إلى المصلحين الجدد عندما لاتكون المشاركة عارا / محمد سالم ولد محمدو

altالجميع غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثلا، والجميع أخذ يسود صحائفه في هجائيات مقذعة، وصحت في الجميع روح الوطنية والمبدئية والثوابت والمنطلقات، لم يكن لكل تلك الجلبة والصراخ من داع إلا أن رئيس الجمهورية المنتخب أراد توسيع قاعدته المساندة.

وأن حزبين قدرا ظرفهما وقررا الاستجابة لدعوة من الرئيس بالمشاركة في الحكومة، لتثور ثائرة الجميع، وليخرج الكتاب وأنصافهم والساسة ومتصوفتهم من الأنفاق وليملأوا الأرض ضجيجا وصراخا وليستعيذوا مما ابتلي به "المتساقطون على موائد السلطان" وبائعو النضال وعرق الشعوب من أجل الحصول على مقعد أو مقعدين، الكل كان يقذف زبد الهجائيات ويستيعر لسان الحطيئة ليتحدث عن ذلك الحزب الذي يقوده.. الزعيم... إلى الهاوية وتتحكم فيه جماعة كذا.. وتوالى الكتبة والمتحدثون يدبجون المقالات عن تعطش شديد لنيل السلطة يدفع فلانا وحزبه إلى بيع التاريخ وإلى الصعود عبر أكتاف الشعب إلى المناصب، تحدث الجميع عن سقوط أوراق المبادئ وعن ذبول أغصان الثوابت والمنطلقات، وطفق بعض الساسة المعارضين يصفون زملاؤهم بكل النعوت ويشاركون في تلك الجوقة الصاخبة، ثم توالى اللغط وأثيرت كتيبة النواب فقدمت ملتمس حجب الثقة وسقطت الحكومة وتعاطى نواب الأغلبية والمعارضة الديمقراطية نخب الفوز والإنجاز، ثم جاءت حكومة أخرى خالصة لأغلبية الأغلبية، ثم جاء الانقلاب الفج ليطيح ليس بالمؤسسات الدستورية والرئيس المنتخب فقط، ولكن ليؤسس لمرحلة جديدة من الإحباط والفشل على كل المستويات، ليست فقط في انعدام الثقة فيما يقطعه العسكر على أنفسهم من وعود وما يؤكدونه من مواثيق وعهود، لكنه أسس لمرحلة جديدة من الصفاقة السياسية ومن التلون الحرباوي ومن التناقض العجيب، لقد جاء الانقلاب وفي بعض الساسة بقية ذماء من الخلق الديمقراطي ومن احترام ثقافة المنافسة واحترام المؤسسات الدستورية، لينسف كل ذلك ويبني مكانه ذهنية جديدة، تحاول وبكل صفاقة أن تجعل من السادس من أغشت بداية التاريخ الذي يجب ما قبله، من نضال ومن مبدئية ومن صمود ويمحو كل ما سطر من شعارات ومن قيم، ومن بين ركام تلك الأعذار الواهية والتبريرات العقيمة التي تنسجها "الموالاة الجديدة" وتستر بها عوار الحجة وزيف المنطلق برزت دعوى تزوير الانتخابات، حجة بالغة القوة لو أن صاحبها زعيم المعارضة سابقا زعيم الموالاة حاليا أكمل بقية كلامه أو تساءل عرضا ولوفي مونولوج داخلي (كذلك الذي يستشرف من خلاله مقعدا – أي مقعد – في القصر الرمادي) من الذي زورها إن هذا السؤال لو تم طرحه لاتفترض غير إجابة واحدة، هم من يعد بها اليوم في أقرب وقت ممكن، حتى الزعيم صالح الذي كان فينا مرجوا قبل هذا، وكان عندنا الأمل الذي نراهن على صدقيته ومبدئيته، كنا نراهن على فورة الدم العسكري في عروقه، تلك الفورة التي ستجعله حاميا لقيم الجمهورية منافحا عن الحق، ينحني لخمصه عندما يسقط، كان بإمكاني أن أقول كما قال ابن القيم "العلماء بحار وزلتهم أقذار والماء إذا جاوز حد القلتين لم يحمل الخبث" لكن هذه الزلة كانت بحجم الوطن، فلذلك كانت مسار تحول جديد، ليس ناصعا بالفعل وقد يصعب تبريره والدفاع عنه أمام النخبة الثورية التي التفت حول الزعيم الصالح..
سادتي الكرام قبل أن تشاركوا دعوني أستعير لكم فقرة من مقال قديم للأستاذ محمد الأمين ولد سيدي مولود "أنا من الذين يؤمنون مبدئيا أن الحكومة القادمة إما حكومة صالحة وعملية فيكفينا كمعارضين رقابتها ونصحها، أو حكومة فاسدة لا ينبغي أن نشاركها فسادها". 
إنني وفي ضوء المعطيات على أرض الواقع وتحت ضغط أسماء ـترددت كثيرا كمرشحين لوزارات ـ من بينها أشخاص تورطوا كثيرا في الفساد المالي والأخلاقي في البلد، وتحت شعوري ـ ربما غير المبرر ـ أن هذه الحكومة ستكون حكومة ظل بزي مدني يأمرها ويقودها عسكريون خلف الكواليس، وتحت اشمئزازي كذلك من مشاركتكم في حكومة مطبعة سترغمكم في لحظة ما إلى الجلوس مع صهيوني معزول "كان ذلك في ظل نظام منتخب على علاته، أما حكومتكم الجديدة المستندة إلى مجلس يستمد شرعيته من قوته، ومن جبروته لاغير، من نظام لم ينتخبه من الشعب مدني ولا عسكري، نظام يفتقد شرعية البدء وشرعية الاستمرار ولن تكسبه أي مشاركة من أي حزب كان أي شرعية لاتستمد إلا من أغلبية المصوتين.

إلى الساسة الكرام، ألن تلاحظوا أن حججكم في دعم الانقلاب على الشرعية كانت أوهى من خيوط الأمل الذي تعلقونه على الفريق العسكري المسيطر وأن تبريراتكم لقانونية الاستيلاء والمصادرة التي نفذها العساكر لن تنجح في إقناعكم أنتم أحرى أن تقنع الجماهير،ألم تسألوا أنفكسم مرة واحدة" إذا كان العسكر قد جاءوا بسيدي ولد الشيخ عبد الله فهل أطاحوا به من أجل أن يأتوا برئيس لايتحكمون فيه، من سيقتنع أن المشاركة في حكومة ولد الشيخ عبد الله ستكون عارا وعيبا وشديدا ولن تكون كذلك في ظل حكومة الجنرال.
مؤسف جدا أيها الزعماء أنكم على الأقل لن تستطيعوا التشبث بالحجج التي قدمها زملاؤكم الذين شاركوا في حكومة سيدي ولد الشيخ عبد الله فلا أحد يقتنع بأنكم تريدون الإصلاح وأي إصلاح تتأسس أركانه على حكم فاقد لشرعية الانتخاب،كما أنكم لن تملكوا القدرة على تنفيذ ما ترفعون من شعارات فقط حاولوا أن لاتكونوا أكثر المغبونين،وانتهزوا فرصة المشاركة وعام الفوضى لتعوضوا السنوات العجاف وأيام مؤسسة المعارضة التي بدا أنها لاتسمن من جوعكم ولاتطفئ من غلة تعطشكم إلى سلطة ولو كانت على شفا جرف من الانهيار بين رفض داخلي ورفض خارجي.

إليكم أيها المصلحون الجدد،لن تمنحوا الشرعية ولن تدفعوا مسيرة التنمية إلى الأمام ولن تعززوا الديمقراطية ولن تنسجموا أيضا في الحكومة الجديدة،وستعودون قريبا إلى مرابعكم عندما ينفرط عقد المرحلة وينفسخ عقد الزواج الجديد، ستضافون إلى قائمة المحكوم بهم لتؤدوا دورا بسيطا بعد دور " كتبيبة النواب " المغضوب بهم.
وبين المحكوم بهم والمغضوب بهم ستكون موريتانيا "شاة بفيفاء" ليست ولا لأخيك ولكنها للذيب.

21. أغسطس 2008 - 15:54

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة