بوادر الانهيار الاستراتيجي للمنظومة الاستكبارية الغربية 2-2 / المختار ولد نافع

 

alt...في الحالة الراهنة فإن المنظومة الغربية في وجهها الاستكباري تسير من إخفاق إلى إخفاق، ولعل قراءة لمعطيات وميادين صراعها في المنطقة العربية والإسلامية من فلسطين حربا إلى تركيا دبلوماسية توضح ذلك وفي هذا الجزء الثاني من المقال استكمال لمحاولة قراءة كهذه .

تركيا وقطر : حين يتمكن المتمسكنون لا تقتصر المظاهر السياسية للفشل الذي منيت به المنظومة الإستكبارية بقيادة أمريكا وربيبتها الصهيونية على الإخفاق في عداوة العدو بل تمتد إلى خسارة الصديق فلقد أتاح الخرق السياسي وعمى الجبروت اللذين أدار المستكبرون الصهاينة والأمريكان بهما حربهما على المستضعفين فرصة كبيرة لأطراف كانت محرجة في دعم قوى الممانعة والجهاد أن تخرج عن مرحلة "كتمان الإيمان" وخير مثال على ذلك تركيا أوردغان وقطر آل ثاني. فلقد كان إسلاميو تركيا مضطرين لكثير من التعامل مع الصهاينة بسبب موقف الجيش المنحاز لإسرائيل لكن تراكم عملهم التدرجي الهادئ أكسبهم علاقة طيبة مع الجيش ثم جاءت الإهانات الإسرائيلية لتركيا فمنحت الإسلاميين فرصة للإيقاع بين الجيش وإسرائيل فاستغلوها بحنكة سياسية وخبرة إعلامية لا مثيل لها.  ومن ذلك الحين وتركيا تتجه بخطوات هادئة لكن حثيثة إلى الخندق الممانع ، ولئن تم ذلك دون قطيعة مع أمريكا فلا أحد يستطيع إنكار أن أمريكا خسرت دورا تركيا حيويا كان يساندها سياسيا واستراتيجيا، ويمنحها فرصة غطاء معنويا في العالم الإسلامي. أما إسرائيل فيكفي في خسارتها الاستراتيجية لتركيا التذكير بكلمة أوردغان التي كان تلميحها أبلغ من التصريح: "صداقتنا قوية ويجب أن يفهم الجميع أن عداوتنا قوية أيضا" أما آل ثاني وإمارتهم الكبيرة معنى وإن صغرت مبنى فإن موقعهم في الخليج بين المشيخات المحروسة أمريكيا كان يملي عليهم الكثير من الانخراط في سلك "الاعتدال المعوج" وتقديم آيات الطاعة وقرابين الولاء ، ولئن كان القطريون ظلوا دائما يسعون في تبني موقف متوازن عن طريق التكفير عن كل ما يضطرون إليه من الولاء الظاهر لأمريكا بمواقف حسنة مثل استضافة قيادات حماس والعلاقة بإيران وحتى إيواء القادة السياسيين للمقاومة الشيشانية: فإن آل ثاني وحمديهم قد استوعبوا التغير الذي حصل في المنطقة وخاصة منذ الحرب على غزة فكان أن انخرطوا هم والأتراك في دعم سياسي صريح وجريء لمعركة الفرقان وواصلوا بعد ذلك في منهج سياسي مماثل للموقف التركي.  وإن من توفيق الله للمستضعفين أن يلهمهم منهجا سديدا للتعامل مع لحظتي القوة والضعف لا يندفع معه الضعيف – حال ضعفه- فتتشتت قواه في مواجهة خاسرة ولا يغفل عن تبدل ميزان القوة -عند تبدله- فيظل خائر العزيمة منشدا إلى الأرض بل يتنبه لأي فرصة تسنح له لضرب الخصم ورد عدوانه ونرجو من الله أن يكون القادة المسلمون في بلاد الأناضول وجوهرة الخليج ممن وفق لهذا المنهج .  بقي فقط أن نقول أن البعض يغمز في تركيا بعدم أهليتها لقيادة العرب لعجمة أهلها وهذا يكفي في رده أن تركيا قادت العرب بالإسلام لسبعة قرون ، أما ما يحتاج لرد وتوضيح فهو المغمز الذي يوجه لقطر بصغرها جغرافيا وبشريا وأنها بذلك غير مؤهلة للقيادة والريادة ، والحقيقة أن هذه المقولة لا تنطلي إلا على السذج أو مقلدة المحللين السياسيين الذين ينطلقون من أفكار جامدة في الفكر الجيوسياسي تقيس الدول بالأحجام والأعداد كأن هذا هو العامل الوحيد في قوة الدول أو كأن التاريخ القديم والحديث والمعاصر لا يعج بشواهد تأبى هذا التفكير الذي يحجر واسعا على حركة العمران وفوران التاريخ وتقلبات السياسة : - أولم تكن هولندا تستعمر اندونيسيا وهي التي لو وضعت على خارطة الأرخبيل الإندونيسي المترامي لما رئيت .  - أو ليست إسرائيل قامت أول ما قامت من طرف ثلة قليلة من شذاذ الآفاق قذفتهم أرجاء الدنيا في بحر معاد لهم يتربص بهم الدوائر وهاهي اليوم دولة قوية تقرع صباح مساء "الأطراف الفاعلة ! في المنطقة العربية " .  - لكن النموذج الألصق بموضوعنا الذي يتحدث عن انتصار القوى المجاهدة والذي يشبه في كثير من الخصائص إمارة الحمدين – حتى في الاشتقاق اللغوي – هو إمارة بني حمدان في حلب وما جاورها في القرن الرابع الهجري؛ فهذه الإمارة على صغرها قامت بأدوار كبيرة في مقارعة الروم في البحر الأبيض وحمت ثغورا كثيرة واستعادت أخرى كانت مستلبة مما لم تقم به دول إسلامية كبيرة عاصرتها وعلى رأسها الخلافة العباسية التي كانت تلك الأيام هي "النظام العربي الرسمي" في خوره وجعجعته

 

نهاية "نهاية التاريخ" ختاما نقول أن تلًقي أمريكا وإسرائيل وخلفهما الغرب ونظمه ومنظماته العسكرية والسياسية لهذه الهزائم بعد ما رموا بثقلهم في حرب حضارية ضد الإسلام وعالمه اللذين صنفوهما على أنهما العدو الحضاري الأول معناه بكل بساطة أن الزمن الأمريكي بدأ في الأفول وأن استشراف الشيخ أحمد ياسين لنهاية إسرائيل في العقد الثالث من هذا القرن أقرب للمعطيات الحضارية والسنن الكونية والتاريخية والتبدل السياسي والاستراتيجي من أحلام فوكوياما عن "نهاية التاريخ والإنسان الأوروبي الخاتم" .  ومهما يكن فإنه مما لا ينبغي على كل حال أن تجعلنا هذه الحقائق نخلد إلى الدعة ونكرر المقولة الإسرائيلية "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" فلئن كان الغرب سينهار ويضمحل فليس معنى ذلك إلا أن فراغا في قيادة العالم سيحدث وستتصارع قوى وحضارات على ملئه فعلينا العمل لكسب هذا الصراع وكما قال ربنا العلي المجيد " عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون " صدق الله العظيم . 

16. يونيو 2010 - 13:27

كتاب موريتانيا

ذات صلة