رحلتي إلى درة الوسط / إسلمو ولد أحمد سالم

(1)  ...ألاك تاريخ و حاضر و مستقبل ،و موقع وسط من الوطن ، و في منطقة منبسطة شاسعة ، و من الممكن جدا أن يكون (ابوجا) أو (ياموسكرو) موريتانيا ، خاصة ان المحيط يهدد العاصمة من فوقها و من تحتها.

انطلقت عند الساعة السابعة و النصف في (اليابانية) ، و كان علي أن أتواجد في الإدارة الجهوية مع تواجد العمال ، لتسليم ملفات المترشحين للشهادات الوطنية، فاليوم يوم الجمعة و الدوام قصير.

مع الصباح في المقاطعة تتقاطع على الشارع الرئيسي مع الأبقار المنطلقة إلى المراعي الجنوبية ، و الافران القادمة من المخابز ، و باعداد كبيرة من المتريضين ...

و من أجل إختراق المدينة يجب أن تتحرك ببطء شديد ، لأن الحفر و الغبار تنظم الحركة و تدرب على التحمل ، و على التمتع بالأجيال المتراقصة من القمامة و التي تلاحق السيارات .

وصلت في الوقت المحدد ، و لقيت صديقي دراسة ، أحدهما كان عمدة سابق لشكار و الآخر إطار في مفتشية المقاطعة . كانت فرصة لتبادل الأخبار و إنعاش الذاكرة حول ماض مجنون عبرنا خلاله ثانوية ألاك .

سلمت اللوائح و الملفات ، و اصررت على أن أعود للمقاطعة دون توقف ، فالجو مغبر ، و يفضل أن ابقى وراء زجاج السيارة . 

بعد ان تجاوزت مدينة شكار  انفجر أحد الإطارات ، و لم اتصل طبعا بعمدة الجنوب ، و لكني انتظرت لعل و عسى اجد من يساعدني استبدال الإطار ، و الإطار هنا جمعها إطارات ، حتى لا يظن الإخوة أنني أتحدث عن مقدساتهم .

من حسن الحظ أن سيارة 190 مشرقة توقفت لي ، و بها شاب من ابناء قرية الصفا أو أحد امتداداتها الاجتماعية و معه رجل سبعيني.  فبادرا معي في استبدال الإطار و انتهت العملية بطريقة سلسة ، ساعد في ذلك الخلق الرفيع للشاب الذي تولى عني كل شيء ، و الذي اكتشفت أن لي به علاقة خؤولة ، كان الوالد رحمه الله يحدثنا عنها ، و كانت في مكتبه كتب ثمينة ، هدية من رجال تلك الأسر الكريمة.

(2)....بدأت مدينة شكار تتسع ، في الاتجاهين ، و بدأت معطياتها تلح بطلب الكهرباء ، و الخدمات العصرية ، و بدا سوقها يعج بالحركة ، رغم قلة المحلات الكبيرة .

في نهاية شكار للمشرقين هناك منعطف خطير ، يزاحمه كثيب كبير من الشرق ، و عليك أن تخغف السرعة و توسع الطريق عن يسارك ، و تكون في أقصى درجات الانتباه ، لأنك لن ترى القادم حتى يعتلي المرتفع أمامك.

حاولت بعد ذهاب الرجلين ، أن أدير المحرك ، لكنه أصر على الصمت المطبق ، رغم تعدد المحاولات ، فعرفت أن بالكهرباء خلل ، و أنه في شحن البطارية.  فقلت يجب أن أتصل بالعمدة هذه المرة ، فهو قد (استولى) بقضيتها ، و قد التزم بالمعالجة ، لكن قضية الولاية (بفتح الواو) رفضها عقلي ، و تركت قضية الاتصال لأنه سيجعله يمم شطر المقاطعة ، و هذا ستفسد عليه تتبع ما يجري من أحداث ساخنة في العاصمةو تجعله يتذكر بلديته.

تذكرت الأخ احماده بونه ول محمادو الذي عرض المساعدة في المرة الماضية ، و جمعا غفيرا من أبناء الجنوب الذين يقومون بالواجب جبلة .

و لو أنني اتصل بإطار من (الأطر) لقام بالمطلوب ، لكنني أخشى المنة و نشر الخبر ، و تبويبي تحت عناوين الأوركسترا المرافقة ، و من المؤكد أن موقفي السياسي سيحاول التأثير عليه ، و ربما ذكرني القرابة و العلاقة الضاربة في القدم للأسرتين ، و ربما قال في الملأ إنه ساعدني في إدارة المحرك ، أو جلب من يساعد في الدفع بالسيارة حتى يشتغل محركها. لقد أصبحت لدينا مشكلة حقيقية ، فالصلات و المعروف و القيام بالواجب الاجتماعي أصبحت ذات دلالات قدحية ..

قررت الاعتماد على النفس ، كما حدث مع سكان المشروع حين منع عنهم الصهريج ، و كما فعل سكان تارحييت حين أغلقت المدرسة فاستبدلوها بمحاظرهم ، و استجمعت تفكيري للبحث عن حل.

وقعت في مشكلة حقيقة ، فالبقاء في السيارة لن يثير انتباه المارة ، و الخروج منها يجعلك تقف في مرمى الرياح الباردة و المغبرة.

مرت سيارات كثيرة مسرعة و لم ينفع معها التلويح ، فقلت ربما هم منتخبون ، فبعد الانتخابات تختفي الابتسامات العريضة و الاريحية و الاستعداد للتوصيل .

(3).....عندنا يوغل المترشحون في الحفاوة و حسن الاستقبال و الاستعداد للقيام بالواجب ، و يتلقى كل الناس وعودا براقة ، و فور تحولهم إلى منتخبين يتظاهرون بالانشغال ، و يتوارون في العاصمة بعيدا على الناخبين . و تكون الزيارات عند كل حدث سياسي .

بعض العمد يلاصقون الوزير ، و كلما حصلوا على حاسبة أو بيكار انتقلوا إلى بلدياتهم ، مصحوبين بحملة إعلامية كبيرة ، و استقبال سيصور أنه للأبطال .

لاحظت شاحنة كبيرة قادمة من الغرب ، فبدات التلويح ، و بفضل من الله بدأت تخفف السرعة حتى وقفت قريبة مني ، فحييت السائق و شرحت له حاجتي لعملية دفع بسيطة للسيارة حتى يدور المحرك. 

لم تكن القضية صعبة ، فمجرد قطع خمسة أمتار أدرت المحرك فاستدار ، فودعت الجماعة و انطلقت ، لكن العملية جعلتني أفكر في واقع شبابنا . فبعضهم يحتاج للكثير من الوقت و الجهد و السقوط حتى يبتسم الحظ للشغل ، أو الترقية، و قد يتطلب الكثير من الدفع ، بنوعيه : المادي و الميكانيكي ، حتى ينطلق . و ربما قضى سنوات في السباحة عكس تيار قناعاته حتى يعتلي المركب . و بعضهم تكفيه دفعة بسيطة ، فيستوى .

تحركت السيارة و سرحت أفكر في الطريقة التي تدار بها السياسة عندنا.

يقرر وزير الداخلية زيارة عاصمة الولاية ، فياتي جمع من العاصمة باسمنا لألاك ،و يقرر بدلنا موقف المقاطعة ، و تنتهي المهمة (الناجحة للوزير) ، و لم يعلم بحضوره غير الزوار مثله .

عندما دخلت حدود المقاطعة تذكرت كيف استقطبت أعدادا غفيرة من المستجلبين ، فمقطع الأحجار هذا الموسم توافد عليه كل شيء حتى جرثومة الحصبة ، التي كانت قد اختفت منذ سنين ..

تتناثر البيوتات على طول الطريق ، و تتعدد التسميات ، في ارض فلاة ، لا ماء و لا مرعى ، لا افهم الارتباط بها ..أنضلي ، التيسير ، الجزيرة ، دار السلام ...

و لو ان كل هذه التجمعات ، اجتمعت كلها في مدينة مقطع الأحجار او في لخريزة ، لكان جلب المشاربع التنموية أسهل .

9. فبراير 2019 - 12:04

كتاب موريتانيا

ذات صلة