السيد الغزواني في حفل إعلان الترشح، هل حمل الخطاب جديدا؟ / د.محمد الأمين حمادي

حضرت حفل إعلان السيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني قراره الترشح لمنصب رئيس الجمهورية. وقبل أن أتطرق إلى مضامين هذا الخطاب المهم من حيث هو أول اتصال مباشر بين الرجل وجمهور المواطنين، لا بأس أن أذكر بعض الجوانب المتعلقة بتنظيم الحفل.

كان كل شيء منظما تنظيما جيدا ولم يترك للارتجال أي نصيب. رغم ذلك فقد كانت السمة السائدة في هذا الحدث هي عدم التكلف في كل مظاهر الحفل، بدءا بالسيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني نفسه الذي فضل البساطة في المظهر على الأبهة المتكلفة.

كان من محاسن الحفل حسن استشهاد القارئ بآية الفتح التي ناسبت المقام أيما مناسبة، وبراعة الاستهلال وحسن الاستشهاد مظاهر مهمة، خاصة من القرآن العظيم.

ظهور السيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني وحده على المنصة لم يرافقه إليها أحد وسار إليها بخطى حثيثة كان له وقع قوي في قلوب الحاضرين حيث ظهر الرجل بمظهر الشخص القائم بذاته المتحرر من الإكراهات والمراسيم والضغوط، السائر إلى المستقبل بخطى واثقة.

حضور أسرة الرجل ووالدته إلى جنبه أظهرت الجانب الاجتماعي لشخصية الرجل وما يوليه من اهتمام للحمة الاجتماعية كأداة لتحصين المجتمع.

أظهر السيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني لياقة بدنية عالية عندما نزل من المنصة وطاف بالملعب في دقائق معدودة كان يمشي بخطى حثيثة لكن الأشخاص الذين تحلقوا حوله كانوا يهرولون لكي يتمكنوا من مسايرته.

تصرف السيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني وتفاعله مع الحفل ومع الجمهور أرسل رسالة قوية إلى أولئك الذين كانوا يبالغون في وصف الرجل بالانطوائية والخمول حيث أظهر العكس تماما فخاطب الجمهور بنبرة واثقة وبكلمات مؤثرة.

أما الخطاب فقد كان مباشرا وصريحا وواضحا، خاطب فيه عقل الموريتانيين ووجدانهم وتطرق فيه إلى مجالات مختلفة تمس الشأن العام وأرسل رسائل واضحة تعكس تمكنه من فهم الأوضاع العامة في البلد وما يعانيه من تحديات لبناء صرح الدول.

لن أتعرض هنا لمحاور الخطاب الذي يكن بالطويل الممل ولا بالقصير المخل بل وفق فيه الخطيب إلى الإحاطة بأهم جوانب الموضوع بأسلوب رصين وجميل

لقد تعددت المقالات التي تناولت بالدراسة والتحليل لهذا الخطاب وأجمعت كلها على أنه كان خطابا جامعا رصينا مبشرا بمرحلة جديدة من التعامل مع الشأن العام. لكن جزئية واحدة من هذا الخطاب لم يتطرق إليها أحد من الكتاب الذين كتبوا حول الموضوع. هذه الجزئية تمثل توجها جديدا في الخطاب السياسي الموريتاني عموما ولعل السيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني هو أول من تطرق إلى هذا التوجه الجديد على الساحة الوطنية وإن كان الموضوع قد تم طرقه في عديد من الدول التي تسعى إلى تنمية بشرية فعالة ومفيدة لشعوبها.

لقد عودنا رجال السياسة على الكلام عن الرخاء والازدهار والتنمية والتقدم فتعودت مسامعنا على تلك المصطلحات المهمة في حد ذاتها البالغة الأهمية في السعي لتحقيها. لكن مظهر الجدة في خطاب السيد محمد ولد الغزواني هو كلامه عن هدف من أهداف التنمية اليوم لم يتطرق إليه ساستنا في خطاباتهم وخططهم وأهدافهم. هذا الهدف الجديد على مسامعنا هوما يسمى بالسعادة التي ورد ذكرها مرتين في خطاب السيد الغزواني جاعلا منها هدفا يتطلع إلى العمل على تحقيق أكبر قدر ممكن منه للمواطن الموريتاني.

ولكم أن تعودوا لخطابات رجال السياسة والشأن العام في موريتانيا فلن تجدوا لكلمة السعادة ذكرا بوصفها هدفا من أهداف التنمية البشرية والمستدامة بل قد لا يرد ذكر كلمة السعادة مطلقا ولو عرضا في تلك الخطابات.

قد لا يولي البعض كبير أهمية لهذا الهدف على اعتباره مستحيل التحقق رغم أن الواقع اليوم يوحي بعكس ذلك وعديد من الدول جعلت من السعادة هدفا تعمل على تحقيقه لمواطنيها بل إن بعض الدول أنشأت وزارة خاصة بالسعادة وبعض الدول تسعى جاهدة إلى إدخال مفهوم السعادة في التنمية البشرية وتقوم من أجل ذلك بعقد مؤتمرات دولية لدراسة سبل تحقيق السعادة.

ويرتكز هذا المسعى على أهمية الربط بين سعادة الفرد وتنمية إمكانياته ومهاراته وتعزيز قدراته على العمل والابتكار والإبداع، ومن ثم الوصول إلى مجتمع منتج وسعيد.

لقد شكل خطاب السيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني دعوة إلى العبور من مسار تقليدي دأبت الدول السائرة في طريق النمو على سلوكه إلى طريق جديد أي الانتقال من تحقيق هدف التنمية إلى تحقيق هدف السعادة.

وقد لا يتصور البعض أن السعادة هي هدف من الأهداف، دعت الأمم المتحدة إلى السعي إلى تحقيقه بل وتم تحديد العشرين من مارس يوما عالميا للسعادة. ومن الجدير بالذكر هنا أن خبراء التنمية البشرية يرون أن تحقيق السعادة المجتمعية أهم من زيادة الناتج المحلي وقد ظهر مفهوم جديد هو " السعادة القومية الإجمالية" التي تشمل مستوى المعيشة والصحة والتعليم، فضلا عن الثقافة والصحة النفسية.

ويرى العديد من الخبراء أن فكرة السعادة كخيار جديد، يمكن أن تشكل بديلا لحل الكثير من المشاكل التي يعاني منها العالم اليوم.

من هنا كان خطاب السيد محمد ولد الغزواني متميزا عن الخطاب السياسي التقليدي الذي درج عليه رجال السياسة في هذا البلد حيث بشر بالسعي إلى تحقيق السعادة للمواطنين وجعل منها هدفا سيعمل على تحقيق أكبر قدر منه لكل فرد من أفراد هذا المجتمع.

4. مارس 2019 - 15:47

كتاب موريتانيا

ذات صلة