هل يعفي الجهل بالقانون من المسؤولية الجنائية؟ / احمد حبيب صو

مما لا شك فيه ان الجهل بالقوانين يوقع افراد المجتمع في مشكلات جسيمة واخطاء هم في غنى عنها لو كلف كل شخص نفسه عناء البحث والاطلاع عن التشريعات والقوانين فهي تتعلق بكل انشطة حياتنا اليومية وشتى تحركاتنا وعلاقاتنا الاجتماعية والتجارية والمدنية وغيرها، لذلك صدق القائل :أن قطرة من بحر القانون تحمي من الغرق في كثير من المشكلات والجرائم.

   إن الوعي بالقوانين ضرورة حياة لا سيما في ظل تشابك الامور المعيشية وتعقد المصالح والاحوال.. اذن لا بد ان نتوغل في عالم التشريعات ونطلع على خفاياها واسباب تشريعها.

    إن المشرع في كثير من الدول ومنها  موريتانيا  مكرسة في دستور البلاد  في المادة:  (17) , جعل العلم بالقانون فرضا على الجميع، وحدد طرقا يتم بها نشر القوانين بحيث بعد نشرها لا يجوز لشخص ان يتذرع بجهله بقانون معين، حتى يتخلص من المسؤولية الجنائية، واوجد المشرع بين مبادئه القانونية مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون، ولكن ما يهمنا ان نقف عليه هو هل ورود على هذا المبدأ استثناء يجوز فيه للشخص ان يقرر انه يجهل القانون؟، فيعفى من المسؤولية الجنائية، ام انه لا يحق له ذلك مطلق؟ا، وهل هذا العلم مفترض في كل القوانين ام في قانون الجزائي  فقط؟في البداية نريد أن نؤكد  ان القوانين كافة تنشر في الجريدة الرسمية وفي وسائل الاعلام المختلفة باستحياء باللغة  الرسمية العربية  وبالفرنسية ولكن أين هي اللغات الوطنية  والاميين ؟ ومن ثم تقتضي المصلحة العامة العلم بالتشريعات والا عمت الفوضى في المجتمع.

       لكن نؤكد أيضا أن هناك حالات قد يرى القاضي ضرورة التماس العذر لمن ارتكب خطأ لجهله بالقانون.. وهذا ما سنعترضه له بالتفصيل في ما يلي:

      بدايتا قبل أن نتطرق لمفهوم مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون، لا بد أولاً أن نعرف خصائص القاعدة القانونية بعجالة، فمن خصائص القاعدة القانونية العموم والتجريد والإلزام، ومعنى العموم والتجريد ان القاعدة القانونية عامة مجردة تنطبق على عموم الناس أي أن القانون لا يفرق بين الناس، عموماً ولو فرض أن هناك قانوناً ينظم عمل فئة معينة مثل قانون الأطباء، فهو ينطبق على كل الأطباء ولا يخل ذلك بعمومية القاعدة القانونية وتجريدها.

احترام  القوانين:

     إن القاعدة القانونية ملزمة لكل الناس، أي أنها واجبة الاتباع لكي يُحترم القانون، لأن القانون جعل لكي يُحترم، أما ما نحن بصدده من مفهوم مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون فذلك معناه انه لا يجوز لأحد أيا كان أن يقول إنني أجهل القانون ولا أعلم به، فالعلم بالقانون مفترض ولا يحتاج إلى دليل عليه، ويقال لا يُعذر المرء بجهله بالقانون لأن العلم به مفترض، ولا ضوابط لذلك.

     ونضيف من شروط تطبيق المبدأ نشر القانون في الجريدة الرسمية، وبعد ذلك يكون العلم به مفترضاً، أما عن مبرراته، فكما سبق القول، ونحن بصدد الحديث عن خصائص القاعدة القانونية ان خصائصها العموم والتجريد والإلزام فهي تطبق على الكل فسواسية، وإذا تعذر المرء لجهله بالقانون فستسود الفوضى ويفلت المذنبون من العقاب، لأن من أبسط الأشياء أن يقول الناس اننا لا نعلم بالقانون ونجهله ولذلك جُعل هذا المبدأ كي لا تسود الفوضى.

       ولكن هل هذا المبدأ على إطلاقه، أم هناك استثناءات فيه؟ كما سبق القول لا يُعذر المرء بجهله بالقانون مهما كانت هناك ظروف وأسباب هذا الجهل، فلا يجوز أن يتعذر الناس بجهلهم بالقانون آو جهة او اقلية، لذلك يُعمل بهذا المبدأ على إطلاقه ولا توجد أي استثناءات على هذا المبدأ.

       ونلفت إلى أن المشرع قرر وسيلة العلم بالقانون وهي بمجرد نشر القانون في الجريدة الرسمية، أما عن مدى كفاية تلك الوسيلة لكي يعلم الجميع علماً حقيقياً، فالعلم بالقانون مفترض ولا يجوز إثبات عكس ذلك الافتراض بأي حال من الأحوال، أي أنه لا يشترط العلم الحقيقي لأن ذلك الاحتمال محال أن يتحقق، لذلك فهو مفترض لا يجوز إثبات عكسه، أما عن أن تلك الوسيلة التي قررها المشرع للعلم بالقانون فهي بالقطع غير كافية للعمل الحقيقي فأين العدالة ولكن  هل  حاولنا الضتخفيف من اطلاق  مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون في ظل اعتبارات العدالة؟ فهذا المبدأ من القواعد القانونية والدستورية ، وكما سبق أن أسلفنا، أن العلم بالقانون مفترض في الكافة ولا يجوز إثبات عكس ذلك، لأنه إذا تعذر الناس بجهلهم بالقانون فستسود الفوضى، لذلك فلا مجال للتخفيف من إطلاق هذا المبدأ.

وعما إذا كان هناك فرق بين الخطأ والجهل بالقاانون ؟ بالطبع هناك فرق كبير بين الخطأ أو الجهل بالقانون، فيعذر المرء لجهله بالواقع، كأن يطلق شخص النار على آخر متوهماً انه (س) من الناس، ثم بعدما يطلق النار يتبين انه (ص) من الناس، ففي هذه الحالة لا يعاقب بالقتل العمد، ولكن يعاقب بالقتل الخطأ، وأيضاً يعاقب لأنه شرع في قتل (س) من الناس الذي كان قاصداً قتله، وعلى ذلك يكون الخطأ في الواقع مختلفاً تماماً عن الجهل بالقانون الذي لا يعذر المرء به، ومفترض علم الجميع به ولا يقبل إثبات العكس واذا ما تكونت القاعدة القانونية،فهي مستمدة من مصدر من المصادر الرسمية، فانها تسري في حق المخاطبين باحكامها، سواء علموا بها او لم يعلموا، ولا يصح الاحتجاج بعدم العلم بها تهربا من تطبيق احكامها، اذ لا يعذر احد لجهله باحكام القانون، ويعبر عن ذلك بأنه << لاعذر بجهل القانون >>.

  و من الممكن أن يقال انه ليس من العدالة ان يخضع الافراد لقواعد قانونية لا يعلمون عنها شيئاً، اذ ليس من السهل ان يحاط كل فرد على حدة بالقواعد القانونية و فان المصلحة العامة في الجماعة تقتضي ان يوضع مثل هذا المبدأ حتى لا يوجه الخطاب الى بعض الافراد من دون البعض الاخر والا سادت الفوضى وعدم الاستقرار والاضطراب في نطاق المعاملات، وثارت المنازعات حول علم الناس او جهلهم بالقانون ولاستطاع الكثيرون الافلات من الخضوع لاحكامه فيقصر القانون عن اداء وظيفته وهي حفظ النظام في الجماعة.

           ومن ناحية أخرى يراعى انه اذا كان تطبيق هذا المبدأ قد يؤدي الى اهدار المصالح الخاصة للافراد، الا انهم كثيرا ما يحاطون علما من الناحية الواقعية باحكام القانون وقد يتحقق ذلك عن طريق الاذاعة او الصحف او غيرهما من وسائل النشر.

        كما يتحقق بسبب كون القاعدة القانونية من القواعد السهل على الافراد الوقوف عليها نظرا لنشوئها وتكوينها بين الافراد في الجماعة كما هو الحال بالنسبة للقواعد التي مصدرها العرف او لانها قواعد اصبحت واضحة معلومة للجميع، نظرا لقدمها او لاتصالها بالدين بالنسبة للقواعد الخاصة بمسائل الاحوال الشخصية، الحاضر ان القواعد القانونية لا تصبح نافذة الا بعد نشرها في الجريدة الرسمية وغالبا ما تمضي مدة قد تطول في بعض الاحيان قبل وضعه موضع التنفيذ وفي هذا ايضاً ضمان كاف للافراد يتيح لهم فرصة العلم بأحكامه.

    يضاف إلى ذلك أن القواعد القانونية في جملتها تتفق ومنطق البشرية مما يجعل الناس يحترمونها رغم عدم علمهم بها من الناحية الفعلية نظراً لشعورهم بضرورة التزام سلوك معين في الحياة وبأنه ليس لهم حق في الاعتداء على حقوق الآخرين.

    وأيا كان الأمر فان المبدأ يسري في حق الناس كافة ولا يعذر احد لجهله بالقانون اياً كانت الظروف المحيطة به، فلا يصح للشخص الاحتجاج بعدم العلم بأحكام القانون لمرضه او لغيابه خارج البلد اثناء صدور القانون او تمام تكوين القاعدة القانونية. كما لا يصح له ان يحتج بعدم علمه لجهله بالقراءة أو غير ذلك وإذا كان هذا المبدأ قد وضع على النحو السابق للاعتبارات التي اشرنا اليها الا انه يرد عليه استنثاء واحد في ظل اعتبارات قاونية توجب جواز الاعتذار بالجهل بالقانون وطلب عدم تطبيقه وذلك في حالة القوة القاهرة التي تحول دون وصول الجريدة الرسمية الى بعض المناطق، كما اذا عزلت هذه المناطق عزلاً تاماً بسبب حصار الاعداء لها او بسبب احتلالها او بسبب فيضان او لانقطاع المواصلات عنها.

   والحكمة في تقرير هذا الاستثناء هي ان وصول الجريدة الرسمية يعطي للافراد فرصة للعلم ولهذا كان من الطبيعي ان يسمح لهم بالاعتذار لجهلهم لاحكامه ومن الواضع تبعاً لهذا المبدأ ان الاستثناء لا يطبق الا بالنسبة للقواعد القانونية التي مصدرها التشريع ولا كن أين  التشريع ؟ كما ان هذا الاستثناء مقيد بالظروف التي تدعو اليه فاذا زالت تلك الظروف زال الاستثناء وطبق المبدأ وإذا كانت القاعدة انه لا يضر احد لجهله حكم القانون، فان الامر يثور بالنسبة للمدى الذي يطبق فيه هذا المبدأ؟

      لاجدال في أن المبدأ يطبق ايا كان مصدر القواعد القانونية سواء كان مصدرها التشريع او الدين او العرف او مبادئ الشريعة الاسلامية، كما ان المبدأ يطبق بالنسبة لجميع القواعد سواء كانت هذه القواعد آمرة او كانت قواعد مكملة او مفسرة، هذا هو مدى تطبيق المبدأ.

       ولكن الخلاف ثار حول تطبيقه بالنسبة للقواعد المكملة، فقد رأى البعض انه يصح الاعتذار بجهل هذه القواعد، الذي دفع بهم الى القول بهذا الرأي هو خلطهم بين فكرة الاعتذار بجهل القانون في هذا الصدد وفكرة امكان ابطال العقود نتيجة لما يقع فيه احد المتعاقدين في غلط في القانون، ولهذا اعتقد اصحاب هذا الرأي ان في هذا خروجا على مبدأ (امتناع الاعتذار بجهل القانون) وان هذا الاعتذار يقبل في حالة الغلط في القانون، لكن ينبغي ان نفرق في هذا الصدد بين فكرة الاعتذار بجهل القانون وبين فكرة الغلط في القانون.

     أن فكرة الغلط في القانون لا تكفي بذاتها لكي ترتب اثرها اي لا يكفي مجرد الغلط في القانون، بل لا بد من توافر شروط معينة نص عليها القانون (القانون المصري) ثم انه يراعى هنا ناحية اخرى، ان الجهل بحكم القانون ينبني على الاخذ به استبعاد حكم القانون وطرحه جانبا، فاذا ادعى شخص انه يجهل حكم القانون فان النتيجة التي يريد الوصول اليها هي التخلص من تطبيق حكم القانون بالنسبة له والامر على خلاف ذلك في حالة الغلط في القانون لان المتعاقد اذا وقع في غلط وتمسك به فليس معنى ذلك انه لا يتمسك بالقاعدة القانونية التي وقع فيها الغلط وبالتالي لا يريد تطبيقها بالنسبة له، بل على العكس انه يتمسك بتطبيق القاعدة التي وقع فيها الغلط، كما ان القاعدة تظل سارية في حقه رغم جهله بها، مثل حالة ما اذا باع وارث نصيبه في التركة، معتقدا انه يرث الربع مع ان القانون يقرر ان نصيبه هو النصف في هذه الحالة يعتبر الوارث انه قد وقع في خطأ في القانون يجيز له إبطال البيع ,فإذا  تمسك بائع بإبطال البيع على اساس الغلط في القانون فإنه يتمسك بالقاعدة القانونية التي كان يجهلها، وهي انه يستحق ميراثه كاملا طبقا للقانون ولا يطلب استبعاد حكمها بالنسبة له كما هي الحال بالنسبة لمبدأ الاعتذار بالجهل بالقانون.

 

   ونؤكد أن اعتبارات العدالة تتماشى وتتوازن مع اعتبارات النظام العام بصدد تطبيق مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون، لأنه اذا تعذّر الناس بجهلهم بالقانون فسوف تسود الفوضى في كل مكان لأن الجميع في هذه الحالة سوف يعذرون بجهلهم بالقانون.

11. أكتوبر 2018 - 13:08

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة