عفوا.. أدوية "الملاريا" ليست مجانية / حبيب الله ولد أحمد

altالحديث عن "تعليمات الرئيس" بضرورة توفير العلاج المجاني للملاريا ليصبح متاحا للمواطنين أسيء فهمه من طرف الجميع.. فالرئيس كان عليه أن يتحدث عن "الجرعات الوقائية", 

وهي ليست علاجية, فأقراص "النيفاكين" يمكن توفيرها مجانا باعتبارها أقراصا وقائية بالأساس تعطى عادة للحوامل والمسنين وسكان المناطق الأكثر عرضة للإصابة بحمى الملاريا ولفترات مديدة كما أنها رخيصة الثمن , غير أنها ليست علاجا يمكن وصفه للمرضى الذين أصيبوا بمراحل متقدمة من الحمى.. الحكومة أيضا بالغت كثيرا في الحديث عن "مجانية الدواء" وخاصة وزارة الصحة التي من المفترض أنها المعنية الأولى بهذا الموضوع الذي يدخل في صلب اختصاصاها.. المواطنون أخطئوا بدورهم عندما تدفقوا على المشافي والمراكز الصحية بحثا عن "الدواء المجاني", لدرجة أنهم تناسوا كل أمراضهم وإصاباتهم واختصروها في الملاريا ,فالمصاب ب"السل الرئوي" لا يريد إلا "دواء الملاريا" لأنه مجاني, والمصابون ب"التهابات القصبات الهوائية" و"الأذن والأنف والحنجرة" لا يريدون إلا علاج الملاريا المجاني, وكذلك مرضى "البواسير" و"الاسهالات" و"الحمل خارج الرحم" و"اضطرابات الدورة الشهرية" وحتى "نقص الأملاح" و"فقر الدم".. وكأن عبارة "مجاني" هي البلسم لكل أمراضهم.. ولقد رأيت في مركز تيارت الصحي بالعاصمة إحدى المريضات لديها إسهال حاد وسعال غامض رفضت أخذ الوصفة الطبية قائلة إنها تريد فقط الدواء المجاني للملاريا ولن تأخذ غيره ولن تذهب بدونه. وفي قسم الحالات المستعجلة بمستشفى الشيخ زايد بدار النعيم رفض عدة مرضى شراء الحقن والأدوية الضرورية لعلاج الحالات المتقدمة من حمى الملاريا بحجة أنهم سمعوا في الإذاعة والتلفزة أن علاج الملاريا أصبح مجانيا في البلاد بأوامر من رئيس الجمهورية.. لقد تم تغييب عدة حقائق تتعلق بالحديث عن مجانية العلاج من الملاريا لسوء الفهم الذي أبداه الجميع من أعلى هرم السلطة وحتى أسفل القاعدة الشعبية ولذلك لابد من توضيح جملة حقائق تنبغي معرفتها حتى لا تختلط الأوراق  1- لا حقيقة لمجانية دواء حمى الملاريا فالأطباء عبر العالم لم يعودوا يعالجونها بأقراص "النيفاكين" التي احتفظت منذ سنوات بدور وقائي قلص كثيرا من النظر إليها باعتبارها ذات دور علاجي. 2- إن لحمى الملاريا بالفعل أعراضا أولية بسيطة تمكن المغامرة طبيا بعلاجها مؤقتا ب"النيفاكين", ولكن عندما تتفاقم حالة المريض ويدخل في طور الاقياء والتشنج والارتفاع المفرط لدرجة الحرارة والشعور بنوبات برد قاسية (رجفة) فلا بديل وقتها عن أخذ العلاج بالحقن عن طريق التسريب الوريدي بمحلول "الجليكوز" ومضادات الملاريا ومخفضات الحرارة مثل "بيرفالجان" ومضادات الاقياء مثل ال"بريمبران" وفي حالة أعراض مصاحبة كالإسهال والضعف العام يتم تسريب أدوية أخرى كمضادات الإسهال المميهة ومعوضات الأملاح وفيتامينات التقوية وهنا لا يمكن الحديث عن مجانية أي شيء بداية بقطعة القطن المبللة بالكحول مرورا بالمسربات وليس انتهاء بالحقن المخفضة للحرارة فوصفة واحدة فى هذه الحالة تكلف المريض على الأقل 5000أوقية "إبرة التسريب, المسرب,محلول الجليكوز,الشريط اللاصق,القطن المعقم ,المحاقن مختلفة الأحجام والأدوار ,المطهر,خافضات الحرارة,مضادات الاقياء والغثيان ..." هذه كلها غير متوفرة إلا بالشراء من الصيدليات الحكومية التي ينفد مخزونها عادة من هذه المستلزمات الدوائية بسرعة غريبة وفي ظروف غامضة أو من صيدليات القطاع الخاص التي تبيعها بأسعار تفوق القدرة الشرائية للسواد الأعظم من المواطنين ولا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن مجانيتها 3- في حالة عجز المريض عن شراء الوصفة المبينة أعلاه فإنه يصبح معرضا للدخول في المرحلة الأخطر من حمى الملاريا وهي "الملاريا العصبية", إذ أن الطفيلي المسبب يصبح قادرا على التحرك دون حواجز في جسم ضحيته الضعيف, وعندها تصبح الحالة حرجة جدا والوصفات أكثر غلاء وندرة, فبدلا من ست ساعات تسريب وريدي للعلاج الطبيعي فإن المريض يصبح بحاجة لأيام عديدة إما على أسرة مستشفى الأمراض العصبية وإما على أسرة أحد أقسام العناية المركزة. 4- تم فعلا توفير جرعات وقائية في بعض المراكز الصحية لكنها نفدت بسرعة بسبب ضالة كمياتها و إقبال الناس على طلبها 5- كل علاجات الملاريا غير مجانية, فهي إما بأسعار مرتفعة لكنها في حدود المعقول في مشافي الدولة وصيدلياتها, وإما أنها بأسعار باهظة لدى سماسرة القطاع الخاص وصيدلياته وعياداته المتوحشة 6- من الظلم تحميل الأطباء والممرضين مسؤولية عدم توفير الأدوية المجانية"إن المرضى ومرافقيهم يعتبرون دائما الأطباء والممرضين حلقة اضعف يجب أن تدفع وحدها ثمن الأخطاء السياسية والمزايدات الرخيصة في مجال التغطية الصحية والخدمات الطبية ولذالك يهاجمونهم ويتهمونهم زورا بتعطيل مجانية الأدوية واستغلالها لتحصيل المال الحرام" فالحديث عن وجودها بدوافع انتخابية يختلف عن توفيرها على الأرض لدوافع إنسانية بحتة, والأطباء والممرضون عليهم فقط وصفها للمرضى وصرفها لهم في حالة وجودها فعلا لا أقل ولا أكثر. 7- كان من الواجب الأخلاقي والمهني لأطباء وزارة الصحة ومستشاريها العاملين في مصالحها ودوائرها العليا أن يشرحوا لرئيس الجمهورية صعوبة تفهم الناس لمجانية العلاج وأن يشرحوا له الفرق بين توزيع أقراص "النيفاكين" الوقائية مجانا, وبين توفير العلاج الخاص بالملاريا, فشتان ما بين الأمرين, كما أنه كان عليهم تحسيس المواطنين بالفرق بين مجانية العلاج الوقائي الذي يمكن للدولة توفيره لهم, وضرورة البحث عن العلاج الدوائي الذي لامناص من تحمل تكاليفه وليس بمقدور الدولة توفيره لهم لا عمليا علي الأرض ولا حتى نظريا في أدمغة الساسة والحاكمين والمزايدين المتزلفين.. هذه جملة حقائق غابت عن السلطات لأسباب انتخابية" و"غيبت عنها" لأسباب سياسية, وتكتمت عليها السلطات الصحية لأسباب تتعلق بالخوف من رفض أوامر "المخزن", وتم تغييبها عن المواطنين لأسباب عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها إنها حقائق توضح دون غموض أو التباس أنه لا صحة للحديث عن توفير علاج مجاني للملاريا وإنما يتعلق الأمر فقط بجرعات وقائية رخيصة ربما عجزت مخازن وزارة الصحة عن الاحتفاظ بها لعقود أخرى قادمة كما احتفظت بها طيلة عقود ماضية ليس بعيدا عن متناول الأطفال هذه المرة وإنما أيضا بعيدا عن متناول كل المواطنين وبدون استثناء .

9. نوفمبر 2009 - 11:05

كتاب موريتانيا

ذات صلة