تولجا فى العار / أحمدو ولد الوديعة

altهناك خطأ سياسي فى طريقه للشيوع بين المهتمين بكتابة تاريخ هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ بلاد السيبة، مؤداه أن الذي قرأ "البيان رقم واحد" لانقلاب الجنرال المقال هو الوزير البداع، والحقيقة أن الأمر ليس كذلك فالذي كتب البيان الأول ونشره بلغة فرنسية أصيلة هو القيادي البعثي الكبير محمد يحظيه ولد ابريد الليل، وذلك في جريدة نواكشوط انفو التابعة للقيادي الكبير في تيار التغيير والإصلاح الصحفي شيخنا ولد النني. 

أعرف أنني لا اكشف سرا حين أعتبر مقالة "تفاديا للعار" التي كتبها ولد ابريد الليل ونشرت بالتزامن مع مقال " أنقذوا موريتانيا" لشيخنا ولد النني تمثل البيان الأول لثاني انقلابات ولد عبد العزيز، فقد فهم الكثيرون وقتها أن ذلك المقال كان بالفعل كما هو عنون إحدى حلقاته " نهاية مرحلة" وقد تعزز ذلك الانطباع بما رشح من معلومات عن لقاءات منتظمة كانت تضم القائد الفذ والجنرال، في مكتب الأخير بالقصر الرمادي إضافة إلى ما يقال عن عمل ولد ابريد الليل في قيادة الأركان مستشارا ضمن قائمة أخرى من الرفاق يبدو أن الجنرال الرفيق اختارهم إلى جانبه تمهيدا لليوم الموعود.
ليست تلك المعلومات مؤكدة ولاهي في نهاية المطاف بذات أهمية فيما تريد هذه المعالجة نقاشه، تماما كما لا يهم التذكير بالعلاقات القديمة بين الجنرالين - أو أحدهما على الأقل - بالفكر البعثي الذي يعتبر ولد ابريد الليل أحد رواده الأوائل الناطقين بلغة موليير، ما يهم اليوم وقد تم تجنب ما كان " الرائد" ولد ابريد الليل يحذر منه أن نحاول فهم حقيقة ذلك "العار" الذي رصدته قرون الاستشعار "الليلية"، وجعل ولد النني يصرخ أن أنقذوا موريتانياـ لتلحق بهما فيما بعد جموع من الصاحين والصائحين بذات الشعار أنقذوا موريتانيا من العار.
إن الطريقة التى بزغت بها "صحوات إنقاذ موريتانيا من العار" تكشف حقيقة أن هناك فاعلا مستترا وراء كل أولئك الصاحين والصائحين والصارخين تقديره الجنرال، وهو أمر أدركه الأغبياء وسارت به الركبان رغم محاولات المغضوب بهم نفي ذلك والحلف بأغلظ الأيمان أن لا فاعل غيرهم وأن لا ضمير غير الضمير الوطني يقف وارء سيرهم الحثيث إلى الانقلاب.
لصحوة ولد ابريد الليل وولد النني الكثير من التشابه مع صحوات أخرى عرفها المشهد السياسي الوطني منذ "التغيير" الذي جاء لكي لا يكون هناك تغيير في الثالث من أغسطس، فهي تشبه صحوة المستقلين المتمردة على التحزب وصحوة البطاقة البيضاء، وصحوة إنشاء حزب الدولة، وصحوة الحركة التصحيحية، وصحوة أهمية الحصار الدولي بالنسبة للشعوب، وغير ذلك من النزوات الطائشة التي ما إن ترد على خاطر الحاكم العسكري حتى يتلقفها موزعو الفكر السلطوي ليطرحوها في كل الأسواق وبأشكال عرض متنوعة حسب الطلب.
هي نبتة أصيلة إذا في تاريخنا السياسي هذه التي " بشر بها ولد ابريد الليل وولد النني وآخرون أخرجوا من أجداثهم السياسية ليشكلوا مبادرات كالفطر تحمل نفس اللافتة التحذيرية "أنقذوا موريتانيا من العار" فدعونا نعرف وقد وقعت الواقعة أي عار عناه هؤلاء "المنذرون" وأين نحن اليوم في ظل عهد تفادى العار من العار الحقيقي غير المعدل عسكريا.
إن العار الذى تمنى ولد ابريد الليل أن تجد موريتانيا من ينقذها منه ليس شيئا آخر غير التوجهات الوطنية غير العنصرية التي سعى الرئيس المنتخب لتكريسها من خلال قراراته الشجاعة بالشروع في ترميم الوحدة الوطنية من خلال تجريم الرق وإعادة المبعدين، وهي القرارات التي عارضها منذ اللحظة الأولى وبإجماع عز نظيره كل أصحاب التوجهات العنصرية، واعتبروها خطا أحمر لا يجوز في أي ظرف من الظروف السماح لأحد بتجاوزه، ولا بد من التذكير هنا بذلك السيل الجارف من الانتقادات الذى استقبل به خطاب الرئيس في التاسع والعشرين من يونيو حيث قوبل بحملة رفض واسعة عرفت ذروتها في الأيام الوطنية للتشاور، وأثناء الأسبوع الوطني للتحسيس بقانون تجريم الرق، لقد كشف هؤلاء ومن يلف لفهم عن وجوههم العنصرية البغيضة رافضين أي خطوة على طريق توحيد موريتانيا على أسس غير تلك الأسس النتنة التي أرساها ملهمهم الأول الأخ الرفيق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، فبثت شائعات وحركت مسيرات وأسيلت دماء حتى، كل ذلك من أجل أن يتوقف ذلك "العار التوحيدي" الذي وضع الرئيس حجره الأساس رغم الصراخ القادم من كل الاتجاهات أن موريتانيا فى خطر.
أتذكر هنا تلك الندوة الصاخبة التي أنعشها تلاميذ ولد ابريد الليل في دار الشباب القديمة واختتمت بمهمهات من الشيخ سنكتشف فيما بعد أنها "المسودة الأولى" للبيان الأول "تفاديا للعار"، وقد مثلت تلك الندوة للأمانة نموذجا رائعا للفكر الديمقراطي الذى يحمله هؤلاء حين منع من الحديث كل من كانت قد تسول له نفسه أن يتحفظ على الخطاب العنصري التنويري لأصحاب الرسالة الخالدة.
إن التعبئة السرية التي قيم بها تمهيدا للانقلاب كانت قائمة بشكل أساسي على أن البلد في خطر من خلال عودة المبعدين وتجريم الرق وهو ما كان كافيا لتعبئة جيوش من العنصريين أخذت تنشر كل أنواع القصص عن الرئيس متحالفة مع بعض القوى التي دفعها قصور النظر إلى توهم أنها ستكون هي من يرث القصر حين يتخلص العسكر من ولد الشيخ عبدالله.
وفى موازاة التعبئة المدنية كانت هناك تعبئة عسكرية تتم على أساس وثيقة مزعومة تتعلق بتصفية ماضي حقوق الإنسان حيث أوهم الكثير من العسكريين أنهم جميعا مستهدفون، رغم أن الجميع يدرك أن المتورطين في تلك الجرائم قلة قليلة لا تمثل المؤسسة العسكرية ولا تعبر عن الطبيعة الوطنية لأفرادها المخلصين.
ما سماه "رسل الجنرال" تفاديا للعار هوالتولج في العار ذاته، وها هي الشواهد ماثلة أمامنا من خلال نماذج من حصاد أسابيع العار التي افتتح بها هؤلاء عهدهم الأغبر: 
- فالعار الحقيقي هوأن يشطب بمؤخرة حذاء جنرال على تجربة ديمقراطية كانت فى طريقها لأن تكون منارة جديدة لبلاد تعيش منذ عقود على إرث منارات غابرة؛ هو أن تسخر وسائل الإعلام العمومية الممولة من مال الشعب لحفن من المرضى النفسيين للتباري فى النفاق والكذب الصراح؛ هو أن تبث إذاعة دولة محترمة خبرا عن ملتمس تأييد قادم من عائلة أهل فلان وأن يسخر بثها مدة ساعات متتالية لندوات هزيلة تنظم هنا وهناك.
- العار هو أن يعين الناس في وظائف سامية بناء على ما دفعوا فى رصيدهم التزلفي من كلمات بذيئة بحق رئيس منتخب؛ هو أن يتم توزيع ممتلكات الدولة على جموع الأفاكين ثمنا لتظاهرهم وتأييدهم غير المشروط لشيء لا يعرفون ما هو ولا ما ذا يريد ولا أين ينتهي؛ هو أن تسند الوظائف الأساسية للزملاء وأصدقاء العائلة حتى من شطت به الدار منهم وأصبح يحمل جنسية دولة أخرى.
- العار هو في تعريض بلاد بكاملها لعزلة دولية مقابل إرضاء شهوة مكبوتة فى التسلط، ويخرج من الأجداث من يحول تلك المأساة القادمة إلى ضرورة حيوية للشعوب مخرجا من قاموسه الخشبي مفردات موغلة فى الاستخفاف بالناس.
- العار هو أن يعاد تجنيد شعب بكامله لتأليه جنرال، وإفراغ كل طاقاته في التنافس على كسب وده وعطفه ورحمته؛ هو أن ينقلب على مؤسسات الشعب الواحدة تلو الأخرى فيوضع على رأسها خليط من المفسدين والمتورطين فى الجرائم الإنسانية، هو أن توضع القوانين على المقاس والمزاج فتحال صلاحيات مختلف المؤسسات الدستورية إلى الجنرال عند الضرورة كما تنص إحدى مواد الميثاق غير الدستوري.
إنه العار الحقيقي الذى دعانا رسل العسكر إلى تجنبه لنكتشف أنهم إنما دفعونا فى الواقع إلى التولج فيه فهنيئا للمفكر القومي الكبير، والكاتب التغييري البارز وجموع " الصاحين والصائحين " بمناسبة تحقق حلمهم القومي الخراج وعزاء لموريتانيا المتولجة في العار، وعسى أن يأتي الله بالفرج أو أمر من عنده...

31. أغسطس 2008 - 18:56

كتاب موريتانيا

ذات صلة