وقليل منا من يتحدث عن وعي وفهم، وعن رؤية متأسسة على فهم وبحث ومناقشة، أليس ذلك يعني أننا سنخرج حينئذ من جلودنا ولا نكون عواما، بل نكون حينئذ من خواص الخواص.

تذكرت كتاب الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى، وأنا أجمع علي أطراف دراعتي، وأحاول أنا وزميلي إمام الدين أن نجد طريقا وسط الزحام إثر احتدام النقاش وارتفاعه إلى التنابز بالألقاب والتصادم بالأذرع والزنود، خلال ندوة نظمها المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، بين ناشطين في حركة الحر ومنظمة نجدة العبيد، ومنتمين إلى التيار الإسلامي خالفوهم في الرأي والرؤية، والتقت الحدة من الطرفين على بساط من الفوضى والرغبة الجامحة، في عدم الاستماع إلى الرأي الآخر، ليرتفع من ذلك لهيب حاد كاد يقضى على الندوة المتميزة والأفكار الرائعة التي أثارها الأستاذ المفكر والحكيم محمد ولد المختار الشنقيطي، وكادت أن تقضي أكثر من ذلك على الانسجام أو التقارب الإيجابي بين نخبة تيار الوسطية الإسلامي، وقادة حركة الحر والفعاليات المناهضة للاسترقاق.

كاد شاب حدث السن أن يقضي على الانسجام المذكور عندما تحدث بأسلوب المنة والنعمة الواجبة الشكر عن أفضال "الإسلاميين" على الفئات المسترقة وضحايا الرق في موريتانيا، وقلل من شأن التضامن الكبير والمساندة الفاعلة التي أدتها منظمات محسوبة على تيار الحر مثل منظمة نجدة العبيد للتيار الإسلامي أثناء عدوان النظام الطائعي وطغيانه.
وتحدث "قيادي إسلامي" عن "استغلال قضية" الرق لأغراض سياسية أو فئوية، مقللا من أهمية الطرح القوي والمتتابع لهذه القضية، داعيا إلى محاربة اقتصادية لهذه الظاهرة والقضاء عليها.

وثنى القيادي المذكور بالقول إنه يجب اعتماد الحل الإسلامي في معالجة هذه القضية، دون أن يكلف نفسه عناء توضيح معالم هذه الحل أو الكشف عن هويته بين طروحات متعددة تنسب إلى الإسلام والفقه، بعضها يشد الحبل في يدي الإنسان ويغلق عنه كل أبواب الحرية، وآخرون يمنحونه "الحرية مع وقف التنفيذ" وبين طرح ثالث يناضل وبقوة من أغلال الخلط بين الفقه والعادات الاجتماعية، وبين مصالح السادة وتعاليم الدين.

وتحدث إسلاميون آخرون بطرح ينشد الحرية ويسعى لها، لكنه يقف عند قانون تجريم الاسترقاق الذي ظهر قبل سنتين، ليجعل منه نهاية حقبة مأساة وبوابة فردوس ونعيم، ناسيين أو متناسين كم خرق الإنسان تعاليم السماء وعزائم الشريعة، قبل أن يخرق نظم الأرض واصطلاحات البشر.

بكل تلك الآراء المتضاربة والمتناقضة أحيانا، تحدث فتية وشباب مكتهلون، يحسبون أنفسهم على الإسلاميين، وبدا أننا أمام رؤى متعددة لمنتمين إلى تيار واحد، من قضية واحدة. 

ولولا تعقيبات مهدئة لكل من الدكتور المحامي محمد أحمد ولد الحاج سيدي، والأستاذ الحكيم محمد ولد المختار الشنقيطي، والأستاذ أحمد ولد الوديعة، والدكتورة آمنة منت أشفع المختار لكانت تلك الندوة قصمت ظهر العلاقة بين التيار الإسلامي وتيار الحر بشكل لارجعة فيه.

أعلم أو -هكذا أظن- أن من غير المنصف أن يلغي الخط الفكري الواحد آراء منتسبيه، لصالح رؤيته أم موقفه، لكن الأكثر إيغالا وغرابة أن لايملك الخط الفكري أو الجامع الإيديولوجي رؤية محددة من قضية كبرى مثل قضية الرق، فيثور لغط وجدل كالذي ثار خلال تلك الندوة.

في اعتقادي أن الوقت بات مناسبا وضروريا أيضا لأن يؤسس الإسلاميين لرؤية فكرية وثقافية مكتوبة ومنشورة، وموقف واضح ومؤصل ونهائي، يحدد رؤية مذهبية ورأيا لارجعة فيه من هذا الإشكال وغيره من الإشكالات المطروحات.

أعرف أن الرؤية السياسية والفكرية لحزب تواصل قد حسمت هذا الموقف بشكل عملي وبموقف واضح،لكن الحاجة إلى مراجعة وتثقيف والأخص لنا نحن –معاشر العامة– حتى لا نورط الإسلاميين في مواقف وتصريحات لانتحمل مسؤوليتها ولا نقدر أثرها، وأكثر من ذلك لا نؤسسها على علم ولا بينة ولا لسان صدق من الدين ومقاصده والشريعة وأصولها.

وإلى أن يكون ذلك فسأظل أرفع صوتي بالدعوة إلى إلجام العوام عن الكلام في كبريات المشكلات والحديث بما ليس فيه أصل ولا ينبني عليه موقف، ولكم أن تقرؤوا "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا" صدق الله العظيم.

4. أكتوبر 2009 - 16:05

كتاب موريتانيا

ذات صلة