القابلية للاستخفاف / أحمدو ولد الوديعة

altليست ميزة جديدة فى القوى السياسية المنحرفة أن تستخف بشعبها، كما ليس من الغريب أن تحتضن المجتمعات القاطنة على طريق النمو السياسي والفكري فيروس "القابلية للاستخفاف" الذى يجعلها مهيئة -لابل مرشحة - أن لايتولى قيادتها إلا من يوفر لها مقادير معتبرة من ذلك الفيروس ؛الداء والدواء على الطريقة النواسية.

دع عنك لومي فإن اللوم اغراء وداوني بالتى كانت هي الداء
إنها سنة كونية سجلها لنا القرءان مع فرعون الأول، وهي سنة ماضية ظللنا نرقبها مع مختلف فراعين العصور والدهور، وهي اليوم ماثلة أمامنا فى "المشهد النضالى" الفذ الذى ينفذه فى الأثناء " فيلق" من نوابنا المحترمين الصاحين فجأة من غيبوبة الفساد والاستبداد، الساعين 
" أصالة" عن انفسهم ونيابة عن...... إلى إعادة الديمقراطية للعسكر أصحابها الاصليين، وملاك رخصة صيدها فى البر والبحر بل وفى السماء وتحت الأرض.
هومشهد استخفافي " مبدع "ذاك الذى تتالى حلقاته فى موريتانيا منذ فجر الثالث من اغسطس، وهو يتسلق إحدى اروع قممه الإبداعية هذه الأيام، أو ما رأيتم ابطاله كيف تحولوا بحركة بهلوانية ساحرة من النقيض إلى النقيض حتى دون ان يحتاجوا لتغيير الخشبة أو الديكور أو الجمهور، دعونا نستعيد بعض الملامح القريبة من موسم العرض الحالي
1 أزيح الستار فى بداية المشهد الأول عن مجموعة من ممثلي الشعب – لاتنسوا أن العسكر من الشعب - وهم يصرخون لا لعودة رموز الفساد، لالعودة رموز النظام المنقلب عليه، نعم للإصلاح والتغيير ، وعلى وقع هذه الشعارات الجميلة، تحركت " الكتيبة البرلمانية"، وهي تطلق النار يمنة ويسرة على كل من تخول له نفسه الوقوف فى وجه الثورة البيضاء ذات العارضة الزرقاء.
ولأن الكتيبة تمثل الشعب وترفع شعارات حق يراد بها ما يراد بها، ولأن أهم قوى الشعب العسكرية " تقف وراءها" و توفر لها المدد، ولأنها غير معنية على الراجح بالزيادات الطارئة على أسعار الوقود فقد استطاعت أن تختزل المسافة كثير فوصلت فى أيام إلى القمة ودعت الجميع إلى الانسجام مع 
" ثورة" النواب الأحرار" على الرئيس أن يسنجم وإلا فلاحل ذلك هو تقدير أحد الناطقين الرسميين باسم إحدى تجمعات " المصلحين الجدد" المتكاثرين كالفطر خلال الأسبوعين الماضيين
إذا الشعب يوما أراد الحياة.... قالها أحد الثوار وهو يتسلق منصة وضعها الثائرون المتمردون أمام مقر الجمعية الوطنية، وصفق له الجميع بطريقة أبانت عن خبرات عميقة ومحترفة فى الفن... ولاغرو فالتصفيق صفة لازمة لكل من يحلم بممارسة مهنة الاستخفاف فى بلاد المنكب البرزخي
2
أما المشهد الثاني فقد بدأ مباشرة بعد تحقيق " العرض" الأول أهدافه يوم استقالت الحكومة فى ظروف غامضة وقبل الرئيس ذلك بعد ساعات من مرافعته عنها وتلويحه بحل الجمعية الوطنية فى حال أصر من " يفترض فيهم حسن النية" على المضى فى "استغلال المؤسات الدستورية لمئا رب شخصية أو حزبية"... المهم استقالت الحكومة بطلب من الرئيس، أو بضغط من الوزير الأول الذى لامشكلة لديه فى التواصل مع " قادة الثورة" ويتحلى" بصفات نادرة" تؤهله ليكون أحد أبطال اللعبة حتى ولو كان ذلك من وراء" ستار"
عنوان المشهد الثاني تجسيد لشعار" القطيعة" الذى عادة ما ترفعه الثورات فهو قطيعة مع المشهد السابق، فلاحديث عن رموز الفساد بعد سقوط الحكومة، فليس " الثوار "هم من يحدد المفسد من المصلح بل إن أحدهم فى لحظة ثورية عارمة قال لصحفي دفعه الفضول ليسأل هل ستصل صحوة الاهتمام بالمال العام حد مسائلة رموز الفساد؟ قال له الشيخ وهو يحاوره أنتم جميعا رموز فساد.. انتم الصحفيين وجميع الحاضرين كلكم رموز فساد بل كل الموريتانيين فى الواقع رموز فساد اللهم إلا من لم يجد منهم شيئا" يفسده" يقول الشيخ الثائر فى وجه ممارسات الفساد "المشتبه فيها فى إحدى هيئات المجتمع المدني التى تديرها ختو بنت البخاري" وفق تعبير بيان مجموعة الشيوخ التى يقودها محسن ولد الداهي القادم توا من احتفالات اللوبي الصهيوني.
لتنسحب المعارضة إلى خطوط ما قبل العاشر ما يو فلامكان لها فى الأغلبية التى اختارها الشعب – وفق التعريف السابق- لتحكم باسمه، ذلك هو ملخص " خطاب المرحلة" الذى رفعه الثوار فى ثاني مشاهد الاستخفاف، وكما نجح الثوار فى الإطاحة بالحكومة يبدو أن" الفيلق" عازم على تحقيق نصره الثاني و" تطهير" الحكومة القادمة من فلول حزبي تواصل وقوى التقدم " المسكينين" اللذان ظنا فى لحظة صدق ايديولوجي أن هناك فى " معسكر الأغلبية" من ينشد الإصلاح ويملك الإرادة والقدرة على الدفع باتجاهه
موسم العرض الساخن يقترب من نهايته ما لم تحث مفاجئات، وفى هذه المرة كما المرات السابقة تأكد أن البضاعة الأكثر رواجا هنا هي بضاعة الاستخفاف بالناس، والظهور لهم بما يقتضيه الحال والمقام من وجوه والحديث لهم بما يستهويهم من حديث، وعلى الذين لاتعجبهم هذه الحقيقة أن يختاروا بين الشرب من ماء المحيط، أو الترنيم مع الشاعر
مأساتنا المجنحة تحوم فوق الأضرحى
تأتي لنا بصور محزنة ومفرحة
فى كل عام طبعة مزيدة منقحة
مأساتنا تحرسها قواتنا المسلحة
وإلى مشهد استخفافي قادم

8. يوليو 2008 - 18:53

كتاب موريتانيا

ذات صلة