.. وداعا سيدي الشيخ / حبيب الله ولد أحمد

altشيخنا محمد سالم ولد عدود بأية طريقة سنودعك، وأنت تسير عن عالمنا ثابت الخطا، واضح النهج، ممتد الدرب نحو جنة الرضوان؟ هل نبكيك سيدي الشيخ؟.. هل نلطم الخدود ونتوارى أسفا وقد أبيضت أعيننا من الحزن؟

سيدي.. خبر رحيلك عنا لم نستطع تحمله.. تملكنا إحساس غريب بأن جبلا أنهد من أمامنا، وبأن حياتنا كلها أظلمت واتشحت بالسواد..
سيدي كيف العزاء فيك؟ وهل من يمسح دموعنا عليك؟ 
لسنا وحدنا سيدي الشيخ من سيبكيك بحرقة وغصة..
القرءان بآياته ومتشابهه.. الحديث بروايته وسنده أنساب العرب.. أيام العرب.. تاريخ العرب.. أشعار العرب..
أرض شنقيط كلها بشجرها وحجرها ومدرها.. بآبارها ووديانها.. ببطاحها ونخيلها.. بضفافها وشطآنها.. كلها ستبكيك أيها الشيخ.. ألم يترجل فارس المحراب؟ ألم تتيتم اللغة العربية، والفقه وأصوله، والسنة المطهرة النقية؟
أليس هذا نحيب أسباب النزول والمقصور والممدود وعلم الفرائض والقراءات والمذاهب والمدارس الأدبية والفكرية والطب وعلم الاجتماع والتاريخ؟
أليست تلك دموع لسان العرب وشهقات المعجم والقاموس؟
سيدي لمن سوف ننصت بعدك وقد افتقدنا فيك مدرسة بكاملها؟ 
سيدي أين سنجد بعدك تواضع العلماء ووقارهم ومهابتهم؟
سيدي.. من أين لنا بعدك بشجرة معطاء وارفة الظلال ثمارها علم وتواضع وسخاء وأريحية أصلها ثابت وفرعها في السماء؟ 
سيدي.. من أين لنا من بعدك بعالم زاهد طهور ورع لا يرفع عينيه في محدثيه حياء وتواضعا وغضا للبصر؟! 
سيدي.. ماذا نقول لأمهات الكتب؟ ماذا سنقول لكل العلوم القديمة والحديثة التي كنت بحرها الأوحد الذي لا ساحل له؟ 
يا للرزء الذي حل بالتواضع والاعتدال والوسطية وقد فقدت كل هذه القيم برحيلك فارسها الذي لا يشق له غبار..
يا لبؤس رمضان ولياليه وقد غابت عنها طلعتك البهية المنيرة وعلمك الذي لايعلى عليه!
لقد أصبحنا من بعدك يتامى يا سيدي الشيخ.. ودخلنا بغيابك دائرة الظلام والضياع وقد فقدنا فيك أبا مرابطا ومعلما شجاعا سخيا حييا غاضا لبصره معتدلا في طرحه قنوعا واثق الخطوات لا تأخذه في الله لومة لائم..
نبكيك وما يغني البكاء عن أناس سقط النجم الذي ينير حياتهم وانهارت الأرض كلها من تحت أقدامهم وزلزلوا برحيلك زلزالا شديدا.. 
سيدي الشيخ هذه دموعنا، وهذا يوم مأتمنا، وها نحن نتجرع الألم والمرارة والضياع برحيلك عنا..
سيدي الشيخ نم هنيئا قرير البال وأنت الذي سرت باتجاه ملك الملوك على درب المحجة البيضاء الذي رسمته لنفسك وسرت عليه كما رسمه وسار عليه من قبلك أجدادك وآباؤك المنعمون.
وداعا سيدي الشيخ.. لا نطيق الوداع ولكن ما الذي بمقدورنا أن نفعله أكثر من التسليم بقضاء الله وقدره والسير في صحراء الحياة من بعدك وأنت الذي ستبقى في قلوبنا وذاكرتنا إلى الأبد حتى بعد أن نودعك؟
معذرة سيدي الشيخ.. ها نحن نودعك:
"ولا عين إلا وهي عين من البكا 
ولا خد إلا للدموع به خد". 

30. أبريل 2009 - 18:13

كتاب موريتانيا

ذات صلة