حوار هادئ مع العقيد اعل ولد محمد فال / محمد الامين ولد سيدي مولود

altلقد كانت لوحة رائعة وبديعة تلك التي رسمت يوم 19 ابريل 2007 في قصر المؤتمرات عندما سلم العقيد اعل ولد محمد فال السلطة لأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في بلادنا، ورغم ما انطوت عليه تلك الصورة من تشوهات داخلية،

 ورغم حقيقة التأييد السلطوي والعسكري خصوصا للمرشح المنتخب، ورغم أن تلك الظاهرة الرائعة ـ وهذا أسوء ما فيها ـ أظهرت مفسدين كما لو كانوا مصلحين ودكتاتوريين كما لو كانوا ديمقراطيين وزاهدين في السلطة، فإن الجميع كان يستحي من الحقيقة ويتفاءل أكثر من اللازم ولم يكن الناس يريدون أن يسمعوا أي تشاؤم أو صراحة ، لقد كانوا يريدون التمتع بجماليات الشكل دون الاكتراث بحقيقة ما يستره فالمهم (على وجه مي مسحة ملاحة).

لقد غفر الشعب الموريتاني للعقيد اعل ولد محمد فال مرتين : الأولى عندما انقلب على خليله ونديمه ولد الطايع بعد عشرين سنة من التورط معه ـ إن لم يكن توريطه ـ في جميع الملفات، والثانية عندما سلم السلطة بعد قرابة السنتين من حكم عسكري انتقالي شهدت فترته من الفساد والنهب والاختلاس ما لم تشهده البلاد طيلة تاريخها في حيز زمني قصير كهذا. ببساطة لأنه شعب طيب لا يحمل الضغائن وذاكرته ضعيفة ويفضل "العفو عن ما سلف" خصوصا إذا تعلق الذنب بالغير لا بالنفس. واليوم يريد العقيد العفو للمرة الثالثة بل التكريم والبيعة. وبما أنني أرى أن "العفو مرتان" على الأكثر ولا أميل إلى الكراهية ولا إلى الانتقام ولا العقاب أيضا فإنني أرى "أن لا ضرر ولا ضرار" أي "لا عقاب ولكن بيعة ولا إعادة الثقة من جديد". 

وحتى لا أتهم بالتعسف في حق مرشح من بين عدة مرشحين لقيادة البلد فإنني أثير هذا الحوار الهادئ ـ بحجم المسألة والحقائق ـ مع فخامة الرئيس العقيد اعل ولد محمد فال وهو حوار سأطرح فيه سبعة مسائل رئيسية كانت إلى وقت قريب تعتبر أمهات الإشكال السياسي والتنموي في موريتانيا .

وفي انتظار رد الرجل سأبقى مضطرا لإثارة مواقفه السابقة كرؤية له في هذه المشاكل سواء كان ذلك من خلال ممارسته للسلطة كفاعل رئيسي تابع أيام كان مديرا لأمن ولد الطايع، أو فاعل متبوع أيام الفترة الانتقالية أو من خلال تصاريحه وخطاباته وسلوكه العام منذ الفترة الانتقالية إلى اليوم. 

المسألة الأولى: الديمقراطية (تعددية الرأي وحرية الخيارات السياسية)

لنكتف بالحوادث والمواقف السطحية الواضحة حتى لا نوغل في إشكاليات التعريف وجدليات الفكر ولنباشر مساءلة الرجل أيام كان مديرا عام لأمن البلد يتمتع بنفوذ مفرط وثقة مطلقة كيف كان تعامله مع رموز البلد السياسيين ومع مفكريه ومعارضيه ؟ ربما نتذكر سجون "بومديد" و"ولاته" "وتيشيت" وحتى العيون وباقي ربوع منافي قادة الرأي السياسي ومعتقلاتهم. وما هو موقفه من تزوير الانتخابات ـ الذي تكلم عنه منذ يومين ـ منذ 1992 وحتى 2007؟ وبدون شك نحن مضطرون لتذكر جرائد وصحف صودرت أو حرمت وانتزع ترخيصها (البيان، القلم، المرصد، الراية...الخ).
هل كل ذلك من صنع الرئيس ولد الطايع ولا دخل للعقيد اعل في صياغة ملفاته ولا تلفيق تهمه؟! فليكن .
لنتجاوز إلى مرحلة اعل الرئيس. الكثير منا يتذكر كيف أدار اعل فترته الانتقالية سياسيا وهناك صور ينبغي تذكرها:
ـ المجلس العسكري بقيادة الرجل يتدخل في خيارات الناس الحزبية ويفكك أهم أكبر حزب سياسي في البلد لينشئ ما سيعرف لاحقا بمنسقية المستقلين. وهو ما أثار حفيظة قادة الأحزاب وخصوصا المعارضة التقليدية (ائتلاف قوى التغيير الذي حصد أغلبية أصوات الناخبين في اللوائح البرلمانية الوطنية) ففتح قادته النار على العقيد عندما توعد ولد داداه بتغيير عنيف إن يتم قبول التغيير السلس حين وصف الرفض القادم أنه سيكون "سيارة بدون مقود" في مهرجان ملعب العاصمة. أما مسعود ولد بلخير فذهب أبعد من ذلك حين قال أن "الجميع كان يعتقد أن المشكلة تتعلق بشخص ولد الطايع لكن الأيام أثبتت أن اعل ولد محمد فال أسوأ منه" بينما فضل ولد منصور تعبئة الجمهور للرفض بافتتاحه بقصيدة أحمد مطر (أيها الشعب لماذا خلق الله يديك؟...) ...الخ.
ـ بعد فترة وجيزة يطل العقيد غضبان أسفا بسبب مقابلة تلفزيونية قال فيها صالح ولد حننه "أن المفسدين يحاولون العودة من النوافذ بعد الخروج من الباب" ليتوعد منتشيا أنهم أمنوا أمامهم وخلفهم ولا يمكن لأحد أن ينقلب عليهم ولا يريدون العودة من النوافذ....
ثم بعد ذلك في إطلالة أقل توفيقا يغضب الرجل لأن مسعود وصالح جعلا قطع العلاقة مع الصهاينة ضمن تعهداتهم "الحملاتية" (ستشرح هذه المسألة في ملف التطبيع) وهذا حقهم السياسي على الأقل! (أهذا هو الإيمان بالديمقراطية يا فخامة الرئيس؟)
ـ مع اقتراب انتهاء الفترة الانتقالية وفيما كان المواطنون يتهيئون للحصاد السياسي يفجر العقيد أزمة سياسية جديدة عندما دعي إلى التصويت "بالبطاقة البيضاء" وكانت مسخرة العصر أن يتصور من يقود بلدا يهيئه للديمقراطية أن بالإمكان إقناع أغلبية الشعب بالتصويت الحيادي . لقد كان نوعا من التمسك بالسلطة وهو ما تضح لا حقا عندما قامت وفود محسوبة على الرجل بزيارة مقرات الأحزاب والكتل السياسية يطالبون بتمديد الفترة الانتقالية!! (هل هذا هو الزهد في السلطة؟)
ـ في الثامن أغسطس 2008 يقود قادة الجيش انقلابا يرى العقيد اليوم أنه كان كارثة وأنه أفسد الديمقراطية فأين كان طيلة الأشهر العشرة الماضية ؟

المسألة الثانية: ملف الفساد

إذا انطلقنا من التعريف السائد في أذهان العوام "أن رموز الفساد هم ألئك الأشخاص الذي شغلوا مناصب سامية في الدولة وامتلكوا أثناء وبعد مزاولتهم لمهامهم ثروات طائلة لم يقوموا بأي نشاط تجاري يخولهم الحصول عليها سوى اختلاس المال العام وتلقي الرشاوى" فإننا بدون شك سنورط الكثير من كبار مسئولي ولد الطايع بمن فيهم العقيد ولد محمد فال.
لكن لنطبق مع الرجل مبدأه القائل "عفا الله عما سلف" ولنوضح أن ما سلف أيام قالها اعل بعد انقلابه مباشرة تعني ما قبل الثالث أغسطس 2005 أي أن الفترة اللاحقة التي قضاها يقود المجلس العسكري خارجة عن الاتفاق. ولنتساءل أين المليارات التي نهبت من الخزينة العامة ومن التمويلات الدولية في الفترة الانتقالية؟ ثم ما هي وضعية الخزينة العامة أيام غادر اعل السلطة (خسارة 400 مليون دولار كما صرح محمد ولد عبد العزيز)؟ ولنعرج على ملف "وود سايد" وحقيقة ما جرى وحجم التعويضات وطبيعة الصفقة... ؟! ولا ننسى الأرقام التي أعطيت عن حجم إنتاج النفط وتراجعها!! ولنختم بسؤال الرجل عن موقفه الحقيقي من محاربة الفساد، وهل الفساد موجود ؟

المسالة الثالثة: ملف المخدرات

ظهر ملف المخدرات منتصف التسعينيات وبما أن العقيد اعل ولد محمد فال كان مدير الأمن ذلك الوقت وحتى غاية انقلابه 2005 ليقود البلد إلى غاية ابريل 2009 فإنه يبقى الشخص الأدرى بحيثيات هذا الملف الخطير لذلك يمكن أن يساهم برأي أو معلومة في محاربة هذا الملف من خلال الإجابة على بعض الأسئلة التي تتكرر من قبيل: لماذا تم إطلاق سراح جميع المتورطين في ملف المخدرات أواخر التسعينيات بمن فيهم ضباط الشرطة التابعين للرجل؟ لماذا تزايد عصابات المخدرات والكميات العابرة لبلادنا أو الموزعة فيها؟ من يوفر الحماية لهذه العصابات ؟ لماذا رغم ضخامة الملف وخطورته لا يتم توقيف سوى أشخاص محدودي العدد وعديمي النفوذ لم يلبث بعضهم في السجن إلا أيام معدودة؟ ثم ما هي حقيقة ورود أسماء ضباط مقربين منه في هذا الملف في الآونة الأخيرة؟ (كما نشرت بعض المواقع الالكترونية).

المسألة الرابعة: ملف الرق (العبودية)

هو ملف اعترف به كل قادة الرأي السياسي في البلد وكان للرئيس المخلوع وللبرلمان الفضل في حل جزء كبير منه، طبعا بعد فضل الحقوقيين والمناوئين لهذه الظاهرة السيئة وفي مقدمتهم منظمة "نجدة العبيد" بقيادة الحقوقي المناضل بوبكر ولد مسعود، وبعد فضل الأحزاب التي تبنت خطاب القضاء على هذه الظاهرة وفي مقدمتها أحزاب ما كان يعرف بالمعارضة التقليدية.

لكن للعقيد اعل ولد محمد فال واقع ورأي آخر في هذا الملف أما الواقع فهو صمته عن الملف طيلة شراكته مع معاوية ، وأما الرأي فسنكتفي بموقفين اثنين:
أولهما فقرة من خطاب الرجل في مدينة روصو أيام كان رئيسا عندما قال: " إن أولئك الذين يواصلون مطالبتنا بإلغاء الرق من ناحية الشكل ومن الوجهة القانونية إنما يريدون أن تظل هذه القضية مطروحة كشعار..... وبما أنه ليست في موريتانيا مشكلة أبدا تخص إلغاء الرق من الناحية القانونية فإن الهدف من هذا الشعار هو أن يظل بلدنا مدانا ومشوها ومتهما بالعبودية مع أنه لا تمارس فيه العبودية ولا وجود فيه للرق".

لقد جاء الرد سريعا من المعنيين ـ وإن كان الكل معنيا ـ في حركة الحر حين رفعوا لافتات تنفي ما قاله الرجل في روصو وتطالب بالتحقيق في الفساد في الفترة الماضية ، وكان ذلك في مهرجان أقامه المجلس العسكري في الملعب الأولمبي في حملة التعديلات الدستورية، وعندها حاول بعض عناصر الأمن انتزاع اللافتات من أيدي حملتها لكن دون جدوى.

أما الثاني فهو غضب الرجل في اكجوجت لمجرد أن رأى لافتة كتب عليها "نعم لإلغاء الرق" حيث تشنج وكرر بأعلى صوته "نعم لإلغاء الرق" مرات وأردف "لا يمكن لأحد أن يزرع فينا عقدا من أوضاع ليست أوضاعنا" (فهل نريد العودة لمثل هذه المشاداة وهذا التجاذب؟).

الخامسة: شراكة الإسلاميين في السياسة 

ولا نعني هنا التكفيريين الذين لا يعترفون بالدستور ولا يشاركون في الانتخابات. وإنما نعني ما يعرف بالإصلاحيين (تواصل) أو تيار الإخوان المسلمين في موريتانيا. فرغم إجماع القوى السياسية جميعها على ضرورة منح هؤلاء حقهم في تشكيل أي حزب فإن العقيد ولد محمد فال ظل متصلبا على الموقف التقليدي في شقيه أي الخلط بين هؤلاء وأولئك وضرورة حرمان الجميع من المشاركة السياسية. وهنا نتذكر خطاب الرجل في روصو حيث هاجم الجميع وتعهد بعدم السماح لهم بحزب في موريتانيا بل وطالب باستئصال "هذا الورم" في هجوم هو الأعنف من نوعه. وهنا أورد آراء نشرت حينها لبعض السياسيين في ردهم على الرجل:
ـ نائب رئيس حزب التحالف الخليل ولد الطيب قال:" هذا الموقف الخاطئ والغريب ينذر مع الأسف الشديد باستمرارية المواقف المشينة التي عودنا عليها النظام السابق الذي اتخذ من الإسلام والإسلاميين ورقة تجارية يسوقها في بعض الدوائر الغربية والصهيونية"
ـ نائب رئيس حزب التكتل محمد محمود ولد لمات قال:" "التكييف الذي وصل إليه رئيس المجلس العسكري بخصوص "حمد" غير مقبول سياسيا على الإطلاق " مضيفا أنه "أنه لا يخدم العملية الانتقالية، ولا يخدم جو الوئام والتلاحم الذي ساد بعد الثالث من أغسطس".
ـ رئيس اتحاد قوى التقدم محمد ولد مولود قال""لا يمكن اعتباره تجاوزا للدستور فكيف يمكن أن نعتبر أن حزبا معينا لا يحق له أن يرى النور لأن شخصا معينا له نظرة سياسية ذات خلفية إسلامية.."
فهل من الدستور أو من الإسلام المعتدل منع ثالث أكبر حزب سياسي (إذا اعتمدنا اللائحة الوطنية معيارا) اليوم من ممارسة السياسة ؟ وما الفرق بين نواب تواصل ونواب أي حزب آخر وكذلك العمد؟
(هل يمكن أن نعود لأسلوب إقصائي كهذا بعد الحرية التي عمت بعد رحيل الرجل عن السلطة؟).

المسألة السادسة: ملف المبعدين 

لقد تهرب العقيد اعل من هذا الملف رافضا الاعتراف به فبالأحرى علاجه وربما للرجل أسبابه في ذلك بحكم موقعه الأمني أيام الأحداث أو بحكم أمور أخرى . لكن اليوم وبعد أن عاد جل المبعدين واستقبلتهم جميع الأحزاب الوطنية أيام الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وأيام المجلس الأعلى للدولة هل يرى العقيد أن الكل مخطئ وينبغي أن يبعد القوم من جديد أم أنه كان على خطأ عندما تجاهل هذه المأساة؟.

المسألة السابعة: ملف التطبيع 

بما أن الشعب الموريتاني حساس جدا تجاه دينه وعقيدته فإنه لم يجمع على شيء كإجماعه على ضرورة وقف خطيئة التطبيع، فهذا الشعب الذي غفر التفقير والتجهيل ونهب أمواله وحرمانه من أساسيات الحياة لم يغفر وجود صهاينة قتلة على أرضه لذلك ظل يغلي إلى أن تم طردهم أيام المجلس الأعلى للدولة . لكن الغريب هو إصرار العقيد ولد محمد فال على استمرار هذه العلاقات المشينة، فرغم أن الرجل لم يكن صاحب القرار ـ نظريا ـ بإقامة هذه العلاقات ولا يتحمل دفع ضريبة قطعها لأنه لم يحصل له شرف القيام بذلك أيام كان رئيسا انتقاليا لا يلوي على شيء، فإنه لا يزال يصر على أهمية استمرارها. وهو ما صرح به أكثر من مرة حتى وهو خارج السلطة. بل بلغ حد علاقته باليهود أن ذهب ليحضر منتدى للوقوف ضد نكران الهوليكوست. 
أما أيام كان رئيسا فيكفي تشبثا بهم أن بلغ مرحلة حاول الرجل أن يضغط على بعض المرشحين لمجرد أن تعهدوا بقطع هذه العلاقة في حالة فوزهم المستبعد وشنها حربا شرسة ضدهم قائلا إن علاقات موريتانيا الدبلوماسية فوق كل اعتبار!! 

خاتمة 

يردد جل من يزور العقيد اعل ولد محمد فال اليوم عبارتين أساسين تشرحان سبب دعم الرجل : الأولى أن الرجل رصد مبالغ ضخمة لحملته والثانية أنه المؤهل لهزيمة ولد عبد العزيز. وكأن مشاكل موريتانيا تحل بإنفاق ضخم في حملة أسبوعين أو بهزيمة ولد عبد العزيز!!
إن مشكلة موريتانيا السياسية الملخصة في ضرورة آلية تضمن التناوب السلمي على السلطة اختيارا لا اضطرارا، وفي منح الحريات قناعة لا تكلفا لا يمكن حلها إلا عن طريق من يؤمنون بخلاف الرأي وتتسع صدورهم لسماع من يخالفهم.
كما أن مشكلتها التنموية المتمثلة في سوء التسيير والفساد لا يمكن حلها إلا من خلال من يهاب المال العام أو لم يذق طعمه طيلة حياته ، من يؤمن أن الأمانة أمانة.
إن الشعب الموريتاني اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بحسن الاختيار وبعد النظر حتى لا يضيع هذه الفرصة الذهبية نتيجة أطماع آنية لن تحقق حتى لأصحاب الأطماع الفردية ما يحلمون به.

9. يونيو 2009 - 10:54

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة