المهرجان البائس / حبيب الله ولد أحمد

altلحكمة إلهية بالغة بقيت طريح الفراش طيلة أيام ما سمي "مهرجان موريتانيا الشعري الأول في دورته الأولى" إلى آخر تسميته الطويلة المملة التي تقول أيضا إنه "إمارة الشعر من الخليج إلى المحيط" دون أن تنسى أنه "برعاية الجنرال محمد ولد عبد العزيز رئيس المجلس الأعلى للدولة رئيس الدولة" وأنه "يستضيف 25 شاعرا ومفكرا من مختلف الدول العربية" وأنه"ينظم تضامنا مع غزة".

وربما عجزت أنامل مصممي اللافتات وبطاقات الدعوة عن إضافة المقطع الأهم في "قصيدة المهرجان" والتي هي طبعا -كما نظن نحن الجهلة بالشعر- وقواعده من "بحر الخليج" الذي أصبح مطروقا جدا من قبل شعراء هذا العصر العربي المتعفن؛ خاصة وأنه بحر يعتمد "متحركات" (الأس أم أس) وسواكن "الأرصدة الخلوية" والمقطع الذي لم يضيفوه في اللافتات وبطاقات الدعوة هو أن التمويل خليجي وجها ويدا ولسانا، واختيار "الشعراء" إماراتي (إضافة لإمارة الشعر الموريتانية البائسة وليس نسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة) وهو لذلك جاء انتقائيا ولائيا عائليا محصورا في بطانة "الأمير" الذي يتربع على إمارة أصغر بكثير من إمارة "موناكو" وأكثر ضيقا وانغلاقا من دويلة "الفاتيكان"!
تصوروا أن الصحفي لكي يحصل على بطاقة دعوة لهذا المهرجان الذي هو سياسي أكثر من أي شيء آخر عليه أن يصبح "بشمركيا" أكثر من مسعود البرزاني وموهوبا في الارتزاق.. وهذا ليس تجنيا أو كلاما من فراغ؛ فأنا حاولت طيلة ثلاثة أيام -عبر زيارات دورية لمقر سكرتارية المهرجان الحصول- على بطاقة دعوة كان من المفترض أخلاقيا -أو تنظيميا على الأقل- أن أحصل عليها في مقر الجريدة أو عبر الإيميل.. لقد وجدت نفسي فجأة ولأول مرة في حياتي مرتزقا أمام باب "الإمارة" أتدافع بالمناكب مع الشعراء والغاوين وأضرا بهم؛ بحثا عن بطاقة تافهة ولولا تدخل صديقي "الحسين" لما وجدتها فقد أعطاني إياها بعد لأي "غير موقعة" ولكنه -على أية حال- فتح "معبر رفح" لمدة دقيقة ليسلمني البطاقة؛ فله مني جزيل الشكر والامتنان..
ورغم جهادي للحصول على البطاقة المذكورة فقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يقعدني مرض مفاجئ أفقد البطاقة قيمتها وخلفني والحمد لله ونعم به عن حضور فعاليات المهرجان الباهت البائس الذي أتيح لي أن أتابع بعض فقرات المهرجان عن طريق التلفزة الوطنية.
والذي لولا وجود أصوات عظيمة فيه شكلت نشازا في كينونته من قبيل القمم السامقة أحمد ولد عبد القادر ومحمد ولد الطالب وروضة الحاج وأبي شجه ومعتوق ومهدي منصور وعبد الرحمن يعقوب.. لما كتبت عنه سطرا واحدا؛ فهذه الأصوات العظيمة وهبته ألقا وبريقا كادت الانتقائية والانتهازية أن تنسفها منه أصلا وفرعا.. 
ولأنني قلت إنه بائس -وتافه أيضا- فدعوني أوضح بعضا من ملامح ذلك البؤس وتلك التفاهة عبر هذه الملاحظات العابرة:
1- كانت الدعوات انتقائية محصورة في وجوه معدودة بلا قامات شعرية (لا تحرجوني بإعطاء أسماء وأمثلة). 
2- اعتمد "الأمير" في كل مراحل المهرجان على "كومبارس" من الأحداث (لا أعرف لها تأنيثا) استأثر بكل شيء، حتى بإهانة الصحفيين والقول لهم بدون خجل إنه لن يسمح لأكثر من وسيلتين إعلاميتين محليتين "مستقلتين" بتغطية وقائع المهرجان؛ بالإضافة -طبعا- للإعلام الرسمي! وكان واضحا أنها خطوة تهدف لتقليل أخطار الإنفاق على الصحافة من أموال هيئة أبي ظبي والمجلس الأعلى للدولة؛ وكأن كل الصحفيين جاؤوا إلى "الإمارة" طمعا في العطايا من دنانير وغلمان وخيول وخمر معتقة!!
ومن المؤسف أن المنظمين تجاهلوا حقيقة أن هناك صحفيين -وحتى شعراء- وطنيين لا يريدون مالا ولا جاها ولا يمدحون أحدا لأنه أعطاهم ولا يذمون أحدا لأنه منعهم، ويؤمنون مع شاعر العراق الفحل "بأن الأرض دائرة وأن فيها كراما بعد ما رحلوا".
3- أي مهرجان شعري موريتاني حقيقي لا تصدح فيه الأصوات المجلجلة القوية المؤمنة التي لم تحترف الارتزاق يوما واحدا في حياتها من أمثال امباركه بنت البراء والتقي ولد الشيخ وبدي ولد ابنو وأحمد أبي المعالي.. وغيرهم من أبناء بجدة اللغة العربية والشعر العربي المتوارث قبل اكتشاف الخلوي ورسائله الخليعة وانتخاباته غير النزيهة؟.. 
ليس منطقيا أن يكون مهرجان تغيب هذه الأصوات العظيمة جديرا بالاحترام؛ خاصة وأن هؤلاء العمالقة لا يريدون فُتات موائد المحيط ولا بقايا نفايات الطعام في الخليج (الشعار الأنسب للمهرجان كان ينبغي أن يكون: "إمارة الشعر من الخليج إلى الخليج").
4- ليس من المقبول أن ننسب بيتا ذائع الصيت للمناضل الفلسطيني صخر أبي نزار لشاعر موريتاني يملك من الشعر ما يغنيه عن إضافة بيت شعري ليس له؛ لمعينه الشعري الذي لا ينضب والبيت المذكور هو:
"لا الساعة اقتربت ولا انشق القمر *** 
لكن بركان التحدي في فلسطين انفجر"
5- كيف لمهرجان شعري موريتاني أن يتحول هكذا إلى دردشة أنثوية مخجلة يصف فيها هذا الشاعر شاعرا آخر بأنه أنيق أو وسيم.. وتوصف هذه الشاعرة أو تلك من طرف أحد المنظمين على الربط بأنها تمتلك ثغرا باسما أو عينا حوراء؟! إن تلك المشاهد أصابتنا بالاشمئزاز الأخلاقي وأبعدتنا عن فضاء الشعر الرجولي المتضامن فعلا مع "المقاومة" لا مع "المقاولة" (لن أضع حرفا آخر بدل "لام" المقاولة).
6- غريب حقا أن نحرم شعراءنا العمالقة من الإلقاء والحضور لنعطي وقتا ثمينا لشخص لا يجيد سوى شعر نبطي" (اقرؤوها "نفطي" إذا شئتم) لا هو يفهمه ولا جمهورنا يعرف عنه أي شيء.. وكان من الاحترام لدراعتنا -مهما كانت الجنسية- أن يسمعنا لابسها شعرا عربيا فإن لم يستطع فكلاما "حسانيا" وذلك اضعف الإيمان.
7- ينبغي تذكير بعض الصحفيين المكلفين -لأسباب خاصة- بتغطية المهرجان بأن الموريتانيين جابوا أصقاع المعمورة؛ وربما تكون قلة قليلة منهم من الشعراء والصحفيين هي التي جابت وحدها "أقصاع" المعمورة إذا كان الأمر هنا يتعلق بالقصعة وما ترمز إليه من الأشياء المادية المتاحة في المهرجان لأمثال أولئك الصحفيين.
هذه ملاحظات عابرة على مهرجان الشعر الذي تحول إلى مهرجان سياسي تأقزم فيه مستوى الأداء والتنظيم، وشكل إهانة للشعر العربي الموريتاني الجميل والأصيل، وغلبت عليه الزبونية والانتقائية، وقلب فيه الهرم الشعري الموريتاني.. ليبقى عمالقته مغيبين في الحضيض وتتسلقه حفنة مبتدئين يفهمون الشعر عرضا للأزياء واستذكارا لزمن التغزل والعواطف والحصول على "الأتعاب"!!
أقول هذا وأكتبه واعتقده -على مسؤوليتي- وليس من عادتي أن اكتب ما لا يمثل قناعتي ولا يمكن لأي ظرف -مهما كان- أن يحولني إلى شيطان أخرس ساكت عن الحق.

12. فبراير 2009 - 12:02

كتاب موريتانيا

ذات صلة